سياسة

2400 عائلة متضررة: أين المشكلة بفيضان الفرات وما الحل؟

الكاتب: أحمد علي

لم يأت فيضان الفرات كخبر بعيد عن التوقع. كان ارتفاع البحيرات معروفاً، وكانت التصريفات ترتفع تدريجياً، وكانت القرى الواقعة على الضفتين تسمع التحذيرات بقلق. لكن ما حدث لاحقاً كشف أن معرفة الخطر شيء، والاستعداد له شيء آخر. حين تتحول المياه من فرصة للري والكهرباء إلى ضغط على البيوت والأراضي ومحطات الشرب، يصبح السؤال أوسع من منسوب نهر: أين تعطلت الإدارة، وما الذي يجب فعله قبل الموجة التالية؟

النهر حين ينتقل من النقص إلى الفائض

خلال سنوات طويلة، كان الفرات في الوعي السوري مرادفاً للنقص. نقص في الوارد المائي، نقص في الكهرباء، وتراجع في الزراعة على ضفتيه. لذلك بدا امتلاء بحيرات الفرات إلى أكثر من 97 بالمئة خبراً مطمئناً في بدايته. الماء عاد، والسدود استعادت جزءاً من قدرتها على التخزين، وإمكانات الري وتوليد الكهرباء بدت أفضل مما كانت عليه في مواسم الجفاف.

لكن الامتلاء العالي لا يبقى خبراً جيداً إذا اقترب من حدود التشغيل الحرجة. وفق البيانات المنشورة، جرى أولاً رفع التصريف من نحو 500 متر مكعب في الثانية إلى قرابة 800 متر مكعب. ثم، مع زيادة الوارد المائي القادم عبر النهر، وفتح بوابات مفيض سد الفرات، وصل التصريف في مرحلة الذروة إلى نحو 1800 متر مكعب في الثانية. وبعد انخفاض الوارد من الأراضي التركية إلى نحو 1400 متر مكعب في الثانية، أُغلقت إحدى بوابات المفيض وبدأ الخفض التدريجي للتصريف.

هذه الأرقام تبدو للوهلة الأولى لغة فنية تخص المهندسين. لكنها في القرى تعني شيئاً آخر. تعني حقلاً قد يغمره الماء، ومضخة يجب نقلها، وطريقاً ترابياً قد ينقطع، وبيتاً منخفضاً لا يملك أصحابه وقتاً كافياً لجمع ما يمكن إنقاذه. هنا تبدأ المشكلة. ليست في ارتفاع الماء وحده، بل في ترجمة الرقم إلى إنذار واضح ومبكر ومفهوم.

2400 عائلة… رقم لا يفسره المنسوب وحده

أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن الفيضان ألحق أضراراً بنحو 2400 عائلة، وغمر قرابة 5 آلاف دونم. ولم تُسجل خسائر بشرية مباشرة نتيجة الفيضان، باستثناء حالات غرق أطفال أثناء السباحة بسبب التيارات الجديدة وغير المتوقعة. هذه الحصيلة، رغم أنها لا تقارن بكارثة واسعة، تكفي لتبيان حجم الهشاشة في المناطق القريبة من مجرى النهر.

المشكلة الأولى ظهرت في الإنذار المبكر. بحسب التصريحات الرسمية، وصل التنبيه التركي بشأن مضاعفة الإطلاقات المائية في 22 أيار، ثم صدر التنبيه المحلي في 23 أيار. يوم واحد ليس زمناً كافياً لعائلة تسكن قرب النهر، ولا لفلاح يملك محاصيل ومعدات ومواشي على الضفة. الإخلاء لا يبدأ عند وصول الماء إلى الباب. يبدأ قبل ذلك، عندما تكون المعلومة دقيقة، والوقت متاحاً، والمسؤوليات موزعة.

