20 ألف فرصة في يوم واحد.. سوق العمل السوري يبحث عن موظفيه

الكاتب: أحمد علي
دخل شاب إلى الفندق وفي يده نسخ عدة من سيرته الذاتية، لم يكن وحده، ولم يكن يعرف أي جناح سيمنحه المقابلة التي انتظرها، لكنه كان يعرف أن البقاء في البيت لن يقرّبه من وظيفة. حوله تحرك خريجون وموظفون يريدون تغيير مسارهم، بينما حاول مسؤولو الموارد البشرية أن يلتقطوا من الزحام أسماء تناسب شواغرهم. في هذه المسافة القصيرة بين ورقة ووجه بدأت الحكاية الحقيقية للرقم الكبير.
افتُتحت في دمشق يوم 8 أيلول 2026 النسخة الخامسة من ملتقى فرص العمل على أن تستمر يومين، بمشاركة 54 شركة محلية وإقليمية ودولية و15 شركة ناشئة. قالت التغطية الرسمية إن الجهات المشاركة تعرض أكثر من 20 ألف فرصة. غير أن الرقم أُعلن عند الافتتاح، ولا يعني أن عشرين ألف وظيفة وُلدت خلال أربع وعشرين ساعة أو أن العدد نفسه سيُعيّن. إنه رصيد شواغر معلن يحتاج إلى تفصيل، ثم إلى متابعة ما بعد المعرض.
ملتقى فرص العمل في دمشق يختصر مسافة البحث
يؤدي ملتقى فرص العمل في دمشق وظيفة لا تبدو كبيرة على الورق لكنها ثقيلة في الحياة اليومية. فهو يضع الباحث أمام أكثر من صاحب عمل، ويمنح الشركة فرصة مقابلة أشخاص لا تصل إليهم عبر إعلان عابر. في سوق تتوزع وظائفه بين المعارف وصفحات التواصل والمنصات الصغيرة، تصبح المعلومة نفسها جزءاً من فرصة العمل.
كما يستطيع الملتقى أن يكشف المهارة المطلوبة بسرعة. يسمع الخريج السؤال نفسه من عدة شركات فيفهم أين تنقصه الخبرة، ويرى صاحب العمل أن المشكلة قد تكون في وصف الوظيفة أو أجرها لا في غياب الكفاءات. هذه المعرفة مكسب. لكنها لا تساوي عقداً، ولا ينبغي تسجيل كل سيرة وصلت إلى جناح بوصفها نتيجة تشغيل.
عشرون ألفاً لا تعني عشرين ألف تعيين
حين يُقسم الرقم على الجهات المشاركة، يقترب المتوسط من 290 فرصة لكل شركة أو مشروع ناشئ. قد يكون ذلك ممكناً إذا كانت مؤسسات كبيرة تجمع احتياجات فروع ومهن متعددة، لكنه مرتفع بما يكفي لطلب كشف واضح. هل هي وظائف فورية أم قاعدة مرشحين للمستقبل، وهل يتكرر الشاغر لدى أكثر من فرع، وهل تشمل تدريباً وعملاً جزئياً وفرصاً خارج سوريا؟
لا تنتقص هذه الأسئلة من قيمة الحدث. على العكس، تحميه من نجاح دعائي سريع يعقبه صمت. نشر قائمة مصنفة حسب المهنة والمحافظة ونوع العقد والخبرة المطلوبة سيجعل الرقم قابلاً للفهم. أما الرقم المجرد فيحشد الزوار، لكنه لا يخبر خريجة الكيمياء في حمص إن كانت لها فرصة حقيقية أم إن معظم الطلب يتركز في المبيعات داخل دمشق.
البطالة ونقص الموظفين يعيشان معاً
قد تبدو شكوى الشركات من صعوبة العثور على موظفين غريبة في بلد يعاني بطالة مرتفعة. لكنها مفارقة معروفة حين لا تتطابق المهارة والمكان والأجر. أشار تحليل الأمم المتحدة لسوريا إلى أن البطالة بلغت 21.3 في المئة في 2024، مع استمرار نقص العمالة في قطاعات معينة. الرقم قد يختلف بين تقدير وآخر، إلا أن المفارقة نفسها واضحة.
سنوات الحرب أخرجت خبرات من البلاد، وأضعفت التدريب المهني، وقطعت مسارات التعلم داخل الشركات. وفي الوقت نفسه قد يطلب رب العمل خبرة طويلة من خريج جديد أو يعرض دخلاً لا يغطي النقل والغداء. هنا لا يكون الباحث عاطلاً لأن الوظيفة مجهولة فقط، ولا تبقى الشركة شاغرة لأن المهارة اختفت وحدها. الخلل موزع بين التعليم وشروط العمل والجغرافيا.
الراتب يحدد إن كانت الفرصة قابلة للحياة
لا تكفي تسمية الشاغر. الوظيفة التي تستهلك أجرتها في الطريق أو تترك العامل بلا تأمين واستقرار قد تُملأ أياماً ثم تعود فارغة. لذلك يحتاج الباحث إلى معرفة نطاق الراتب وساعات العمل ومكانه وفترة التجربة والتغطية الاجتماعية قبل تقديم طلبه. والشفافية توفر على الشركة أيضاً مقابلات تنتهي عند أول حديث جدي عن المقابل.
يستطيع المنظمون اعتماد حد أدنى من المعلومات لكل فرصة معروضة، من دون فرض أجر موحد على قطاعات مختلفة. وحين تخفي الشركة الراتب، يمكن تسجيل السبب أو عرضه ضمن نطاق. بمرور الوقت ستكشف البيانات إن كان النقص في المبرمجين والمهنيين فعلاً، أم في الوظائف التي توازن بين إنتاجية العامل وكلفة معيشته.
من يصل إلى المعرض ومن يبقى خارجه
الفندق في دمشق قريب من شاب يسكن العاصمة، لكنه بعيد عن باحثة في دير الزور أو شخص ذي إعاقة لا يعرف إن كان المكان مهيأً. كما أن الوصول يحتاج إلى أجرة نقل ووقت واتصال بالمعلومة. إذا أراد الملتقى تمثيل سوق وطني، فعليه أن يفتح باب التقديم الرقمي ويخصص نوافذ للمحافظات لا أن يقيس الطلب بمن استطاع الوصول.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن التعافي يمكن أن يولد فرصاً في النسيج والبناء والخدمات، مع حاجة ملحة إلى تطوير المهارات. هذا يعني أن المعرض يجب ألا يبقى محصوراً في وظائف المكاتب. العامل المهني والفني والعائد من الخارج والمرأة التي انقطعت عن العمل يحتاجون إلى مسارات تقديم وتقييم تناسب خبرتهم، لا نسخة واحدة من السيرة الذاتية.
المقابلة الأولى تحتاج إلى طريق بعدها
ينتهي اليوم الطويل، تُجمع السير في صناديق أو قواعد بيانات، ثم يبدأ الجزء الذي لا تراه الكاميرا. من سيراجع الطلب، ومتى يعرف المرشح مصيره، وهل يستطيع تصحيح بياناته أو طلب حذفها؟ إذا لم توجد آلية موحدة للمتابعة، سيتحول جزء كبير من الحضور إلى انتظار جديد، وقد يتكرر تقديم الشخص نفسه مرات من دون جواب.
يمكن إعطاء كل فرصة رمزاً وكل طلب إيصالاً رقمياً، ثم إرسال نتيجة أولية خلال مدة معلنة. ويجب منع الإعلانات الوهمية والرسوم التي تُطلب من الباحث مقابل التوظيف، مع قناة شكوى واضحة. بهذه الأدوات يصبح الملتقى خدمة وساطة موثوقة، لا مجرد مكان لتبادل أرقام الهواتف وحسابات التواصل.
النجاح يبدأ عند أول راتب
بعد ثلاثين يوماً يمكن نشر عدد المقابلات والعروض المقبولة، وبعد تسعين يوماً عدد العقود التي بدأت فعلاً. وبعد ستة أشهر يظهر المؤشر الأصعب، وهو كم موظفاً بقي في عمله. يجب عرض النتائج بحسب الجنس والعمر والمحافظة ونوع العقد، مع حماية الأسماء. عندها نعرف إن كانت الفرص وصلت إلى من يحتاجها أم دارت داخل الدائرة المعتادة.
ولا يصنع المعرض طلباً اقتصادياً بمفرده. تحتاج الشركات إلى كهرباء وتمويل وأسواق وقواعد مستقرة كي توسع الإنتاج وتدفع أجوراً أفضل. لكن الملتقى يستطيع جعل سوق العمل أقل عتمة، وأن يعيد للشركة والباحث لغة مشتركة. وظيفته الدقيقة هي تحسين المطابقة وكشف الاختناقات، ثم دفع السياسة العامة إلى معالجة ما لا يستطيع جناح توظيف حله.
ختاماً، يحمل رقم عشرين ألف فرصة طاقة أمل يستحقها السوريون، لكنه يحمل مسؤولية تفسيره أيضاً. بين الإعلان والتعيين مقابلة واختبار واتفاق على أجر وعقد، وبين العقد والاستقرار اقتصاد قادر على إبقاء الشركة والعامل معاً. كل مرحلة تسقط منها أسماء، ولهذا لا يجوز مساواة بداية الطريق بنهايته.
إذا نشر ملتقى فرص العمل في دمشق نتائج التوظيف بعد انطفاء أضواء القاعة، فسيمنح السوق شيئاً أندر من الرقم، وهو الثقة. وحين يعرف الشاب لماذا رُفض وأين قُبل وما المهارة التي تنقصه، لا يعود يوم المعرض وعداً عابراً. يصبح باباً يمكن قياس من عبره حتى أول راتب.
اقرأ أيضاً: التضييق الأمني وقلة فرص العمل يدفعان شباب دير الزور للهجرة









