سياسة

73 طناً من اليورانيوم تحت الرقابة.. سوريا تطوي ملفاً نووياً عمره عقدان

الكاتب: أحمد علي

احتاج المفتشون في آب إلى هدم جدران والعبور في ممرات ضيقة للوصول إلى صناديق وقضبان بقيت مخفية سنوات. وفي فيينا، احتاج إغلاق القضية إلى تعاون لم يكن متاحاً طوال عهد سابق. بين المشهدين مسافة تقارب عقدين، بدأت بغارة جوية على مبنى قرب دير الزور وانتهت بوضع مواد نووية تحت الكاميرات الدولية.

وافق مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 9 أيلول 2026، من دون اعتراض، على قرار ينهي أحكام عدم الامتثال التي اعتمدها عام 2011. جاء القرار بعد أن قالت الوكالة إنها حسمت أسئلتها القديمة بفضل تعاون السلطات السورية الجديدة. لكنه لا يرفع الرقابة عن 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، ولا يغلق باب التفتيش في المستقبل.

الملف النووي السوري يغادر خانة عدم الامتثال

قدمت مصر والأردن والمغرب والسعودية مشروع القرار، وتبنته الدول الأعضاء الخمس والثلاثون بالتوافق. رحب النص بالشفافية السورية واعتبر أن الأسئلة العالقة التي أحيلت إلى المجلس قد حُلّت. المعنى القانوني والسياسي مهم، إذ لم تعد سوريا مصنفة غير ممتثلة للاتفاق الذي يراقب التزامها بمعاهدة عدم الانتشار.

أما وصف الخطوة بأنها نهاية كل رقابة فغير صحيح. طلب القرار من المدير العام رافائيل غروسي إبقاء المجلس على اطلاع بنتائج الأنشطة الجارية. وستبقى سوريا مطالبة بالإعلان عن موادها ومنشآتها وإتاحة التحقق منها. الذي طُوي هو ملف المخالفة التاريخية، لا دفتر الضمانات نفسه.

ثلاثة وسبعون طناً لا تعني قنبلة

تحققت الوكالة من وجود نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي المعدني، منها 55 طناً في هيئة قضبان وقود، ووضعت الكمية كلها تحت إجراءات المراقبة. اليورانيوم الطبيعي ليس مادة جاهزة لسلاح. يحتاج إلى مسار تقني طويل، أو إلى تشغيل مفاعل ثم فصل البلوتونيوم من الوقود المستهلك، قبل أن يقترب من استخدام عسكري.

مع ذلك، ليست الكمية عادية أو قابلة للإهمال. فقد صُممت الوقود لمفاعل قالت الوكالة إنه كان قريباً من الاكتمال وقادراً بكفاءة على إنتاج مادة انشطارية. لهذا ينصب القلق على الحماية من السرقة أو التحويل، وعلى جرد كل غرام ومراقبة مكانه، لا على الادعاء بأن مستودعاً يحوي سلاحاً مكتملاً.

الحكاية بدأت قبل الضربة الإسرائيلية

قصف سلاح الجو الإسرائيلي في أيلول 2007 مبنى في موقع الكُبَر بدير الزور. وبعد حصولها على معلومات وصور وعينات، خلصت الوكالة عام 2011 إلى أن المبنى كان على الأرجح مفاعلاً مبرداً بالغاز ومهدأ بالغرافيت، شبيهاً بتصميم كوري شمالي، وكان يجب التصريح عنه قبل بنائه.

رفضت دمشق القديمة هذا التوصيف وقالت إن المنشأة عسكرية غير نووية، ثم حدّت من الوصول إلى الموقع وأماكن مرتبطة به. لذلك لم تكن إحالة 2011 عقوبة على امتلاك اليورانيوم بحد ذاته، بل نتيجة إنشاء نشاط غير معلن وعدم تقديم المعلومات والوصول المطلوبين. هذه الخلفية تفسر لماذا أصبح التعاون الجديد كافياً لتغيير القرار.