المشكلة الثانية أن كثيراً من السكن والزراعة تمدد خلال سنوات الحرب والفقر إلى مناطق قريبة من حرم النهر. هذا تمدد مفهوم اجتماعياً، لكنه خطير مائياً. عندما يرتفع التصريف، تصبح هذه المساحات أول من يدفع الثمن. ومع غياب خرائط خطر منشورة للقرى والمناطق المنخفضة، يبقى السكان أمام تقديرات شخصية، بعضها يقلل الخطر وبعضها يبالغ فيه، وفي الحالتين تتضرر الثقة.

المشكلة الثالثة في الخدمات. تقارير محلية تحدثت عن تراجع ضخ المياه وخروج أو تفكيك تجهيزات في بعض المحطات احترازياً في دير الزور، وعن مخاوف مرتبطة بالجسور الترابية والمعابر. الفيضان لا يضرب الأرض وحدها. يضرب شبكة الحياة حول النهر: مياه الشرب، الكهرباء، الطرق، الري، والتنقل بين الضفتين. لذلك لا يصح التعامل معه كحادث زراعي فقط.

الحل ليس بعد الفيضان بل قبله

أول الحلول هو التعويض، لكنه ليس الحل الوحيد. يجب أن تصل لجان تقدير الأضرار بسرعة، وأن تشمل المنازل، والمحاصيل، والمواشي، ومضخات الري، ومزارع الأسماك، والمحلات القريبة من النهر. التعويض المتأخر يفقد جزءاً من قيمته، والتعويض غير الواضح يتحول إلى مصدر غضب جديد.

الحل الأهم هو بناء نظام إنذار مبكر حقيقي. الرسائل النصية خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي. يجب أن يتكامل الإنذار مع المجالس المحلية، والمساجد، وفرق الدفاع المدني، ومكبرات الصوت، وتطبيقات الهاتف، وغرف عمليات في القرى المعرضة للخطر. وينبغي أن تكون الرسالة بسيطة: أي القرى ستتأثر، متى يرتفع المنسوب، كم من الوقت متاح للتحرك، وأين تقع نقاط الإخلاء أو التجمع.

ثم تأتي خرائط الخطر. من غير المقبول أن يسمع الفلاح رقماً مثل 1600 أو 1800 متر مكعب في الثانية ولا يعرف ماذا يعني على أرضه. يجب تحديد مستوى التأثر عند كل تصريف، ونشر خرائط مبسطة للقرى والمزارع والطرق والمحطات. هذه ليست رفاهية إدارية. إنها شرط لحماية الناس وتقليل الخسائر.

هناك أيضاً حاجة إلى تنسيق مائي عابر للحدود مع تركيا. إذا كان ارتفاع الوارد مرتبطاً بالأمطار والثلوج والإطلاقات من السدود التركية، فإن القرى السورية تحتاج إلى بلاغات مبكرة ومفصلة، لا إلى تنبيه يصل عند اقتراب الموجة. إدارة النهر لا يمكن أن تكون محلية فقط عندما يكون مصدر الخطر عابراً للحدود.

أما الخدمات الحيوية القريبة من النهر، فيجب أن تخرج من دائرة الغمر المتكرر. محطات المياه والري والكهرباء تحتاج إلى تحصين، وبعض تجهيزاتها يجب أن تُرفع أو تُنقل أو تُحمى بسواتر دائمة. كل فيضان جديد سيعيد المشكلة نفسها إذا بقيت البنية الخدمية في موضع الخطر ذاته.

فيضان الفرات لم يكن كارثة كبرى، لكنه كان إنذاراً جدياً. كشف أن الوفرة قد تكون خطرة إذا جاءت إلى منظومة غير جاهزة، وكشف أن المشكلة ليست في النهر وحده، بل في طريقة السكن قربه، وفي ضعف الإنذار، وفي هشاشة الخدمات. الحل ليس في الخوف من الفرات. الحل في احترام مجراه، وقراءة أرقامه، وترك مسافة أمان بين الماء وحياة الناس. إذا حدث ذلك، يمكن أن يعود النهر مصدراً للحياة لا سبباً للقلق.

اقرأ أيضاً: بحيرات الفرات فوق 97%: بين سلامة السدود وقلق الرقة ودير الزور

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى