أعمال واستثمار

500 تاجر وخطة لبناء اقتصاد رقمي.. هل تنجح سوريا في اللحاق بجيرانها؟

بقلم: ديانا الصالح

في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من التجار السوريين يديرون “متاجرهم” من خلال رسائل واتساب أو صفحات الفيسبوك، وينتظرون الزبون ليدفع نقداً عند التسليم لأن لا بديل آخر متاح، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات هذا الأسبوع عن أول خطوة عملية حقيقية لتغيير هذا الواقع، مبادرة تستهدف تنظيم التجارة الإلكترونية في سوريا من خلال نقل 500 تاجر إلى العالم الرقمي، وذلك ضمن خطة وطنية أوسع لبناء اقتصاد إلكتروني قادر على الوقوف على قدميه.

التجارة الإلكترونية في سوريا

انطلقت في العاصمة دمشق أعمال “ملتقى التجارة الإلكترونية في سورية 2026″، وذلك بمشاركة ممثلين عن عدة وزارات وغرف تجارة وشركات تكنولوجيا ودفع إلكتروني وخدمات لوجستية، وشهد الملتقى إطلاق مبادرة “500 تاجر رقمي”، التي تستهدف تمكين 500 من التجار من دخول مجال التجارة الإلكترونية في سوريا، وبدء البيع عبر الإنترنت من خلال ربطهم بمنظومات الدفع الإلكتروني والخدمات اللوجستية، إضافة إلى توفير التدريب والاستشارات لهم، في محاولة للمساهمة في تسريع عملية التحول الرقمي، ورفع جاهزية أنشطتهم التجارية للعمل عبر الإنترنت.

هذه المبادرة لا تعتبر الأولى من نوعها، فقد سبقتها في حزيران الماضي مبادرة “قادة التجارة الحديثة”، والتي كانت تعتبر أول برنامج تدريبي بهذا الحجم في البلاد، واستهدفت تأهيل 200 من رواد الأعمال بالمشاركة مع منصات تجارية إقليمية، أي أنّ هناك جهود مكثفة في إطلاق المبادرات الخاصة بالتجارة الإلكترونية وتنظيمها خلال الأشهر الأخيرة.

رؤية حكومية للتحول الرقمي

خلال افتتاح الملتقى أكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، أن التجارة الإلكترونية تمثل فرصة استراتيجية لسوريا، كما أشار إلى أن نجاحها يتطلب التكامل في جهود مختلف الوزارات والمؤسسات، معتبراً أن بناء اقتصاد رقمي سيكون إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية وخلق فرص اقتصادية جديدة.

كما أوضح أن الوزارة تعمل حالياً على تطوير البيئة التشريعية، من خلال تعديل قانون المعاملات المالية وقانون الجرائم الإلكترونية، مؤكداً أن ترسيخ الثقة لدى المستخدمين وتحسين خدمات الاتصالات وتوسيع حلول الدفع الإلكتروني، تمثل عناصر أساسية لنجاح القطاع.

من جهته اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن التجارة الإلكترونية في سوريا، مرشحة لإحداث تحول نوعي في هيكل الاقتصاد السوري، وفتح مجالات أوسع أمام القطاع الخاص للمشاركة في النشاط الاقتصادي.

كما أضاف أن الحكومة تتجه إلى توظيف التجارة الإلكترونية كوسيلة لتعزيز تصدير المنتجات والخدمات السورية إلى الأسواق الخارجية، وليس الاكتفاء بتوسيع حركة الاستيراد فقط، مؤكداً أن سوريا تمتلك إمكانات وطاقات إبداعية قادرة على الاستفادة من هذا التحول، في حال توفرت المبادرة والبيئة المناسبة.

خلف الكواليس.. إعادة بناء المؤسسة السورية للبريد

على اعتبار أن أي منظومة تجارة إلكترونية حقيقية تحتاج إلى شبكة توصيل وشحن يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها، فتحركت الوزارة قبل أشهر من الملتقى في مسار مترابط، حيث أطلقت في منتصف أذار الماضي وثيقة “طلب معلومات”، وذلك بهدف إقامة شراكة استراتيجية لتطوير المؤسسة السورية للبريد، كما دعت المشغلين من القطاع الخاص والمستثمرين والمؤسسات المؤهلة، لتقديم تصوراتهم ومقترحاتهم للمشاركة في هذا التطوير.

