4.8 ملايين هجمة سيبرانية في شهر: الأمن الرقمي كجزء من أمن الدولة السوري!

الكاتب: أحمد علي
أعلنت الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات في الأول من تموز 2026 أن مركز أمن المعلومات الوطني تصدى خلال حزيران لأكثر من 4.8 ملايين هجمة سيبرانية، ورصد أكثر من 35 ألفاً و72 مصدراً لتلك الهجمات. قبل ذلك بشهر، كانت الهيئة نفسها قد أعلنت التصدي لأكثر من 4.6 ملايين هجمة في أيار، مع تتبع أكثر من 13 ألف مصدر. بهذا المعنى، لا تظهر المسألة كحادثة منفردة، بل كضغط يومي على شبكة الدولة ومؤسساتها وخدماتها الإلكترونية.
الأمن الرقمي في سوريا صار جزءاً من سؤال أوسع عن قدرة الدولة على العمل. كل خدمة حكومية تنتقل إلى المنصة الإلكترونية تحتاج إلى حماية. كل سجل مدني أو مالي أو صحي يصبح أكثر حساسية عندما ينتقل من الخزانة الورقية إلى قاعدة البيانات. لذلك يصبح السؤال العملي اليوم هو الآتي: هل تتعامل المؤسسات السورية مع الهجمات السيبرانية كملف تقني محدود، أم كجزء من أمن الدولة واستمرارية الخدمة العامة؟
الأمن الرقمي في سوريا: ماذا تقول الأرقام؟
تقول رواية الهيئة إن مركز أمن المعلومات الوطني عمل في حزيران على حماية البنية التحتية الرقمية، وضمان استقرار الشبكات، وحماية البيانات الوطنية، وموثوقية الخدمات الإلكترونية. الرقم المعلن كبير، لكن التعامل معه يحتاج إلى دقة. في لغة الأمن السيبراني، الهجمة لا تعني بالضرورة اختراقاً ناجحاً. قد تكون محاولة فحص، أو طلباً خبيثاً، أو سعياً لتعطيل خدمة، أو محاولة دخول غير مشروع. لكن أهمية الرقم أنه يوضح حجم الضغط، لا حجم الضرر الفعلي وحده.
المقارنة بين أيار وحزيران تعطي مؤشراً آخر. فعدد الهجمات ارتفع من أكثر من 4.6 ملايين إلى أكثر من 4.8 ملايين، بينما قفز عدد المصادر المرصودة من أكثر من 13 ألفاً إلى أكثر من 35 ألفاً و72 مصدراً. هذا الفارق في عدد المصادر يفتح باباً للتحليل أكثر من عدد الهجمات نفسه، لأنه يشير إلى اتساع الجهات أو النقاط التي خرجت منها المحاولات، أو إلى تحسن قدرة الرصد والتتبع، أو إلى الأمرين معاً. لا يمكن الجزم من البيان وحده بأي تفسير نهائي، لكن المؤكد أن منظومة الرصد تتحرك تحت ضغط واضح.
تملك الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات، وفق تعريفها لمراكزها، أدواراً مرتبطة بحماية البنية التحتية الرقمية والبيانات الحساسة والمعاملات الإلكترونية، إضافة إلى التدريب والتطوير التقني. هذه المهام تجعلها في موقع مركزي، لأن الأمن السيبراني لا يخص موقعاً حكومياً أو بريداً إلكترونياً فقط. هو يدخل في عمل الجمارك، والضرائب، والمصارف، والاتصالات، والسجلات العامة، والخدمات التي ينتظرها المواطن من الدولة.
تكمن المشكلة في أن سوريا تتحرك في اتجاهين متوازيين. هناك حاجة ملحة إلى رقمنة الخدمات وتحسين الاتصالات وإعادة ربط البلد بالعالم. وهناك، في الوقت نفسه، بنية رقمية خرجت من سنوات طويلة من الضعف والتجزئة ونقص الاستثمار. كل توسع في الخدمات الرقمية من دون معايير حماية واضحة يزيد عدد الأبواب المفتوحة أمام الهجمات. لذلك لا يكفي إعلان صد المحاولات. المطلوب أن يعرف المواطن والمؤسسة ما الذي تغير في مستوى الحماية، وكيف تُدار البيانات، ومن يراجع الأخطاء عندما تقع.
الهشاشة قبل الهجمات
شهدت سوريا خلال الأشهر الماضية حوادث تؤكد أن الخطر لا يأتي دائماً من هجوم معقد. في آذار 2026 تعرضت حسابات رسمية سورية على منصة إكس للاختراق، بينها حسابات مرتبطة بالأمانة العامة للرئاسة والمصرف المركزي وعدد من الوزارات، بحسب تقرير نشرته وايرد. نقل التقرير عن خبراء أن أسباباً مألوفة قد تكون وراء هذا النوع من الاختراق، مثل كلمات مرور ضعيفة أو مكررة، أو غياب المصادقة متعددة العوامل، أو ضعف قنوات الاسترداد. والدرس هنا واضح، فالخلل البسيط في إدارة الحسابات قد يتحول إلى ضرر سياسي وإعلامي سريع.
لا يقتصر الخطر على الحسابات العامة. قطاع الاتصالات نفسه أصبح جزءاً من النقاش السياسي والتقني. في شباط 2026، نقلت رويترز أن الولايات المتحدة حثت سوريا على الابتعاد عن الاعتماد الواسع على تقنيات صينية في الاتصالات، معتبرة أن الأمر يتصل بالأمن القومي وخصوصية البيانات. وذكرت رويترز أيضاً أن تقنيات هواوي تشكل أكثر من نصف البنية التحتية لدى شركتي سيريتل وMTN وفق مصدر ووثائق اطلعت عليها، وأن سوريا تسعى إلى تنويع الشركاء وتحديث قطاع أضعفته سنوات الحرب والعقوبات. والحكومة السورية، بحسب المصدر نفسه، تحدثت عن قرارات مبنية على معايير تقنية وأمنية وطنية وعن أولوية تنويع الشراكات.
