300 شركة في دمشق: هل يعيد «ناس تكس» تشغيل سلسلة النسيج السورية؟

الكاتب: أحمد علي
تستقبل دمشق بين 18 و21 تموز 2026 أكثر من 300 شركة تمثل أكثر من 20 دولة في معرض «ناس تكس»، على مساحة تتجاوز 100 ألف متر مربع في مدينة المعارض الجديدة. ويضم الحدث خطوط إنتاج ومعدات للنسيج، إلى جانب الخيوط والمواد الخام وحلول الإدارة الرقمية، كما يعرض نموذجاً لمعمل متكامل يشرح مراحل التشغيل أمام الزوار. تلك هي البيانات الرسمية المتاحة عن حجم المعرض ومحتواه صباح افتتاحه في 18 تموز.
تقول المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية إن الحدث مهيأ لإبرام مذكرات تفاهم واستقطاب الاستثمارات وفتح فرص جديدة أمام الصادرات السورية. وتحمل المشاركة الواسعة إشارة إلى عودة اهتمام تجاري بالسوق السورية، لكنها لا تكشف وحدها مقدار الطلب الصناعي القادر على الدفع. ولم تنشر الجهة المنظمة توزيع الشركات بين المحلية والأجنبية. كما لا تتوافر أرقام عن استثمارات ملتزم بها أو عدد المشترين القادمين من أسواق التصدير.
السؤال العملي هو ما إذا كان هذا التجمع يستطيع ربط سلسلة تفرقت حلقاتها خلال سنوات الحرب، من القطن إلى المصنع ثم السوق. يستطيع المعرض أن يختصر المسافة بين صاحب المنشأة ومورد الآلة أو الخيط والمشتري المحتمل. أما عودة الإنتاج فتتوقف على قدرة المصنع على تمويل الصفقة، وتشغيل الخط بصورة منتظمة، وبيع ما ينتجه بسعر يحتمل المنافسة.
ناس تكس وسلسلة الإنتاج
تبدأ السلسلة السورية بحقل القطن، ثم ينتقل المحصول إلى الحلج والغزل. يلي ذلك النسيج والصباغة والتجهيز، قبل أن يصل القماش إلى ورش الألبسة والمفروشات ومنها إلى السوق المحلية أو التصدير. كانت حلب مركز الثقل في هذه الدورة، بينما توزعت حلقات أخرى بين دمشق وريفها وحمص ومدن صناعية أصغر. تضرر منشأة واحدة قد يعطل طلباً كان يشغل منشآت أخرى، ولهذا يصعب قياس التعافي بعدد المصانع التي فتحت أبوابها فقط.
قدمت صحيفة «لوموند» في 23 آذار 2025 صورة ميدانية عن حجم التعطل في حلب. وبحسب تقريرها، كان نحو 10 في المئة فقط من أكثر من 60 ألف منشأة مسجلة في القطاع لدى غرفة تجارة حلب ما زال نشطاً، كما كان نصف مصانع مدينة الشيخ نجار الصناعية مغلقاً أو متضرراً. لا يمثل هذا التقدير إحصاء محدثاً لكل الصناعة السورية في صيف 2026، لكنه يوضح اتساع الفجوة التي يحاول المعرض التعامل معها.
التصميم المعلن لـ«ناس تكس» يلامس أكثر من موضع في السلسلة، فصاحب معمل النسيج يستطيع مقارنة الآلات وشروط الخدمة، بينما تستطيع ورشة الألبسة البحث عن خيط أو قماش يناسب سعرها، ويجد المصنعون منفذاً للتفاوض مع موزعين. حضور شركة «إيتما» الإيطالية بثلاثة حلول للنسج مخصصة للدنيم والمناشف والحرير، وإعلانها تعيين وكالة «غروفاست» وكيلاً حصرياً لها في سوريا، يعطي مثالاً على عودة شركات المعدات إلى السوق وبناء قناة محلية للخدمة.
توفر هذه اللقاءات معلومات يصعب على المصانع الصغيرة جمعها منفردة، وقد تساعد في تحديث خطوط بقيت سنوات بلا قطع تبديل أو دعم فني. مع ذلك، لا تؤدي مشاهدة آلة حديثة إلى رفع الإنتاج تلقائياً. تحتاج الصفقة إلى تمويل، ويحتاج التشغيل إلى كهرباء مستقرة وفنيين مدربين وصيانة متاحة. غياب هذه الشروط قد يترك الآلة معطلة أو عاملة دون طاقتها، حتى مع استعداد المورد للبيع.
يبقى جانب المشترين أقل وضوحاً، فأرقام الافتتاح تجمع الشركات العارضة في رقم واحد ولا تبين كم منها جاء لشراء أقمشة أو ملابس سورية، وكم منها جاء لبيع آلات ومواد أولية. الفارق مهم، لأن زيادة واردات التجهيزات قد تكون ضرورية للتحديث، لكنها ترفع كلفة الاستيراد قبل أن تولد عائداً من التصدير. ويحتاج الحكم على أثر المعرض إلى معرفة اتجاه العقود التي ستخرج منه، لا عدد الأجنحة وحده.
الطاقة والقطن والتمويل
تظهر الكهرباء أولاً عند الانتقال من قاعة العرض إلى المصنع. كانت سوريا تولد 1.6 غيغاواط فقط في أيار 2025، مقارنة بنحو 9.5 غيغاواط قبل عام 2011، وفق بيانات نقلتها رويترز، وفي الشهر نفسه وُقعت مذكرة استثمار بقيمة تقارب سبعة مليارات دولار لبناء محطات غازية وشمسية بقدرة إجمالية تبلغ خمسة آلاف ميغاواط. وحددت الخطة مدة تصل إلى ثلاث سنوات للمحطات الغازية وأقل من سنتين للمحطة الشمسية بعد الاتفاقات النهائية والإغلاق المالي.
وهذه المشروعات قد تغير وضع الطاقة على المدى المتوسط، بينما يحتاج المصنع الذي يشتري آلة هذا الأسبوع إلى جدول تغذية يمكن الاعتماد عليه الآن. والانقطاع المتكرر يخفض عدد ساعات العمل ويرفع كلفة القطعة، كما يربك مراحل تتطلب تشغيلاً متصلاً. ولا يتضمن إعلان المعرض بيانات جديدة عن الكهرباء المتاحة للمناطق الصناعية أو كلفتها، لذلك لا يمكن استنتاج الطاقة التشغيلية لهذه الخطوط من وجودها في قاعات «ناس تكس».
حلقة القطن تحتاج وقتاً أطول، حيث أفادت «لوموند» بأن إنتاج القطن السوري كان قد انخفض إلى عشر مستواه خلال أربعة عشر عاماً، وأن المصانع اتجهت إلى استيراد ألياف من الهند وأوزبكستان. وفي شباط 2026 قالت مديرة إدارة بحوث القطن في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية جميلة درباس إن استعادة مناطق الزراعة في الجزيرة تتيح إعادة وصل المحصول بمعامل الغزل والنسيج. لكنها شددت أيضاً على ضرورة تقييم شبكات الري والبنية التحتية والمحطات البحثية قبل تنمية الزراعة من جديد.
لن يصل قطن إضافي إلى المصانع بمجرد عودة هذه الأراضي إلى الخطة. يسبق ذلك إصلاح الري وتوفير البذار، كما يحتاج المزارع إلى سعر شراء يبرر زراعة محصول مرتفع الكلفة. ثم يأتي دور المحالج ومعامل الغزل في استعادة قدرتها. وحتى اكتمال هذه الدورة ستظل أجزاء واسعة من الصناعة معتمدة على مدخلات مستوردة، وسينتقل أثر سعر الصرف والرسوم وكلفة الشحن إلى سعر القماش السوري.
ظهر هذا الضغط في مطالب الصناعيين خلال الأسابيع السابقة للمعرض. فقد أفاد تقرير لمنصة أنباء محلية في 7 تموز بأن كثيراً من الخيوط والأقمشة المستوردة المستخدمة في صناعة الألبسة تخضع لرسم جمركي قدره 10 في المئة بموجب التعرفة المطبقة منذ مطلع حزيران. وطالبت لجان الصناعات النسيجية في غرفة صناعة دمشق وريفها بتخفيض الرسوم على المواد الأولية التي لا يتوفر لها بديل محلي، مع معالجة دخول الملابس الجاهزة منخفضة السعر.
يضع الوضع الحالي الورش الصغيرة تحت ضغط مضاعف. فهي تدفع كلفة أعلى للحصول على الخيط والقماش، ثم تبيع في سوق ضعفت فيها قدرة المستهلك ويعرض فيها المستورد سلعة أرخص. يستفيد المستهلك مؤقتاً من السعر المنخفض، لكن خروج الورش يقلل فرص العمل والإنتاج المحلي. وتحتاج السياسة الجمركية إلى تمييز دقيق بين مدخل إنتاج غير متاح محلياً وبين سلعة نهائية تنافس المنتج السوري، مع مراقبة أثر أي تعديل على أسعار الملابس.