التعاون الجديد قدم ما غاب طويلاً

منذ سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، منحت السلطات الجديدة المفتشين وصولاً إلى مواقع ووثائق وأشخاص، ثم أبلغتهم في 17 تموز 2026 بمكان لم يكن معلناً يحوي مواد مرتبطة بالوقود. زار غروسي وفريقه سوريا في آب، وشاهدوا الحفريات في دير الزور ومواقع تصنيع الوقود وتخزينه ومكاناً كان مخصصاً لأنشطة إعادة المعالجة.

هذه الخطوات سمحت للوكالة بربط المواد بالمفاعل المدمر، وتأكيد أن الوقود صُنع داخل سوريا. وهي لا تمنح حكماً على نيات النظام السابق، إذ قال غروسي إن النية لا يمكن الجزم بها. الأدق أن التصميم خلق قدرة عالية الخطورة، وأن إخفاءه خالف واجب الإعلان، بينما بقي قرار إنتاج سلاح غير مثبت في التقرير المنشور.

المادة ستبقى سورية تحت الضمانات

قال وزير الخارجية أسعد الشيباني إن المواد ليست خطرة في وضعها الحالي، وإنها ستبقى في البلاد تحت ضمانات الوكالة، مع احتفاظ سوريا بحق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. والوكالة لم تطلب نقلها إلى الخارج، بل شددت على معرفة موقعها حتى آخر غرام.

يمكن لسوريا لاحقاً أن تختار التخزين المحسن أو التحويل إلى هيئة كيميائية أكثر استقراراً أو النقل الآمن ضمن اتفاق دولي. لكل خيار كلفة ومخاطر. والأولوية القريبة هي حراسة الموقع، واستكمال الجرد، وفحص العبوات، وتحديد المسؤولية المؤسسية بوضوح كي لا يصبح الإرث النووي عبئاً مجهول المالك.

الإغلاق يمنح دمشق رصيداً سياسياً

يمنح القرار الحكومة الجديدة دليلاً ملموساً على أن الشفافية تغير موقع الدولة داخل مؤسسة دولية. وقد يساعدها ذلك في طلب تعاون تقني في الطب والزراعة والطاقة، وفي تحسين الثقة مع دول الجوار. لكنه لا يمحو حقيقة البرنامج السري ولا يحول تعاون عامين إلى ضمان دائم.

الرصيد الحقيقي سيأتي من الروتين الهادئ بعد الاحتفال. زيارات في موعدها، بيانات متطابقة، كاميرات تعمل، وإعلان مبكر عن أي مادة أو منشأة. فإذا أصبحت الرقابة جزءاً عادياً من الإدارة، ينتقل الملف من أزمة أمنية إلى مسؤولية تقنية. أما إذا عاد الغموض، فقرار المجلس قابل لأن يصبح صفحة قصيرة بين مرحلتين من الشك.

طوت سوريا أهم نزاع نووي مع الوكالة الدولية لأنها فتحت الأبواب التي بقيت مغلقة زمناً طويلاً. القرار يرفع وصمة عدم الامتثال ويعترف بأن الأسئلة التاريخية حُسمت، فيما تؤكد الكمية المكتشفة أن تلك الأسئلة لم تكن وهماً ولا خلافاً سياسياً خالصاً.

لكن نهاية التحقيق ليست نهاية القصة. يبقى اليورانيوم في سوريا وتبقى عليه الكاميرات والضمانات. النجاح التالي أقل درامية من الحفر خلف الجدران، وأكثر أهمية. أن يعرف المفتشون دائماً أين توجد المادة، وأن يعرف السوريون من يحرسها ولأي غرض يمكن استخدامها.

اقرأ أيضاً: اليورانيوم والمفاعل النووي السوري..حقيقة نفتها دمشق على مدار عقود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى