20 ألف إصابة سنوياً.. كيف أصبح السرطان معركة جديدة للسوريين؟

بقلم: ديانا الصالح
في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع الصحي منذ سنوات، يواصل السرطان في سوريا تسجيل أرقام مقلقة تضع القطاع الصحي أمام ضغوطات متزايدة، خاصة أن مرض السرطان يتطلب رعاية متخصصة وعلاج طويل مما يشكل عبئاً متزايداً على المرضى وأسرهم مع تحديات تأمين الأدوية والخدمات العلاجية وتوفير التجهيزات اللازمة للتشخيص والمتابعة.
ومع إعلان وزارة الصحة تسجيل 20 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، يعود ملف السرطان في سوريا إلى الواجهة مجدداً، باعتباره قضية صحية وتحدياً اجتماعياً يلامس حياة آلاف العائلات السورية ويستدعي تكامل الجهود في مختلف المحافظات.
أرقام صادمة تكشف عن حجم المأساة الإنسانية التي يعاني منها المرضى وذووهم، حيث أعلنت وزارة الصحة السورية أن البلاد تسجل ما بين 17 ألفاً و20 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، منها حوالي 1100 حالة بين الأطفال، ويأتي سرطان الدم (اللوكيميا) في مقدمة هذه الحالات، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة حول الأسباب والتداعيات.
تمثل هذه الأرقام رحلة ألم قصص تعيشها عائلات سورية كاملة، تواجه صعوبة في الحصول على العلاج المناسب وسط نقص التجهيزات الطبية والخبرات المتخصصة، وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن وزارة الصحة واعية بهذا الواقع، وتسعى لإيجاد حلول عملية حتى لو كانت جزئية من خلال التعاون مع دول الجوار.
السرطان في سوريا يحصد 20 ألف مصاب
كشف مدير أمراض السرطان في وزارة الصحة الدكتور جميل الدبل أن العدد الإجمالي للإصابات بالسرطان في سويا يتراوح بين 17 ألفًا و20 ألف حالة سنويًا، في حين أن عدد حالات السرطان لدى الأطفال في سوريا يبلغ نحو 1100 حالة سنويًا، وتعود أغلب هذه الإصابات تعود لمرضى سرطان الدم.
وربط الدبل هذا الارتفاع بالأسلحة التي كان قد تم استخدامها في الحرب، فهناك نحو 150 مريضاً يحتاج إلى زراعة نقي العظام سنوياً وهو إجراء معقد ولا يتوفر بشكل كامل داخل المستشفيات السورية بسبب نقص الخبرات المتخصصة، مما يضيف عبئاً جديداً على المرضى ويزيد من ألم الأطفال.
التعاون مع الأردن
خلال زيارة إلى سوريا أجراها وزير الصحة الأردني إبراهيم البارودي برفقة عدد من مسؤولي القطاع الصحي في الأردن ومن ضمنهم مدير مستشفى الملك حسين للأورام، تم بحث إمكانية إرسال عدد من مرضى الأورام من سوريا إلى المستشفى في الأردن لتلقي العلاج.
الإحالات تشمل الحالات التي يتعذر علاجها داخل البلاد شرط ألا تكون نسبة الخلايا الورمية مرتفعة جداً وأن يكون هناك تطابقاً في نقي العظم مع المتبرع “أخ أو أخت أو أحد الوالدين” وقد أُرسل بعض الحالات في بداية عام 2026، كما تم الاتفاق على تدريب الكوادر السورية في مستشفى الملك حسين لنقل الخبرة والاستفادة منها داخل سوريا مستقبلاً.
التكلفة والتمويل هما التحدي الأكبر
على الرغم من أهمية هذا التعاون إلا أنه يواجه تحديات كبيرة، خاصة أن العمليات المرتبطة بزراعة نقي العظم تتراوح ما بين 50 ألفاً و100 ألف دولار فيما قد تصل تكلفة تدريب الكوادر إلى حوالي مليون دولار.
وكشف الدبل أن الوزارة ستعلن عن مشروع لتغطية هذه النفقات كما أنها ستطلب الدعم من المنظمات الدولية والبنك الدولي وجهات أخرى، لكن لا يبدو الحديث مفائلاً خاصة أن هناك محاولات حكومية سابقة للحصول على دعم إلا أنها لم تأتِ بنتائج ملموسة مما يتطلب جهوداً مضاعفة وشراكات حقيقة.
إحصائيات مقلقة
أظهرت دراسة نشرتها مجلة BMC Cancer أواخر عام 2024 الارتفاع الملحوظ في معدلات الإصابة بالسرطان وكذلك الوفيات المرتبطة به خصيصاً بين عامي 2012 و 2022، وقد خلصت الدراسة إلى نتائج مقلقة منها ارتفاع نسبة الوفيات الناتجة عن السرطان بنسبة 31.7% مقارنة بعام 2015، حيث وصلت إلى معدل إجمالي قدره 89.6 وفاة لكل 100 ألف شخص في عام 2022.
أما نسبة الإصابات بالمرض فشهدت أيضاً زيادة بلغت 40% خلال الفترة نفسها وبلغ معدل الإصابات 135.7 حالة لكل 100 ألف شخص في العم 2022، كما أشارتِ الدراسة أيضاً إلى أن تكاليف علاج السرطان في سوريا تتراوح ما بين 100 و1000 دولار شهرياً وهو عبء مالي ثقيل جداً على كاهل المواطن السوري العادي.
نقص الأدوية والتجهيزات
تتشعّب معاناة مرضى السرطان في سويا فمن رحلة التشخيص والعلاج إلى محطة أكثر إيلاماً نفسياً وهي تأمين الأدوية النوعية التي ترافق الخطة العلاجية، وهو أمر لا يخفى على الجهات الحكومية ومنها وزارة الصحة التي أطلقت سابقاً نداء استغاثة إنساني عاجل لتوفير أدوية السرطان وحذّرت من أزمة تهدد حياة آلاف المرضى في مختلف أنحاء البلاد.
فأي تأخير أو انقطاع في الأدوية يؤثر بشكل مباشر في رحلة الشفاء والعلاج، مما يدفع العديد من المرضى للبحث في الأسواق الخاصة بأسعار تفوق قدراتهم المادية، وأعلنت الوزارة مؤخراً عن إجراء مناقصة بقيمة تقارب 70 مليون دولار لتأمين أدوية السرطان ضمن خطة تهدف إلى توفير العلاجات وتخفيف الأعباء عن المرضى.
الأمل يبدأ بخطوات صغيرة
أرقام الإصابة المتزايدة للإصابة بالسرطان تكشف أن مواجهة هذا المرض تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل الوقاية والكشف المبكر وتطوير البنية التحتية العلاجية مع تأمين الأدوية التي تعتبر من حق أي مريض يعيش في دولة تضمن حقوقه.
وعلى الرغم من أن الطريق ما زال في بدايته إلا أن الأرقام المتزايدة للإصابات تفرض تحركاً يتجاوز الحلول المؤقتة والاستجابات الإسعافية، 20 ألف قصة ألم سنوياً ليست مجرد إحصائيات، هي آباء وأمهات وأطفال يصارعون مرضاً شرساً في ظروف اقتصادية وصحية بالغة الصعوبة وهم يحتاجون إلى أمل حقيقي يتحول إلى علاج فعال ورعاية شاملة.
اقرأ أيضاً: أرقام فلكية ونقص أدوية: هل يُترك مرضى السرطان لمصيرهم القاتم في دمشق؟