هذه التفاصيل تضع الأمن الرقمي في موقع حساس. اختيار المعدات، ومراكز البيانات، ومزودي الخدمة، وأنظمة التخزين، وبرمجيات الإدارة، كلها قرارات تحمل أثراً أمنياً طويل المدى. لا تظهر نتائجها في يوم الشراء، بل عند أول أزمة كبيرة أو أول تسريب أو أول تعطل واسع. لذلك تحتاج سوريا إلى سياسة مشتريات تقنية واضحة، لا تكتفي بالسعر والسرعة، وتضع حماية البيانات واستمرارية الخدمة ضمن شروط التعاقد.
هناك جانب آخر يتعلق بالبنية المادية للإنترنت. في حزيران 2026، تحدثت تقارير عن قطع كابل بحري يربط مصر بسوريا، وعن تحويل البيانات عبر مسارات بديلة تشمل كابل قبرص ومساراً برياً عبر تركيا بسعة 1 تيرابت في الثانية. الحادثة، بغض النظر عن ملابساتها النهائية، تكشف أن الاتصال الرقمي لا يعيش في الفراغ. الكابل، مركز البيانات، الطاقة الكهربائية، غرفة التحكم، والموظف المسؤول عن كلمات المرور، كلها أجزاء في سلسلة واحدة، وضعف حلقة منها ينعكس على الخدمة كلها.
ما المطلوب عملياً؟
تتعامل مؤسسات كثيرة مع الأمن السيبراني على أنه شراء برامج حماية أو تركيب جدران نارية. هذا جزء من العمل، لكنه لا يكفي. المطلوب أولاً خريطة واضحة للأصول الرقمية الحكومية: ما قواعد البيانات الموجودة؟ من يملك صلاحية الدخول إليها؟ أين تُحفظ النسخ الاحتياطية؟ ما الأنظمة القديمة التي لا تزال تعمل؟ وما الخدمات التي يجب أن تبقى متاحة حتى عند حدوث هجوم؟ من دون هذه الخريطة ستبقى الاستجابة متأخرة، لأن المؤسسات لا تستطيع حماية ما لا تعرفه بدقة.
النقطة الثانية هي قواعد التشغيل اليومية. يجب أن تصبح المصادقة متعددة العوامل إلزامية للحسابات الرسمية والأنظمة الحساسة. يجب منع مشاركة كلمات المرور بين الموظفين، وتحديد صلاحيات الدخول بحسب الحاجة الفعلية، ومراجعة هذه الصلاحيات دورياً. كما يجب تدريب الموظفين على رسائل التصيد، لأن كثيراً من الهجمات تبدأ من بريد إلكتروني عادي أو رابط يصل إلى موظف غير مدرب. هذه إجراءات بسيطة نسبياً، لكنها تقلل مساحة الخطر بسرعة.
النقطة الثالثة هي الاستجابة. عندما يحدث اختراق، لا يكفي إغلاق الحساب أو إعادة تشغيل الخادم. يجب أن تكون هناك خطة معلنة داخل المؤسسات تحدد من يقرر، ومن يبلغ، ومن يعزل النظام المتضرر، ومن يخاطب الجمهور، وكيف تُحفظ الأدلة التقنية. غياب هذه الخطة يجعل كل حادثة تبدأ من الصفر. في الأمن الرقمي، التأخير جزء من الخسارة، لأن المهاجم يستفيد من الدقائق الأولى أكثر مما يستفيد من أي وقت آخر.
تحتاج سوريا أيضاً إلى بناء كوادر محلية قادرة على إدارة الحماية لا تشغيل الأدوات فقط. الإعلان عن شراكات في مراكز البيانات ومراكز العمليات السيبرانية يمكن أن يكون مفيداً إذا ارتبط بنقل معرفة وتدريب حقيقي للمهندسين السوريين. أما الاكتفاء باستيراد حلول جاهزة فيترك البلد معتمداً على الخارج في لحظة يفترض فيها أن تزيد سيادته على بياناته وأنظمته.
الأمن الرقمي في سوريا لن يتحسن ببيان شهري عن عدد الهجمات وحده. البيانات مهمة لأنها تضع الرأي العام أمام حجم الضغط، لكنها تحتاج إلى ما يكملها: مؤشرات عن أنواع الهجمات، القطاعات المستهدفة، مستوى نجاح الصد، زمن الاستجابة، وعدد الثغرات التي أُغلقت بعد كل حادثة. نشر هذه المعلومات بحدود لا تضر بالأمن يساعد في بناء الثقة، ويمنع تحويل الملف إلى أرقام كبيرة لا يعرف الناس معناها.
تستطيع الدولة أن تعتبر الهجمات السيبرانية مشكلة تقنية يعالجها موظفون متخصصون في غرف مغلقة. وتستطيع أن تتعامل معها كجزء من أمن المرافق والخدمات والاقتصاد. والخيار الثاني هو الأكثر واقعية، إذ لا يمكن بناء حكومة رقمية ولا اقتصاد أكثر اتصالاً بالعالم إذا بقيت الحماية لاحقة للتوسع. المطلوب أن تسير الرقمنة والحماية معاً، وأن تدخل معايير الأمن في كل عقد وكل منصة وكل خدمة جديدة. وعندها يصبح خبر التصدي لملايين الهجمات بداية لمساءلة جدية عن الجاهزية، لا مجرد رقم يمر في الأخبار.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الحكومة تخفض عدد أرغفة ربطة الخبز