وتسعى الوزارة من خلال هذه الخطوة إلى تحديث دور البريد الوطني في الاقتصاد السوري، بحيث ينتقل من نموذج تقليدي يقتصر على الخدمات البريدية الأساسية إلى منصة وطنية متعددة الوظائف، لتمون قادرة على دعم حركة الشحن والتوصيل التي تعتمد عليها التجارة الإلكترونية بشكل مباشر.

ما الذي يعيق التحول الرقمي حتى الآن؟

على الرغم من هذه التحركات المتتالية والمتسارعة، إلا أن وزارة الاتصالات لم تخفِ حجم التحديات القائمة، فقد أوضح وزير الاتصالات خلال الملتقى أن سوريا لا تزال في بداية طريق التجارة الإلكترونية، في ظل تحديات متعددة أهمها محدودية انتشار الإنترنت وضعف منظومة الدفع الإلكتروني، ويشكل هذا التحديان عائقان بنيويان، لا يمكن لأي مبادرة تدريبية مهما كان حجمها أن تتجاوزهما بمفردها.

الخبير الاقتصادي عامر ديب أشار إلى أن التجارة الإلكترونية في سوريا، تعاني من عقبات بنيوية وتنظيمية متشابكة، خاصة أن معدل انتشار الإنترنت لا يتجاوز 46.5% من السكان، وبسرعة تحميل متوسطة لا تتعدى 4.6 ميغابت/ثا، فيما لا تزال خدمات الدفع الإلكتروني وبوابات الدفع الآمنة محدودة، نتيجة تركة العقوبات السابقة.

فيما تبرز عقبات تنظيمية وقانونية تتعلق بالرقابة الضريبية وحماية المستهلك الرقمي، مما يبقي التجارة الإلكترونية محدودة الأثر، ويصعّب وصولها إلى المستهلك المحلي بالسرعة والسلاسة المطلوبتين.

كيف تقارن سوريا بجيرانها رقمياً؟

تشهد التجارة الإلكترونية في المنطقة نمواً سنوياً يتراوح بين 12% و14%، مع اعتماد كبير يتزايد على الهاتف الذكي الذي تجري من خلاله أكثر من 70% من التعاملات، حيث يتسوق 80% من المستهلكين عبر الموبايل ويصل 70% منهم إلى البائع مباشرة.

كما يشكل التسوق العابر للحدود نحو 80% من مشتريات المستهلكين في السعودية والإمارات وحدهما، وبالاستفادة من هذه الاتجاهات الإقليمية، فيمكن لسوريا الانطلاق تدريجياً لبناء منصة وطنية للتجارة الإلكترونية، تضاهي المنافسين في المنطقة، إلا أن ذلك سيتحقق فقط بوجود استثمار حقيقي في البنية التحتية الرقمية، بحيث لا تبقى محصورة بالمؤتمرات والملتقيات الافتتاحية.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الصورة العامة المتفائلة تستعرض مبادرةً طموحة تستهدف 500 تاجر، ووثيقةً لتطوير مؤسسة بريد كاملة، وتصريحات وزارية تتحدث عن تحول نوعي في هيكل الاقتصاد، لتبدو بذلك سوريا وكأنها تضع أخيراً الأسس الأولى لمنظومة تجارة إلكترونية متكاملة.

ولكن المسافة بين إطلاق مبادرةٍ في قاعة مؤتمرات وبين تاجر حقيقي يبيع منتجاته عبر الإنترنت بثقة، ويستلم ثمنه إلكترونياً، ويؤمن له شبكة شحن يمكن الاعتماد عليها، تبقى مسافة طويلة تحتاج وقتاً واستثماراً أكبر بكثير مما يظهر في بيانات الإطلاق الأولى.

اقرأ أيضاً: الحياة الإلكترونية في سوريا.. تسوق وتواصل يومي وتوتر مستمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى