28 رياضياً سورياً في المتوسط: هل تعود الرياضة لتكون وجهاً من وجوه سوريا الجديدة؟

الكاتب: أحمد علي
انطلقت أمس الجمعة 21 آب دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في مدينة تارانتو الإيطالية، فيما تدخل سورية المنافسات ببعثة تضم 28 لاعباً ولاعبة في ثماني رياضات. ويأتي العدد بعد أسابيع من أرقام مختلفة للبعثة، إذ أعلنت وكالة سانا في 7 آب مشاركة 31 رياضياً، ثم تحدثت في 17 آب عن 30 رياضياً، قبل أن يستقر الإعلان عشية الافتتاح على 28 مشاركاً. وهذه التفاصيل مهمة لأنها تحدد حجم المشاركة الفعلية التي بدأت بها الدورة، وتوضح أن الحديث عن الوفد السوري يجب أن يستند إلى القائمة الأخيرة لا إلى الأرقام الأولية.
تشارك سورية في كرة الطاولة ورفع الأثقال والكاراتيه والمصارعة والجودو والجمباز والدراجات والقوس والسهم. وتستمر الدورة حتى 3 أيلول، بمشاركة نحو 4000 رياضي ورياضية من 26 دولة، يتنافسون في 33 لعبة وفق الإعلان السوري الأخير. ووصلت أفواج البعثة السورية إلى إيطاليا وفق مواعيد المنافسات، وكانت أولى المجموعات تضم منتخب الدراجات، المدرب محمد علايه، والإدارية ابتسام حسن، واللاعبتين ميران الفارس وحلا زيدان.
الرياضة السورية في تارانتو
تدخل المشاركة الحالية بوصفها المشاركة التاسعة عشرة لسورية في تاريخ ألعاب البحر الأبيض المتوسط. ووفق بيانات وزارة الرياضة والشباب التي نقلتها سانا قبل انطلاق الدورة، شارك 1131 رياضياً سورياً في الدورات السابقة، وبلغ رصيد سورية 229 ميدالية، بينها 57 ذهبية و66 فضية و106 برونزيات. وتتركز أبرز النتائج التاريخية في رياضات رفع الأثقال والمصارعة والملاكمة والفنون القتالية، وهي الألعاب التي صنعت الجزء الأكبر من حضور سورية في هذه التظاهرة.
هذا الإرث يعطي المشاركة الحالية وزناً يتجاوز عدد أفراد البعثة، لكنه لا يحدد مسبقاً نتائجها. فالدورات السابقة لا تضمن ميدالية جديدة، والعدد الحالي لا يسمح وحده بالحكم على مستوى الرياضة السورية. ما يمكن قوله هو أن سورية ما زالت تحافظ على حضورها في واحدة من أقدم البطولات متعددة الألعاب في المنطقة، وأنها اختارت هذه المرة ثماني رياضات تضم بعضها اختصاصات اعتادت سورية تحقيق نتائج فيها، إلى جانب رياضات تمنح الرياضيين فرصة الاحتكاك بمستويات مختلفة.
الجدول نفسه يوضح طبيعة الاختبار. تبدأ منافسات الدراجات في 22 آب وتستمر حتى 24 منه، بينما تمتد منافسات المصارعة من 22 إلى 25 آب، والقوس والسهم من 25 إلى 28 آب، والجمباز من 25 آب إلى 2 أيلول، وكرة الطاولة من 26 آب إلى 2 أيلول. ويقام الجودو بين 28 و30 آب، ورفع الأثقال بين 31 آب و2 أيلول، بينما تختتم مشاركة سورية في الكاراتيه يومي 1 و2 أيلول.
وتبدأ المنافسات السورية عملياً عبر المصارعة الرومانية. ووفق ما نشرته صحيفة الوطن في 21 آب، يواجه محمد أسد الدين الأسطة التركي أكرم أوزتورك في وزن 60 كيلوغراماً عند الساعة 11:30 صباحاً بتوقيت دمشق، في أول ظهور سوري رسمي في الدورة. وتكمن أهمية هذه البداية في أنها تضع أحد الرياضيين السوريين أمام منافس صاحب برونزية عالمية وميداليات أوروبية، ما يجعل المنافسة نفسها اختباراً مبكراً لمستوى البعثة.
