83 وفاة و669 حادثاً في درعا: بنية متهالكة أم سلوك متهور للسائقين؟

الكاتب: أحمد علي
تكشف الطرق أحياناً ما لا تقوله البيانات الطويلة. حادث واحد عند فتحة عشوائية، أو دراجة يقودها فتى بلا رخصة، أو سيارة تفاجأ بمطب على أوتوستراد مزدحم، يكفي لكي يظهر الخلل كاملاً. في درعا لم تعد حوادث السير وقائع متفرقة تمر ثم تنسى. الرقم الأخير، 83 وفاة و669 حادثاً، يضع المحافظة أمام سؤال عملي ومباشر، أين تبدأ المسؤولية، من الطريق أم من السائق؟
السؤال مهم، لكنه لا يحتمل إجابة سهلة. فالطريق المتعب لا يقتل وحده، والسائق المتهور لا يعمل في فراغ. بين الاثنين توجد بنية مراقبة ضعيفة، وصيانة متأخرة، ورخص قيادة لا تعني دائماً معرفة حقيقية بقواعد السير. لذلك تبدو المشكلة أقرب إلى منظومة مفتوحة على الخطر، لا إلى سبب واحد يمكن عزله وإغلاق الملف بعده.
حوادث السير في درعا بين الرقم ومعناه
بحسب ما نقلته وكالة سانا عن فرع المرور في درعا، بلغ عدد حوادث السير المسجلة منذ تموز من العام الماضي وحتى الخامس من أيار 2026 نحو 669 حادثاً، تسببت بوفاة 83 شخصاً وإصابة 252 آخرين. هذه ليست حصيلة صغيرة في محافظة واحدة وخلال فترة تقارب عشرة أشهر. بحساب تقريبي، نحن أمام أكثر من حادثين في اليوم، ووفاة كل عدة أيام.
لكن قيمة الرقم لا تأتي من حجمه فقط. تأتي أيضاً من نوع الأسباب التي ذكرها مدير فرع مرور درعا، محمد الصبيحي. فقد ربط ارتفاع الحوادث بسوء حالة الطرق، وكثرة الفتحات غير النظامية على الأوتوستراد، ولا سيما في المنصفات، إضافة إلى السرعة الزائدة والقيادة الرعناء وقيادة المركبات من قبل أشخاص لا يحملون إجازات سوق نظامية أو لم يخضعوا لمدارس السياقة.
هذا التشخيص يضع المسألة في مكانها الصحيح. لا يبرئ السائق، ولا يجعل الطريق وحده متهماً. هو يقول إن حوادث السير في درعا تتولد من تداخل عاملين، بنية طرقية ترفع احتمال الخطأ، وسلوك قيادة يحول هذا الاحتمال إلى حادث.
النتيجة أن الطريق يصبح مساحة اختبار يومية. من يعرف عيوبه يحاول تجنبها، ومن لا يعرفها يدخل إليها بلا إنذار. وفي الحالتين يبقى الخطر قائماً، لأن الطريق العام لا ينبغي أن يعتمد على ذاكرة السائقين، بل على تنظيم واضح، وإشارات مرئية، ومداخل ومخارج مضبوطة.
الأوتوستراد ليس طريقاً عادياً
يظهر أوتوستراد دمشق ـ درعا في صلب المشكلة. فرع المرور أشار إلى أنه من أكثر المواقع تسجيلاً للحوادث، وخاصة في محيط جسر خربة غزالة، بسبب اضطرابات في البنية الطرقية ووجود مطبات على طول الطريق. كما تحدث عن إعادة فتح بعض الفتحات من قبل أصحاب محال تجارية ومحطات وقود على جانبي الأوتوستراد بعد إزالتها سابقاً.
هذه النقطة ليست تفصيلاً خدمياً. الفتحة غير النظامية على أوتوستراد لا تعني اختصاراً محلياً بسيطاً. هي كسر لمنطق الطريق السريع. سيارة تخفف فجأة، أخرى تحاول التجاوز، مركبة تدخل من اتجاه غير متوقع، ثم يتحول الارتباك إلى اصطدام. وما يبدو منفعة صغيرة لصاحب محل أو محطة قد يتحول إلى خطر عام على عشرات العابرين يومياً.
الأوتوستراد يفترض أن يكون أكثر الطرق انضباطاً، لأن السرعة فيه أعلى والخطأ أقل قابلية للتدارك. لذلك فإن ترك الفتحات العشوائية أو المطبات غير المعالجة على مثل هذا الطريق لا ينتج ازدحاماً فقط، بل ينتج احتمال وفاة. هذا ما تقوله الأرقام قبل أي تحليل.
بنية مرورية تعمل بأقل مما تحتاجه
قبل نشر الحصيلة الأخيرة، تحدث رئيس فرع مرور درعا عن نقص كبير في الإشارات الضوئية والشواخص الدلالية نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، مع محدودية الإمكانات المتاحة. وأشار إلى أن عناصر المرور يضطرون أحياناً إلى تنظيم السير يدوياً في التقاطعات والمناطق المزدحمة.
تنظيم السير يدوياً قد يكون ضرورياً في حالة طارئة. لكنه لا يصلح كحل دائم. عنصر المرور يستطيع ضبط تقاطع لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع تعويض شبكة إشارات غائبة، ولا مراقبة كل فتحة غير نظامية، ولا إنارة مقطع مظلم، ولا إعادة تشكيل طريق تآكلت حوافه. حين تتحول الحلول المؤقتة إلى وضع طبيعي، يصبح الحادث جزءاً من الكلفة اليومية لهذا الخلل.
أعلنت جهات محلية أيضاً بدء أعمال صيانة في حي طريق السد، من مفرق الحمزية حتى منطقة الرباعي، لمعالجة الحفر والهبوطات وإعادة تأهيل مقاطع متضررة. هذه خطوة مطلوبة، لكنها تكشف حدود المعالجة إذا بقيت موضعية. الطريق لا يحتاج إلى ترميمات متفرقة فقط، بل إلى خريطة واضحة للنقاط السوداء، تبدأ من الأماكن التي تتكرر فيها الحوادث لا من الأماكن الأعلى صوتاً في الشكوى.
الفارق كبير بين إغلاق حفرة وإدارة خطر. الأولى إجراء محدود. الثانية سياسة عامة.
السائق شريك في الخطر لا مجرد ضحية له
إلقاء العبء كله على البنية التحتية يعطل نصف الحقيقة. فمصادر مرورية ومحلية تحدثت عن السرعة الزائدة، والتجاوز الخاطئ، وقيادة مركبات غير مؤهلة فنياً، ووجود أشخاص يقودون بلا رخص أو برخص لا تعكس تدريباً جدياً. كما برزت مشكلة الدراجات النارية، خصوصاً عندما يقودها قاصرون دون الثامنة عشرة.
الدراجة النارية في هذا السياق ليست وسيلة نقل خفيفة فقط. هي مركبة سريعة ومكشوفة، وتتحرك غالباً في هوامش الطريق وبين السيارات، ويقودها أحياناً من لا يعرف قواعد السير أو لا يلتزم بها. لذلك تصبح خطورتها مضاعفة في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الشواخص والإنارة والرقابة.
في نيسان 2025، سُجلت في المحافظة خلال أيام قليلة سلسلة حوادث، بينها وفاة طفل في الخامسة من عمره بعدما صدمته دراجة نارية على الطريق الواصل بين جاسم ونوى، ووفاة سائق سيارة قرب جسر تبنة على أوتوستراد دمشق ـ درعا، إضافة إلى حادث ثالث خلّف إصابات بينها حالة حرجة. هذه الوقائع لا تكفي وحدها لبناء إحصاء عام، لكنها تشرح شكل الخطر كما يعيشه الناس، طريق مفتوح، سرعة، دراجة أو سيارة، ثم خبر قصير عن ضحية جديدة.
هنا يصبح السلوك الفردي جزءاً من البنية العامة. السائق المتهور يستفيد من ضعف الضبط، والطريق السيئ يضاعف أثر تهوره. لذلك لا يكفي ترميم الطريق إذا بقيت السرعة بلا رقابة، ولا يكفي تشديد المخالفات إذا بقي الطريق نفسه يدفع السائق إلى المفاجأة.
درعا ضمن صورة سورية أوسع
لا يمكن فصل حوادث السير في درعا عن الوضع السوري العام. الدفاع المدني السوري أعلن في إحدى حصائل عام 2025 أن فرقه استجابت لـ1504 حوادث سير في عموم البلاد منذ بداية العام حتى نهاية تموز، وأسفرت هذه الحوادث عن 85 وفاة و1398 إصابة. وفي حصيلة أخرى سبقت ذلك بأيام، جرى الحديث عن 1412 حادثاً حتى 20 تموز، أدت إلى وفاة 81 شخصاً وإصابة 1299 آخرين.