التمويل هو القيد الثالث. أعلنت رويترز في 7 نيسان 2026 تسارع التعاون بين المصرفين المركزيين السوري والتركي، وقالت إن مصرفي «زراعات» و«أكتيف بنك» تقدما بطلبات للعمل في سوريا. لكنها نقلت أيضاً عن رجال أعمال أن استعادة الخدمات المصرفية ومعالجة الجمارك والنقل ضرورية لزيادة التجارة. كما وضع برنامج الحوار الوطني للقطاع الخاص الذي نظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق في حزيران قيود المدفوعات وتمويل التجارة وتدفقات الاستثمار ضمن المسائل التي ما زالت تعطل الشركات السورية.
يمكن لمورد الآلة أن يقدم عرض سعر خلال المعرض، لكن المصنع يحتاج إلى ائتمان بمدة تناسب الإنتاج وإلى قناة دفع مقبولة من البنك الأجنبي. ويحتاج بعد وصول الآلة إلى تمويل رأس المال العامل كي يشتري المواد ويدفع الأجور قبل تحصيل المبيعات. هذه الوظائف لا يوفرها المعرض بذاته، ويمكنه أن يساعد فقط إذا حضر الممولون وتحولت اللقاءات إلى أدوات ائتمان أو تمويل تأجيري قابلة للاستخدام.
العقود بعد المعرض
تقدم الجهة المنظمة مذكرات التفاهم والاستثمار والتصدير بوصفها نتائج متوقعة، ولم تكن قد نشرت عند الافتتاح عقوداً بقيم ومواعيد تنفيذ. وسيكون أول قياس جاد بعد إغلاق المعرض هو إعلان عدد العقود الملزمة وقيمتها، مع فصلها عن رسائل النوايا. ثم يمكن متابعة ما وصل من معدات وما دخل الخدمة، وما إذا كانت الصفقات قد رفعت إنتاج المصانع أو فتحت طلبات تصدير منفذة.
يتوقف توزيع المنفعة على شكل هذه الصفقات. يحقق مورد الآلة أو الخيط عائده عند البيع، بينما يحتاج المصنع السوري إلى تشغيل مستمر وتسويق كي يسترد الكلفة. وقد تجد المنشآت الكبيرة تمويلاً وضمانات أفضل من الورش الصغيرة، فتتركز فرص التحديث في عدد محدود من الشركات. يخفف التمويل التأجيري ومراكز الخدمة الصناعية المشتركة هذه الفجوة، إذا صممت بشروط تستطيع المنشآت الصغيرة تحملها.
تتوقف مكاسب العمال والمزارعين أيضاً على مقدار القيمة التي ستبقى داخل البلاد. شراء معدات جديدة يرفع الإنتاجية عندما يرافقه تدريب وتشغيل فعلي، وقد يعيد الطلب على القطن المحلي إذا استقرت زراعته. أما استمرار الاعتماد الواسع على الخيوط والأقمشة المستوردة مع ضعف المبيعات، فقد يزيد الواردات من دون أن يستعيد القطاع روابطه المحلية أو عدد الوظائف الذي فقده.
تحتاج الصادرات إلى متابعة منفصلة. وجود شركات من أكثر من 20 دولة يفتح باب التعارف، لكن دخول منتج سوري إلى سوق خارجية يتطلب مواصفات ثابتة وتسليماً منتظماً وقناة دفع وشحناً يمكن توقع كلفته. لا تعالج بيانات الافتتاح هذه المسائل، كما لا تحدد الدول التي جاء منها مشترون فعليون. نشر عقود التوريد المنفذة خلال الأشهر التالية سيقدم دليلاً أوضح من التقديرات العامة عن فرص التصدير.
يستطيع «ناس تكس» إعادة الاتصال بين حلقات السلسلة، وقد يوفر للمصانع السورية معرفة تقنية وشركاء جدداً. إعادة التشغيل تحتاج بالتوازي إلى طاقة منتظمة، وعودة مدروسة للقطن، وتمويل يصل إلى المصانع القادرة على الإنتاج، وسياسة تجارية تخفض كلفة المدخلات من دون تحميل المستهلك زيادة غير محسوبة. يقتصر دور المعرض على تهيئة الصفقة وربط أطرافها، أما هذه الشروط فتحتاج إلى قرارات وبرامج تمتد بعد إغلاق الأجنحة.
ستظهر النتيجة خلال ما يلي المعرض. إذا تحولت المشاركة إلى عقود ممولة، ووصلت المعدات إلى المصانع وعملت، ونفذت طلبات بيع محلية وخارجية، يكون الحدث قد ساعد في تشغيل جزء من السلسلة. وإذا بقيت الحصيلة عند اللقاءات ومذكرات التفاهم، فسيظل «ناس تكس» مؤشراً على اهتمام تجاري بسوريا، من دون أن يكون دليلاً على تعافي صناعة النسيج.
اقرأ أيضاً: حلب تعيد تشغيل محركاتها.. أربع مذكرات تفاهم تضع المناطق الصناعية على طاولة الاستثمار