المشاركة لا تعني عودة كاملة
الحديث عن عودة الرياضة السورية يحتاج إلى قدر من الحذر. المشاركة الدولية مؤشر على وجود قدرة تنظيمية ومؤسساتية تسمح بإرسال بعثة إلى حدث كبير، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تغير واسع في واقع الرياضة داخل البلاد. لا تقدم البيانات المنشورة عن تارانتو أرقاماً عن حجم الإنفاق على إعداد الرياضيين، أو عدد المعسكرات وتكلفتها، أو وضع المنشآت الرياضية، أو حجم قاعدة الناشئين التي يجري إعدادها للمنافسات المقبلة.
وهذه الفجوة مهمة لأن بناء رياضة قادرة على الاستمرار يحتاج إلى ما هو أبعد من المشاركة في دورة واحدة. الرياضي الذي يصل إلى بطولة متوسطية يحتاج إلى برنامج إعداد منتظم، ومدرب متفرغ، وتجهيزات مناسبة، ومنافسات محلية تسمح باكتشاف المواهب، ثم فرصة للاستمرار بعد البطولة. لذلك سيكون من المبكر ربط مشاركة 28 رياضياً وحدها بتحول شامل في السياسة الرياضية أو في مستوى المنافسة السورية.
في المقابل، تحمل المشاركة قيمة عملية واضحة للرياضيين أنفسهم. المنافسة في دورة تضم رياضيين من 26 دولة تتيح قياس المستوى أمام خصوم من مدارس رياضية مختلفة، وهذا النوع من الاحتكاك يمكن أن يساعد في تحديد نقاط القوة والضعف لدى اللاعبين، خصوصاً في الألعاب الفردية التي تعتمد نتائجها على الفارق الفني الدقيق. وقد أعلنت وزارة الرياضة والشباب واللجنة الأولمبية السورية أن الهدف من المشاركة يتضمن تعزيز حضور سورية في البطولات الكبرى وإتاحة الاحتكاك بأبطال دول المتوسط وصقل الخبرات التنافسية.
ما الذي يمكن قياسه بعد تارانتو؟
سيكون تقييم المشاركة أكثر فائدة إذا لم يقتصر على عدد الميداليات. النتيجة مهمة، خصوصاً بالنسبة إلى ألعاب اعتادت سورية تحقيق إنجازات فيها، لكن الأهم بالنسبة إلى بناء مسار رياضي جديد هو معرفة ما إذا كانت المشاركة ستنتج برامج إعداد أفضل، ومنافسات أكثر انتظاماً، وظهور أسماء جديدة يمكن تطويرها خلال السنوات المقبلة.
وتظهر أهمية هذا الأمر عند مقارنة حجم البعثة السورية ببعثات دول متوسطية أخرى. البيانات المنشورة قبل انطلاق الدورة تشير إلى أن الجزائر تشارك بـ268 رياضياً ورياضية، ومصر بـ196، وتونس بـ184، والمغرب بـ123، بينما تشارك إيطاليا المضيفة بـ498، وتركيا بـ332، وفرنسا بـ330. المقارنة لا تعني أن حجم البعثة يساوي مستوى الرياضة، لكنها توضح الفارق في القدرة على المشاركة الواسعة وتغطية عدد أكبر من الاختصاصات.
الرياضة السورية تدخل تارانتو بوفد صغير مقارنة بكثير من الدول المشاركة، لكنها تدخل أيضاً بسجل طويل في هذه البطولة. بين الأمرين توجد المساحة التي يجب أن تُقاس لاحقاً. فإذا بقيت المشاركة مرتبطة بمواعيد البطولات الكبرى وحدها، فسيظل أثرها محدوداً، أما إذا تحولت المنافسة الخارجية إلى جزء من برنامج إعداد مستمر للرياضيين، فقد تصبح تارانتو محطة ضمن مسار أطول.
لا يمكن لدورة واحدة أن تثبت أن الرياضة السورية عادت إلى موقعها السابق، كما لا يمكن لنتيجة واحدة أن تختصر مستوى جيل كامل. ما ستكشفه تارانتو بصورة أدق هو قدرة النظام الرياضي السوري الجديد على تحويل المشاركة الخارجية إلى خبرة قابلة للتراكم. عدد الميداليات سيكون جزءاً من الإجابة، لكن ما سيحدث للرياضيين بعد عودتهم سيكون الاختبار الأهم لاستمرار هذا المسار.
اقرأ أيضاً: دوير الشيخ سعد تجمع الرياضة والثقافة في مهرجان صيفي