الفارق بين الرقمين يرتبط غالباً بتحديث المدة الزمنية أو اختلاف طريقة الرصد، ولا يصح التعامل معه كتعارض مباشر من دون معرفة منهجية كل جهة. لكن الاتجاه العام واضح. حوادث السير في سوريا ليست حدثاً موسمياً. إنها ملف سلامة عامة يتكرر في المحافظات، ويتغذى من وضع الطرق، وضعف الصيانة، والازدحام، وتراجع الرقابة، والضغط المعيشي الذي يجعل كثيرين يقبلون بمركبات أو وسائل نقل غير آمنة.
تقرير لمركز الحوار السوري عن قطاع النقل أشار إلى أن كثيراً من الطرق السورية يعاني من سوء التخطيط وضعف الصيانة وضيق المسارات، مع غياب خدمات السلامة والإنارة والتغطية في بعض الطرق. كما أشار إلى أن بعض الطرق الرئيسية عُرفت قبل الحرب وبعدها باسم طرق الموت، وذكر أن طريق دمشق ـ درعا شهد وفيات متكررة منذ بداية عام 2025.
هذا السياق لا يلغي خصوصية درعا، لكنه يفسرها. المحافظة تقع على خط حيوي يربط دمشق بالجنوب وبالأردن، وتتحمل حركة يومية كثيفة، وفيها طرق رئيسية وفرعية تضررت خلال سنوات طويلة. وحين تجتمع الطريق الحيوية مع بنية متعبة وسلوك قيادة غير مضبوط، يصبح الحادث نتيجة قابلة للتكرار.
المطلوب ليس حملة توعية فقط
تستطيع حملات التوعية أن تذكّر السائقين بقواعد السلامة. هذا ضروري. لكنها لا تستطيع إغلاق فتحة غير نظامية تُعاد بعد كل إزالة، ولا تستطيع وحدها منع قاصر من قيادة دراجة، ولا تعالج طريقاً يحتاج إلى إنارة وشواخص وصيانة هندسية. الوعظ وحده لا يوقف سيارة مسرعة عند نقطة خطرة.
البداية العملية هي سجل واضح للنقاط الأكثر خطورة. أين تقع الوفيات؟ عند أي جسر؟ أي فتحة؟ أي منعطف؟ أي مقطع من الأوتوستراد؟ بعد ذلك يمكن ترتيب التدخلات، إغلاق الفتحات غير النظامية بشكل نهائي، معالجة المطبات والهبوطات، إعادة الشواخص والإشارات، تحسين الإنارة، وتشديد الرقابة على السرعة والتجاوزات.
ثم يأتي ملف الرخص والمركبات. لا معنى لإجازة سوق لا تعني تدريباً حقيقياً، ولا لفحص فني لا يمنع المركبة غير الآمنة من السير. مدارس القيادة يجب أن تكون جزءاً من منظومة السلامة، لا إجراءً شكلياً. والدراجات النارية تحتاج إلى ضبط خاص، بسبب انتشارها وسهولة قيادتها وخطورة استخدامها من قبل قاصرين.
وهذه الإجراءات ليست حلولاً فاخرة. هي الحد الأدنى قبل أن يصبح الطريق مصيدة عادية.
مسؤولية موزعة لكنها لا يجب أن تضيع
قد يقول السائق إن الطريق سيئ. وقد تقول الجهة الخدمية إن السائقين متهورون. وقد يقول المرور إن الإمكانات محدودة. وقد يبرر أصحاب المحال والمحطات فتح المنافذ بالحاجة إلى الحركة التجارية. كل طرف يملك جزءاً من الحجة. لكن الضحية لا تدفع جزءاً من الثمن، بل تدفعه كاملاً.
لذلك لا يكفي السؤال بصيغته الحادة، بنية متهالكة أم سلوك متهور؟ الجواب الأقرب إلى الواقع أن العاملين يعملان معاً. البنية المتهالكة توسع هامش الخطأ، والسلوك المتهور يستغل هذا الهامش، وضعف الرقابة يسمح بتكراره. وحين تتراكم هذه العناصر، لا يعود الحادث مفاجأة كاملة.
83 وفاة ليست رقماً إدارياً. إنها إنذار بأن درعا تحتاج إلى خطة سلامة مرورية لا إلى ردود متفرقة. المطلوب أن تتحول الحصيلة إلى خريطة عمل، وأن تصبح النقاط التي شهدت حوادث متكررة مواقع تدخل عاجل، وأن تغلق الفتحات غير النظامية إغلاقاً نهائياً، وأن تعود الرخصة إلى معناها الأول، معرفة الطريق قبل امتلاك حق القيادة عليه.
اقرأ أيضاً: دفعة مائية من سد تسيل: دعم مؤقت لزراعة درعا أم حل مستدام؟









