511 شقة في معربا: انفراج سكني حقاً أم قطرة في أزمة الإسكان السورية؟

الكاتب: أحمد علي
تسلّمت 511 أسرة شققها في مشروع جمعية الشباب التعاونية في معربا بريف دمشق يوم 12 آب 2026، بعد انتظار تقول وزارة الأشغال العامة والإسكان إنها تعمل على تقليصه عبر تسريع مشاريع التعاون السكني. ومع هذه الدفعة تجاوز عدد الشقق المسلّمة ضمن عمليات الوزارة ثلاثة آلاف وحدة خلال 2026. بالنسبة إلى الأسر المعنية، التسليم يحسم مشكلة ملموسة تتعلق بعقد ومدفوعات وانتظار طويل. أما على مستوى أزمة الإسكان السورية، فإن الرقم يبقى صغيراً أمام حجم المساكن المتضررة والعائدين الباحثين عن مكان صالح للسكن.
تقدم معربا نموذجاً مختلفاً عن إعادة بناء حي مدمر بالكامل. المشروع قائم داخل قطاع التعاون السكني، والوزارة تقول إن الوحدات تسلم للمستفيدين بسعر التكلفة وإن دورها يتركز على دعم الجمعيات ومتابعة الإنجاز. هذا المسار يستطيع إخراج مشاريع متوقفة من الجمود من دون أن تتحمل الخزينة وحدها تكلفة إنشاء كل وحدة. لكنه يخدم في المقام الأول أعضاء جمعيات سبق أن اكتتبوا ودفعوا، ولا يصل تلقائياً إلى الأسر التي فقدت منزلها أو عادت من النزوح بلا مدخرات.
أزمة الإسكان السورية أكبر من مشروع واحد
حجم الفجوة يظهر في تقديرات المؤسسات الدولية. يضع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عدد الوحدات السكنية المتضررة في سوريا عند نحو مليون وحدة في مواده التعريفية الحالية، فيما تشير تقديرات منشورة في سياقات إعادة الإعمار إلى مئات آلاف المنازل المدمرة أو المتضررة بشدة. البنك الدولي قدر في 2025 الكلفة الإجمالية لإعادة بناء الأصول المادية المتضررة في البلاد بنحو 216 مليار دولار، وكان قطاع المباني من أكبر مكونات الضرر والاحتياجات.
لا تعني هذه الأرقام أن سوريا تحتاج إلى مليون شقة جديدة فقط. بعض المنازل قابل للإصلاح، وبعض الأسر لا تريد العودة إلى موقعها القديم، كما أن الملكية متنازع عليها في مناطق كثيرة. لكن المقارنة توضح الحجم. حتى لو استمرت خطة التعاون السكني في تسليم بضعة آلاف من الوحدات سنوياً، فإنها تعالج شريحة محددة من الطلب ولا تستطيع وحدها امتصاص أزمة تشكلت من دمار واسع ونزوح وتغير ديمغرافي وارتفاع كبير في أسعار البناء والإيجار.
ضغط العودة يزيد الطلب. مفوضية اللاجئين قالت خلال 2026 إن السكن والمأوى من أكثر المشكلات إلحاحاً لدى العائدين، وأظهرت بياناتها أن 48% من اللاجئين العائدين و40% من النازحين العائدين الذين شملتهم إحدى القراءات ذكروا السكن ضمن أبرز الاحتياجات، مقابل نسبة أقل لدى المجتمعات المضيفة. هذه الفجوة تفسر لماذا قد تكون وحدة جاهزة في ريف دمشق ذات قيمة عالية، لكنها تفسر أيضاً لماذا لا يصل أثرها إلى السوق كله.
تسليم أكثر من ثلاثة آلاف شقة حتى الآن يوفر في أفضل تقدير سكناً مباشراً لثلاثة آلاف أسرة، وهو أثر اجتماعي حقيقي. لكن تحويله إلى «انفراج سكني» يحتاج إلى تغير أوسع في المعروض والإيجارات وفترة الانتظار وتكاليف البناء. لم تنشر الوزارة مع عملية معربا بيانات عن عدد المكتتبين المتأخرين على مستوى البلاد، أو إجمالي الوحدات غير المكتملة في جمعيات التعاون السكني، أو المدة المتوسطة التي ينتظرها المستفيد. غياب هذه الأرقام يجعل تقييم سرعة التحسن صعباً.
التعاون السكني وما يستطيع فعله
فكرة التعاون السكني تقوم على تجميع قدرة الأسر المالية ضمن جمعية، وتأمين الأرض والتمويل والتنفيذ على مراحل، ثم تسليم الشقة بسعر التكلفة بدلاً من سعر السوق التجاري. عندما تعمل هذه الصيغة بشفافية يمكنها تخفيض هامش الربح الذي يدفعه المشتري للمطور، وتوزيع الكلفة على فترة أطول. وهي مناسبة لفئة لديها دخل منتظم يسمح بالادخار والدفع، لكنها أقل قدرة على خدمة الأسر الأشد فقراً من دون دعم إضافي.
المشكلة في سوريا أن كثيراً من مشاريع الجمعيات تراكمت عليها سنوات من التأخير وتبدلات الأسعار. ارتفاع الإسمنت والحديد والأجور والطاقة يغير الكلفة بين تاريخ الاكتتاب وتاريخ الإنجاز، ويخلق نزاعات حول الدفعات الإضافية ومسؤولية التأخير. لذلك فإن تسليم معربا بسعر التكلفة يحتاج إلى تعريف واضح لما دخل في هذه التكلفة وكيف حُسب على الأعضاء. كلما زادت شفافية الحساب، استعاد القطاع الثقة التي تقول الوزارة إنها تريد بناءها.
هناك فائدة أخرى لإكمال المشاريع المتوقفة. البناء الذي أنجز جزء كبير منه في سنوات سابقة قد يحتاج إلى تمويل أقل من إنشاء وحدة جديدة من الصفر، ما يجعل إنهاءه أسرع وسيلة لزيادة المعروض في المدى القصير. لهذا يمكن لخطة 2026 أن تركز على الوحدات التي قطعت شوطاً كبيراً في التنفيذ، فتنتج أرقام تسليم مرتفعة نسبياً خلال فترة قصيرة. لكن هذا المخزون سينتهي لاحقاً، وعندها سيظهر مدى قدرة القطاع على إطلاق مشروعات جديدة لا مجرد إغلاق ملفات قديمة.
كما لا توجد أزمة إسكان واحدة في كل سوريا. ريف دمشق يواجه طلباً مختلفاً عن دير الزور أو حلب أو إدلب، وتختلف كلفة الأرض والبنية التحتية وفرص العمل والعودة. برنامج وطني يوزع الوحدات وفق عدد الجمعيات القائمة فقط قد لا يتطابق مع أماكن الحاجة الجديدة. لذلك تحتاج الوزارة إلى خريطة طلب حديثة تربط البناء بحركة السكان ومواقع العمل والمدارس والنقل، لا بعدد المكتتبين التاريخي وحده.
الإسكان بين الإصلاح والبناء الجديد
الطريق الأسرع في كثير من المناطق قد يكون إصلاح المنزل القائم. مفوضية اللاجئين دعمت في 2026 إصلاح مئات المنازل ووضعت خططاً لمزيد منها، لأن إعادة تأهيل سقف وشبكة مياه ونوافذ أقل كلفة من بناء شقة كاملة. هذا المسار مناسب للأسر التي تملك منزلاً متضرراً جزئياً، بينما يحتاج من فقد منزله بالكامل إلى حل مختلف. الجمع بين الإصلاح والبناء التعاوني والإسكان الاجتماعي يقلل الضغط على أي برنامج واحد.
أزمة الملكية تضيف قيداً آخر. عائلات كثيرة فقدت وثائقها، وعقارات تغير شاغلوها خلال الحرب، ومناطق شهدت هدم سجلات أو تغييرات تنظيمية. ضخ استثمارات كبيرة قبل حسم الحقوق قد يخلق نزاعات طويلة أو يجعل الأسرة مترددة في العودة. لذلك لا ينفصل الإسكان عن السجل العقاري والقضاء والتخطيط العمراني، وهي جوانب لا تظهر في خبر تسليم الوحدات لكنها تحدد قدرة القطاع على التوسع.
تمويل البناء نفسه يحتاج إلى سوق ائتمان يعمل. البنوك السورية ما زالت ضعيفة والرهون طويلة الأجل محدودة، فيما لا تستطيع أغلبية الأسر شراء مسكن نقداً. التعاون السكني يعوض جزءاً من هذا النقص عبر الدفعات الجماعية، لكنه لا يبني سوقاً سكنية واسعة. التعافي الحقيقي يحتاج إلى قروض قابلة للتحمل، وضمانات، وتأمين، وسياسات أرض تمنع ارتفاع السعر إلى مستوى يبتلع أي انخفاض في كلفة البناء.
يمكن للحكومة أن تجعل مشروع معربا مفيداً على مستوى السياسة إذا نشرت بيانات أكثر من عدد الوحدات. المطلوب معرفة الكلفة للمتر، مدة التنفيذ، مقدار التأخير الذي جرى تجاوزه، آلية اختيار المستفيدين، وعدد الوحدات التي ستسلم في كل محافظة حتى نهاية العام. هذه المؤشرات تسمح بمقارنة الجمعيات ومعرفة أين تتعطل المشاريع ولماذا.
511 شقة ليست رقماً تافهاً للأسر التي حصلت عليها، ولا تشكل في المقابل انفراجاً في أزمة وطنية بهذا الحجم. قيمتها أنها تثبت إمكان تحريك جزء من مخزون التعاون السكني المتوقف وإنهاء انتظار قديم. إذا تبعتها آلاف الوحدات الجديدة، وإصلاح واسع للمساكن المتضررة، وتمويل سكني أكثر قدرة على الوصول إلى الأسر، يمكن أن تصبح جزءاً من انفراج تدريجي. أما إذا بقيت الإنجازات دفعات متفرقة من مشاريع قديمة، فسيظل الفارق بين عدد المفاتيح المسلمة وعدد الأسر المحتاجة أكبر بكثير من قدرة هذا القطاع وحده على ردمه.
اقرأ أيضاً: مزارع ريف دمشق: مشروع استثماري يواجه مخاطر المياه والزراعة









