«99% من الملفات حُسمت»: هل اقتربت لحظة حلّ «قسد» والإدارة الذاتية؟

الكاتب: أحمد علي
عندما يقول قائد بارز في قوات سوريا الديمقراطية (SDF) إن 99 في المئة من العقبات قد أزيلت، وإن إعلان حلّ «قسد» ووحدات حماية الشعب (YPG) بات مسألة أيام، يصبح الرقم نفسه خبراً. لكن السؤال الذي يسبق الاحتفاء به أو رفضه هو أبسط وأشد صعوبة: ما الملفات التي دخلت في هذه النسبة، ومن قاس إنجازها، وهل يساوي نقل لواء أو حقل نفطي حسم العلاقة بين الدولة ومجتمع عاش أكثر من عقد تحت مؤسسات موازية؟
التصريح نُقل في 16 آب 2026 عن محمود برخودان، المعروف باسم «برخودان رش»، أحد قادة كوباني. قال إن الدمج العسكري اكتمل «نظرياً»، وإن نحو 10 آلاف مقاتل أُدخلوا في التشكيلات الجديدة، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 12 ألفاً. وأضاف أن بنية الإدارة الذاتية الحالية ستنتهي ضمن صيغة «جيش واحد ودولة واحدة وعلم واحد». هذه لغة أقرب إلى الإعلان النهائي منها إلى جس النبض. مع ذلك، لا يوجد حتى الآن محضر سوري مشترك يعرّف نسبة 99 في المئة، ولا جدول منشور يبيّن ما أُنجز وما بقي ومن يملك حق إعلان الإقفال.
حلّ قسد بين الرقم والواقع
ليس تصريح برخودان معزولاً عن مسار بدأ يتحول من تفاهم سياسي إلى ترتيبات ميدانية. ففي مطلع آب، كانت إدارات مشتركة قد بدأت في قطاعات الزراعة والحبوب والمياه والصحة، بينما تناولت اللجان ملفات حقول رميلان والسويدية والجبسة، والمعابر، وطرق الدخول إلى الحسكة والقامشلي. وبحسب ما أعلنته الجهات السورية في آذار، يقوم التصور العسكري على إدماج ثلاثة ألوية في الحسكة ضمن الفرقة الستين، إلى جانب لواء في منطقة عين العرب. كما جرت خطوات أولية في ملف الأسرى وفي انتشار قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية.
هذه ليست تفاصيل شكلية. انتقال سجل موظفين أو إدارة منشأة نفطية أو سلسلة أوامر عسكرية يحتاج إلى أسماء ورواتب ومخازن وقواعد اتصال وآليات رقابة. وهو أكثر جدية من صورة علمين أو زيارة وفد. لذلك يمكن فهم التفاؤل الذي عبّر عنه القائد الكردي. هناك، على ما يبدو، خط إدماج قائم، ومؤسسات انتقلت من سؤال «هل نتفاوض؟» إلى سؤال «كيف ننفذ؟».
لكن الرقم 99 في المئة يثير مشكلة منهجية. إذا كان المقصود عدد البنود الفرعية، فقد تكون عشرات الإجراءات الإدارية قد أُنجزت وبقيت ثلاثة أو أربعة بنود فقط. وإذا كان المقصود الوزن السياسي، فقد تكون البنود القليلة المتبقية هي الأثقل كلها. وضع وحدات حماية المرأة، ومستقبل المقاتلين الأتراك داخل وحدات حماية الشعب، وسلسلة القيادة الفعلية، وتسليم السلاح الثقيل، ومن يراقب السجون والمخيمات، ليست هوامش في نهاية ورقة. إنها الاختبار الذي يقرر إن كان الدمج تغييراً مؤسسياً أم إعادة تسمية.
العدد المعلن للمقاتلين يقدم مثالاً واضحاً. برخودان قال إن 10 آلاف دُمجوا وإن السقف قد يبلغ 12 ألفاً، ونفى الأرقام السابقة التي كانت تضع قوام «قسد» بين 70 و100 ألف. وفي المقابل، قدّرت تقارير صحفية مستقلة القوة الفعلية بنحو 35 ألف مقاتل، مع الإشارة إلى أن العرب شكّلوا غالبية عددية في مراحل سابقة. الفارق بين 12 و35 ألفاً لا يمكن إخفاؤه في خانة إحصائية. هل خرج الباقون من الخدمة، أم عادوا إلى مناطقهم، أم دخلوا في الشرطة المحلية، أم لم يُحسم وضعهم بعد؟ من دون سجل اسمي وآلية تحقق، يبقى الإنجاز المعلن مهماً لكنه غير قابل للقياس الكامل.
ينطبق الأمر نفسه على السلاح. القول إن أسلحة دُفنت أو جُمعت لا يجيب وحده عن أسئلة الملكية والمخزون ومفاتيح الوصول. الحل الحقيقي لأي قوة مسلحة لا يقاس بإزالة شعارها، بل بانتهاء قدرتها على اتخاذ قرار قتالي مستقل. وهذا يعني موازنة واحدة، وسلسلة أوامر واحدة، وترقيات وانضباطاً عسكرياً موحداً، ومخازن تخضع لجرد الدولة، وآلية واضحة للتعامل مع الوحدات التي لا تنطبق عليها شروط الجيش الجديد.
اندماج عسكري لا يساوي دولة موحّدة
حتى لو صدر إعلان حلّ «قسد» خلال أيام، فلن تختفي الإدارة الذاتية بقرار لغوي. فقد أنتجت سنوات السيطرة نظاماً تعليمياً وقضائياً وأمنياً وإدارياً له موظفوه ووثائقه ومصالحه المحلية. تقرير ميداني نُشر في 7 آب أشار إلى أن الزراعة والحبوب والمياه والصحة شهدت خطوات أولية، بينما بقي التعليم والقضاء من أعقد الملفات. هناك مناهج مختلفة، وشهادات تحتاج إلى اعتراف، ومدرسون وطلاب جامعات ينتظرون تسوية أوضاعهم، وسجل عقاري وأحكام قضائية ووثائق مدنية صدرت عن مؤسسات لا يمكن محو آثارها من حياة الناس.
الموظفون المدنيون يمثلون اختباراً يومياً لهذه الوحدة. ما الدرجة الوظيفية التي سيحصل عليها موظف خدم عشر سنوات في مؤسسة تابعة للإدارة الذاتية؟ هل تُحتسب خبرته؟ من يدفع راتبه، وبأي سلم، ومن يتحمل فجوة الرواتب المتراكمة؟ قد يبدو هذا أقل إثارة من ملف السلاح، لكنه يقرر إن كانت الإدارة الجديدة ستعمل صباح اليوم التالي أم ستدخل في فراغ. الدولة الواحدة لا تبدأ من العلم فقط، بل من راتب يصل إلى المعلم، ووثيقة يعترف بها القاضي، وطبيب يعرف الجهة التي تدير المستشفى.
للنفط والحبوب وزن أكبر من صور التسليم. حقول رميلان والسويدية والجبسة كانت تنتج قبل 2011 نحو 90 ألف برميل يومياً، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن الإنتاج تراجع إلى قرابة 11 ألفاً. وفي الحسكة، وصل محصول القمح في أحد التقديرات إلى نحو 1.046 مليون طن. هذه الموارد لا تعني إيراداً فنياً فحسب. إنها تحدد قدرة دمشق على تمويل الرواتب والخدمات، وقدرة الشمال الشرقي على تجنب شعور أنه سلّم موارده ولم يحصل على بنية تحتية وتمثيل عادل. لذلك لا يكفي رفع علم الدولة فوق الحقل. المطلوب نظام نشر للإنتاج والإيراد والتوزيع يطمئن السكان في المنطقة وبقية السوريين معاً.
كما أن الأمن لا ينتهي عند بوابة ثكنة. سجون تنظيم «داعش» والمخيمات وملف المقاتلين الأجانب ومسؤولية الحراسة والتمويل وإعادة الرعايا تشكل منظومة دولية ومحلية شديدة الحساسية. أي انتقال سريع بلا تدريب وتمويل وسلسلة مسؤولية قد يخلق فراغاً يستفيد منه التنظيم. وأي إبقاء للوضع السابق من دون سقف زمني يعيد إنتاج سلطة موازية. بين الخطرين، يحتاج الطرفان إلى تسليم مرحلي موثق، وإلى شراكة واضحة مع الدول المعنية بإعادة رعاياها.
ثم يأتي ملف وحدات حماية المرأة، وهو ليس سؤالاً تقنياً عن اسم كتيبة. بالنسبة إلى أنقرة ودمشق، يتعلق الملف ببنية عسكرية مستقلة وبصلاتها التنظيمية. وبالنسبة إلى قطاع من المجتمع الكردي، يتعلق بمكانة النساء وبإرث اجتماعي وسياسي يعتبرونه جزءاً من تجربتهم. يمكن دمج المقاتلات في الجيش أو الأمن ضمن معايير موحدة، لكن إنكار البعد الاجتماعي سيحوّل التسوية إلى خسارة رمزية، بينما الإبقاء على قيادة موازية سيجعل الدمج ناقصاً. الحل يحتاج إلى صيغة تُبقي حق النساء في الخدمة والتدرج، ولا تُبقي مركز قرار منفصلاً.
ما الذي يجعل الإعلان نهائياً؟
أصعب ما في التسوية ليس جمع المؤسسات، بل بناء الثقة التي تسمح لها بالعمل تحت سقف واحد. الأكراد يريدون ضمانات دستورية للهوية واللغة والتمثيل المحلي، ومعالجة آثار الإحصاء الاستثنائي والحرمان من الجنسية، وعدم العودة إلى مركزية أمنية تنظر إليهم كملف مشتبه به. عرب المنطقة، من جهتهم، لديهم شكاوى من التجنيد ومن طريقة التمثيل ومن توزيع السلطة والموارد داخل الإدارة الذاتية. والنازحون يريدون العودة إلى بيوتهم ومعرفة من يبت في نزاعات الملكية. هذه مصالح لا تختصرها صفقة بين قيادتين عسكريتين.
إطلاق سراح أكثر من 1200 موقوف وفق متابعة بحثية حتى منتصف تموز، وبدء طلبات مرتبطة بتسوية الجنسية، وخطط دمج عشرات آلاف المعلمين، كلها مؤشرات إلى أن التفاوض دخل حياة الناس. لكنها تكشف أيضاً حجم العمل الباقي. كل ملف يحمل احتمالاً للنزاع حول الأسماء والمعايير والحقوق المتراكمة. لذلك قد تكون لحظة الإعلان قريبة فعلاً، بينما تظل لحظة الاستقرار أبعد.
هناك كذلك العامل التركي. أنقرة لا تنظر إلى «قسد» من زاوية سورية داخلية فقط، بل من زاوية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني والوجود المحتمل لمقاتلين أتراك. إذا لم يتضمن الاتفاق مخرجاً قابلاً للتحقق لهؤلاء، فقد يبقى الضغط العسكري والسياسي قائماً حتى بعد حل الاسم. وفي المقابل، لا تستطيع دمشق أن تظهر وكأن التسوية مفروضة بالكامل من الخارج، لأن شرعيتها في المنطقة تحتاج إلى قبول محلي سوري لا إلى رضا أمني إقليمي وحده.
أما الولايات المتحدة والقوى المشاركة في محاربة «داعش»، فلديها مصلحة في ألا يؤدي الدمج إلى انهيار شبكة الحراسة والمعلومات. ويمكن للدعم الدولي أن يساعد في التدريب ونقل المسؤوليات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الاتفاق السوري على الحقوق والحكم المحلي. التجارب السابقة في المنطقة توضح أن القوة الأجنبية تستطيع ضبط وقف النار، لكنها لا تبني وحدها عقداً سياسياً دائماً.
لهذا ينبغي التعامل مع «99 في المئة» بوصفها رسالة سياسية من داخل «قسد» أكثر من كونها نتيجة تدقيق. الرسالة تقول إن القيادة تهيئ مقاتليها ومؤسساتها وجمهورها للانتقال، وإن خيار البقاء كقوة مستقلة لم يعد هو المسار المعلن. وهي تقول لدمشق وأنقرة أيضاً إن فرصة الإقفال موجودة. قيمتها عالية، لكن صدقيتها ستُختبر في التفاصيل التي لم تُنشر بعد.
الزمن نفسه جزء من الاختبار. وضع موعد قريب للإعلان يمنع اللجان من التحول إلى غطاء لتجميد الوضع، لكنه قد يدفع إلى توقيع صياغة عامة وتأجيل القرارات الصعبة. الأفضل أن يكون هناك مستويان متزامنان: إعلان سياسي يثبت نهاية الازدواجية، وملحق تنفيذي بمواعيد ومسؤولين وآلية لحل الخلاف. ويمكن للجنة سورية مشتركة أن تنشر تحديثاً شهرياً مختصراً عن عدد الوحدات والموظفين والمنشآت التي انتقلت، مع احترام ما يلزم من سرية أمنية. الشفافية هنا لا تخدم الإعلام فقط. إنها تقلل مساحة الإشاعة التي قد يستخدمها رافضو الاتفاق داخل الطرفين، وتمنح السكان وسيلة لمعرفة الجهة المسؤولة عندما يتعطل راتب أو وثيقة أو خدمة.
يمكن قياس الحل بخمسة أسئلة مترابطة، من دون تحويلها إلى شعارات. هل انتهت سلسلة القيادة المستقلة وأصبح السلاح والراتب والترقية تحت سلطة واحدة؟ هل حُسم وضع كل المقاتلين، بمن فيهم النساء والأجانب، بسجل قابل للتحقق؟ هل انتقلت السجون والحقول والمعابر ضمن جدول ومسؤوليات معلنة؟ هل اعترفت الدولة بوثائق الناس وخبرات الموظفين وحقوق الطلاب من دون فراغ؟ وهل حصل سكان المنطقة، كرداً وعرباً وسرياناً وغيرهم، على ضمانات تمثيل وحقوق يمكن الاحتكام إليها لا مجرد وعود شفوية؟
الخلاصة أن لحظة حلّ «قسد» اقتربت على الأرجح من ناحية القرار السياسي والشكل التنظيمي. وتراكم الخطوات يجعل احتمال إعلان قريب معقولاً، لا مجرد إشاعة. لكن الإدارة الذاتية لن تُحل فعلياً في اليوم نفسه، لأن المؤسسات والعلاقات والحقوق لا تختفي بتغيير اللافتة. إذا نشرت دمشق وقيادة «قسد» جدولاً مشتركاً، وأرقاماً متطابقة للمقاتلين والموظفين والموارد، وضمانات قضائية ودستورية، يصبح الواحد في المئة المتبقي باباً إلى دولة واحدة. وإذا بقيت هذه الملفات غامضة، فقد يتبين أن الواحد في المئة هو اسم مهذب لكل ما لم يُحسم بعد.
اقرأ أيضاً: لقاء الشرع وعبدي المحتمل: هل اقتربت ساعة حل «قسد» أم بدأت جولة تفاوض جديدة؟









