29 ألف رأس تعبر سوريا.. هل يعود مرفأ طرطوس إلى واجهة التجارة الإقليمية؟

بقلم: ديانا الصالح
على رصيف مرفأ طرطوس، حيث اعتادت الرافعات أن تُفرغ حاويات الحبوب والإسمنت، وقف هذا الأسبوع مشهد مختلف، ثلاث بواخر ضخمة وصخب يعود لرؤوس الأغنام والأبقار، التي يتجاوز عددها 29 ألف رأس، قادمةً من البرازيل وإسبانيا وتنتظر دورها لتُنقل براً نحو الأردن والعراق.
وقد أصبح هذا المشهد معتاداً، فهو يتكرر شهراً بعد آخر، ليكشف عن ملامح دور جديد وصل إلى ترانزيت المواشي في سوريا، بعدما كانت أخبار الموانئ تقتصر على شحنات القمح ومواد البناء فقط.
ترانزيت المواشي في سوريا
استقبل مرفأ طرطوس ثلاث بواخر ترانزيت محمّلة بنحو 29 ألف رأس من المواشي، قادمة من البرازيل وإسبانيا، وذلك تمهيداً لنقلها براً إلى الأردن والعراق.
ووفقاً لتفاصيل الشحنة، فقد جاءت باخرتان من البرازيل تحملان 15 ألف رأس من الأبقار، فيما أحضرت الباخرة الثالثة من إسبانيا أكثر من 14 ألف رأس من الأغنام.
وبدأت الفرق المختصة بتفريغ المواشي بشكل سريع فور وصولها، بعد إتمام الفحوص الصحية والبيطرية اللازمة، مع اتخاذ عدة تدابير لضمان سلامتها وسلاسة عمليات النقل داخل المرفأ.
شحنات متكررة طوال العام
ترانزيت المواشي في سوريا لا يمكن اعتباره حدثاً معزولاً أو استثنائياً، فهو حلقة ضمن سلسلة متكررة من عمليات عبور المواشي، التي شهدها المرفأ خلال العام الحالي، ففي أيار الماضي استقبل مرفأ طرطوس باخرتين قادمتين من رومانيا، تحملان أكثر من 30 ألف رأس من الأغنام والعجول، أي ما يُقدر بنحو 500 عجل و15 ألف رأس من ذكور الأغنام في الباخرة الأولى، و16 ألف رأس من ذكور الأغنام في الثانية، وتتجه جميعها براً إلى الأردن.
وفي حزيران الماضي، أكدت الجهات المعنية دخول 11 ألف رأس من الأبقار إلى العراق، عبر منفذ التنف بعد عبورها الأراضي السورية ترانزيت، أي أن هناك نشاط ملحوظ في هذا الجانب.
وقبل ذلك بأشهر، تحديداً في شهر تشرين الأول من عام 2025، استقبل المرفأ شحنةً من العجول الحية القادمة من البرازيل والمتجهة إلى العراق، وذلك ضمن نظام العبور نفسه.
حركة تجارية نشطة على كل الجبهات
الجدير بالذكر أن الحيوية التي يعيشها مرفأ طرطوس تشمل إجمالي حركته التجارية خلال العام الحالي، فوفقاً لبيانات نشرتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، تجاوز إجمالي عمليات الاستيراد والتصدير في المرفأ خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 نحو 2.75 مليون طن، منها 2.25 مليون طن من المواد المستوردة، مقابل تصدير نحو نصف مليون طن من الفوسفات و20 ألف طن من مواد متنوعة أخرى.
كما استقبل المرفأ خلال شهر نيسان الماضي وحده 100 باخرة، بينها 94 سفينة شحن و6 بواخر صيانة، بحجم بضائع مستوردة بلغ نحو 720 ألف طن مقابل 190 ألف طن من الصادرات.
مركز لوجستي إقليمي!
خلف هذه الأرقام المتتالية والمتزايدة، تقف رؤية أعلنتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك نفسها، حيث صرحت الهيئة بأن مرفأ طرطوس يستمر في تقديم التسهيلات اللوجستية وتبسيط الإجراءات، لدعم دوره كمركز إقليمي للتجارة والعبور، ويربط سوريا بموانئ البحر المتوسط ودول الجوار.
كما كشفت الهيئة أن إجمالي ترانزيت المواشي في سوريا والمتوقع عبورها ضمن هذا المسار وحده يصل إلى 50 ألف رأس، وهذا ما اعتبرته الهيئة دليلاً على الثقة المتزايدة في المنافذ الحدودية السورية، بوصفها مركزاً لوجستياً إقليمياً دافعاً لحركة النقل والتجارة أكثر من كونها نقطة عبور.
لماذا الأردن والعراق تحديداً؟
اختيار الأردن والعراق كوجهتين رئيسيتين لهذه الشحنات ليس مصادفةً، خاصةً أن كلا البلدين يعتمد بشكل كبير على استيراد اللحوم الحمراء لتغطية الطلب المحلي المتزايد، فيما يوفر الموقع الجغرافي لسوريا لا سيما مرفأ طرطوس على البحر المتوسط، طريقاً برياً أقصر وأقل كلفةً نسبياً مقارنةً بمسارات الشحن البديلة عبر موانئ أخرى.
وهذا ما يفسر تكرار وصف الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لهذا النشاط بأنه جزء من نشاط استراتيجي وإقليمي، حيث تتحول سوريا يوماً بعد يوم إلى حلقة وصل ناشطة، تبرز مكانتها في سلسلة توريد اللحوم بين أوروبا وأمريكا الجنوبية من جهة، وبين المشرق العربي من جهة أخرى.
وبناءً على ذلك، فإن ما يجري اليوم في مرفأ طرطوس يمكن اعتباره إعادة الدور الفعلي لسوريا في تجارة اللحوم الإقليمية، وسواء تحقق الطموح المُعلن بجعل المرفأ مركزاً لوجستياً إقليمياً كاملاً أم بقي في طور التوسع، فإن ما يحدث اليوم يكفي وحده ليعيد طرح تساؤل أكبر: هل تستعيد سوريا تدريجياً دورها التاريخي كممر تجاري بين الشرق والغرب، بعد أن غاب هذا الدور لسنوات طويلة خلف عناوين الحرب والانقطاع؟
اقرأ أيضاً: 800 مليون دولار لمرفأ طرطوس: «موانئ دبي العالمية» لها الإدارة… والسيادة تبقى سورية









