800 ألف ليرة حصيلة ثلاث ساعات تسول في مدينة حمص!

بقلم هلا يوسف
بعد أن كانت شوارع مدينة حمص ممتلئة بالمتسولين، انخفضت أعدادهم بشكل كبير. ويمكن ملاحظة ذلك في المدينة التي اعتاد الناس فيها على تجمهر الكثير من المتسولين حول الشخص، وعدم تركه حتى يأخذوا منه بعض المال. غير أن ما اكتشفته حملات الشؤون الاجتماعية في المدينة أدهش الكثير من السوريين. فحصيلة ثلاث ساعات من التسول لامرأة كانت تفوق رواتب تقاعدية لبعض المواطنين، حتى أن بعض التعليقات على القصة جاءت ساخرة يسألون فيها عن كيفية العمل بالتسول طالما أنه مربح لهذه الدرجة!
وعلى الرغم من حالات السخرية من المبلغ السابق، ومحاولة الشؤون الاجتماعية معالجة الحالة، إلا أن العقلاء لفتتهم ظاهرة التسول بحد ذاتها، لكون الأطفال وجهاً مروجاً لها، واستغلالهم يعود على المجتمع بطريقة سيئة في المستقبل. ومن هنا السؤال يتحول من كيف نمنع التسول إلى كيف نعرف من يحتاج إلى المساعدة فعلاً؟ وكيف نحمي الأطفال؟ وكيف نساعد المحتاج على الخروج من الشارع بدلاً من أن يعود إليه مرة أخرى؟
حمص تحاول الحد من الظاهرة
تعمل الجهات المعنية في محافظة حمص منذ أشهر على تكثيف حملاتها لمكافحة ظاهرة التسول. وشملت هذه الحملات الشوارع الرئيسية والساحات العامة وإشارات المرور، بالإضافة إلى الأسواق والحدائق والأماكن المفتوحة في مركز المدينة وعدد من الأحياء.
وتنفذ هذه الحملات مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع جمعية البر والخدمات الاجتماعية وقوى الأمن الداخلي، بهدف الحد من التسول والتعامل مع الحالات الموجودة في الشوارع وفق ظروف كل حالة. وهذا ما جعلهم يكتشفون مبلغ 800 ألف بحوزة امرأة تعمل في التسول ضمن المدينة، ومن خلال حديثها قالت إن هذا المبلغ حصيلة عمل ثلاث ساعات فقط!
بالعودة إلى الحملات المكافحة للتسول، وبحسب الأرقام المعلنة، جرى خلال الأشهر الستة الماضية تنفيذ 1577 جولة ميدانية، أسفرت عن رصد ومعالجة 1787 حالة، مع تسجيل انخفاض واضح في أعداد المتسولين منذ بداية العام.
وبحسب المختصين لمعالجة الملف في المدينة، قالوا إن الفكرة الأساسية في هذه الحملات لا تقوم على إبعاد الجميع عن الشوارع بالطريقة نفسها. فالحالات التي يثبت أنها تمتهن التسول بصورة متكررة تُحال إلى القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية، بينما يتم التعامل مع المحتاجين فعلياً من خلال تقديم المساعدات الإغاثية، مثل الغذاء والكساء.
كما تستجيب الفرق الميدانية للبلاغات التي تصل من أصحاب المحال والفعاليات التجارية وشركات الصرافة وعناصر شرطة المرور، وتستمر الجولات حتى في العطل والأعياد.
وتدعو الجهات المشاركة في الحملة المواطنين إلى توجيه تبرعاتهم إلى الجمعيات المختصة بدلاً من تقديم المال مباشرة إلى المتسولين، وخصوصاً الأطفال، لأن المساعدة العشوائية قد لا تصل دائماً إلى الشخص الذي يحتاجها فعلاً، وقد تساهم أحياناً في إبقاء الطفل أو المتسول في الشارع.
ومن خلال ما قالته مديرية الشؤون الاجتماعية والجهات المختصة في حمص، يقودنا الموضوع إلى فكرة مهمة وهي أن نجاح الحملة لا يعني فقط أن يقل عدد المتسولين في الشوارع، بل أن يحصل المحتاج الحقيقي على مساعدة تجعله أقل حاجة إلى العودة إليها، خصوصاً الأطفال الذين يعيشون مخاطر الشارع دون أن يعوا ذلك.
عندما يصبح الشارع مكاناً للطفل
المشكلة الأكثر حساسية في موضوع التسول ليست التسول نفسه، بل ما ينتجه من مخاطر وانعكاسات سلبية على المجتمع. فمثلاً الطفل مكانه الطبيعي هو المدرسة والبيت، وليس إشارات المرور أو الأرصفة. وعندما يقضي الطفل ساعات طويلة في الشارع، فإنه يخسر شيئاً من طفولته، وقد يخسر معها فرصته في التعليم وبناء مستقبل أفضل.
قد تعتقد أن المشكلة تتوقف هنا، إلا أنها تتخطاها إلى اعتياد الطفل العمل في الشارع منذ سن مبكرة، قد يكبر وهو يرى التسول أو بيع الأشياء في الطرقات وسيلة طبيعية لكسب المال. ومع مرور الوقت، تصبح العودة إلى التعليم أو تعلم مهنة أكثر صعوبة، وتقل فرصه في الحصول على عمل مستقر عندما يكبر.
وهكذا يمكن أن تبدأ دائرة يصعب كسرها: فقر يدفع الطفل إلى الشارع، والشارع يبعده عن المدرسة، وغياب التعليم يقلل فرصه في المستقبل، ثم يجد نفسه مرة أخرى في دائرة الفقر والحاجة.
هذا الأمر الظاهر لعمل الأطفال بالتسول، لكن إذا ما دخلنا لتفاصيل هذه الظاهرة سنجد أنها تزداد خطورة عندما لا يكون الطفل هو صاحب القرار في وجوده بالشارع، أو عندما يعمل لحساب شخص آخر يحصل على جزء من المال الذي يجمعه. في هذه الحالات، لا يعود الحديث عن الفقر فقط، بل عن احتمال استغلال الأطفال والاتجار بالبشر، وهي مسألة تحتاج إلى تدخل وحماية ومتابعة جدية.
لذلك فإن التعامل مع الطفل الموجود في الشارع يجب أن يبدأ بالسؤال عن ظروفه، وأسرته، ولأي جهة يعمل، لا بمجرد اعتباره متسولاً. ومن خلال إجابته يمكن تحديد نوع التدخل المطلوب. فالطفل يحتاج إلى الحماية والتعليم والرعاية، وليس فقط إلى إبعاده من مكان إلى آخر.
لماذا لا تكفي العقوبة وحدها؟
عند النظر إلى القانون السوري وما يقوله بخصوص ظاهرة التسول فسنجظ أن قانون العقوبات السوري ينص على فرض عقوبات بحق بعض حالات التسول، إذ تنص المادة 596 على معاقبة المتسول القادر على العمل بالحبس مع الشغل من شهر إلى ستة أشهر. كما يسمح القانون بإحالة بعض المحتاجين إلى دور الرعاية أو التشغيل، بدلاً من الاكتفاء بالعقوبة.
والسؤال المطروح هنا: هل يكفي القانون وحده لمعالجة الظاهرة؟ مهما كان القانون ضرورياً، لا يستطيع وحده إنهاء الظاهرة. فإذا كان الشخص يتسول لأنه لا يجد عملاً، فإن منعه من الشارع من دون إيجاد فرصة عمل له قد لا يحل المشكلة. وإذا كان الطفل موجوداً في الشارع بسبب الفقر أو التفكك الأسري، فإن إبعاده من المكان من دون تأمين بيئة آمنة وتعليم مناسب قد يعني أنه سيعود إليه بعد فترة.
لذلك فإن معالجة التسول تحتاج إلى أكثر من الحملات والعقوبات. فهي تحتاج إلى معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الشارع، مثل الفقر والبطالة والتفكك الأسري، إلى جانب توفير برامج للحماية الاجتماعية والتعليم والتأهيل المهني والدعم النفسي.
وهنا يأتي دور المجتمع أيضاً. فمن الطبيعي أن نشعر بالتعاطف عندما نرى شخصاً محتاجاً، ونعطيه بعض المال، لكن هل كنا قد حللنا المشكلة له؟ الجواب لا، لأن المساعدة الحقيقية قد تكون في توجيهه إلى جهة تستطيع دراسة وضعه وتأمين احتياجاته بشكل مستمر. وبالنسبة إلى الطفل، قد تكون المساعدة الأفضل هي أن يصل إلى جهة قادرة على حمايته وإعادته إلى المدرسة، بدلاً من أن نعطيه المال ونتركه يعود إلى المكان نفسه في اليوم التالي.
كما أن انتشار التسول المهني قد يؤدي مع الوقت إلى مشكلة أخرى، وهي فقدان الناس ثقتهم بكل من يطلب المساعدة. فعندما يسمع الناس عن حالات تسول أصحابها غير محتاجين، قد يبدأون بالشك في الجميع، وهنا يكون المحتاج الحقيقي هو أول من يدفع الثمن.
لذلك فإن تنظيم المساعدة لا يعني التخلي عن الفقراء، بل يعني أن تصل المساعدة إلى من يحتاجها فعلاً، وأن تكون وسيلة للخروج من الفقر لا سبباً في استمرار الاعتماد على الشارع.
في النهاية، التسول ظاهرة موجودة تقريباً في كل البلدان، لكنها تفاقمت بشكل كبير في سوريا بسبب الحرب الطويلة والنزوح والتهجير والفقر الذي تعشش في حياة السوريين. لذلك محاولات معالجة الظاهرة يجب أن تكون جذرية بحيث لا يعود المتسول إلى الشارع، وإلا نكون ندور في حلقة مفرغة.
اقرأ أيضاً: الأحياء الشرقية في حلب: معاناة مستمرة بين الإهمال ووعود التحسين









