2.5 مليار دولار تحت الإدارة.. ماذا حقق الصندوق السيادي بعد عام على تأسيسه؟

بقلم: ديانا الصالح
تخيّل لو أن أصول الدولة الراكدة من أراضٍ وعقارات ومصانع وموارد طبيعية، تحولت بشكل مباشر إلى محركات إنتاجية ضخمة، صندوق سيادي سوري يجمع هذه الثروات الوطنية ويديرها بكفاءة، ويفتح أبواب الاستثمار أمام الشركاء المحليين ويستقطب الدوليين، لإعادة إعمار سوريا بطريقة مستدامة تحفظ حقوق الأجيال القادمة.
اليوم وبعد مرور عام كامل على تأسيس الصندوق السيادي السوري، يعود ذكره إلى واجهة النقاش العام، بسبب إطلاق موقعه الإلكتروني الرسمي، وسط تساؤلات عن الإنجازات التي أُعلن عنها خلال الذكرى الأولى لتأسيسه.
الصندوق السيادي السوري.. عام على التأسيس
أُحدث الصندوق السيادي السوري بوصفه مؤسسة اقتصادية لها شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وترتبط بشكل مباشر برئاسة الجمهورية، ومقرها دمشق، وفقاً للموقع الرسمي للصندوق، فإنه تأسيسه جاء لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة، وهي تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة، تنشيط الاقتصاد عبر استثمارات مدروسة ومتنوعة، الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية، وتحويل الأصول الحكومية غير المستغلة إلى أدوات إنتاجية.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية مع مرور عام على التأسيس، أن الصندوق يحظى بتنسيق مستمر مع الوزارة، موضحاً أن إدارته نجحت في حماية أصول مهمة من الضياع، كما أنها تعمل على تنميتها، وركز على أن هذه الأصول وعوائدها هي ملك للدولة السورية.
ووفقاً لوزير المالية فإن الصندوق لا ينافس القطاع الخاص، أي أنه لا يتمتع بأي إعفاءات ضريبية خاصة، فضلاً عن أنه مرشح لخلق مئات الآلاف من فرص العمل، بالتوازي مع تعزيز النمو الاقتصادي ورفد الخزينة العامة بعوائد مستقبلية.
الحوكمة والشفافية
على الرغم من أن مرسوم الإنشاء وضع إطاراً قانونياً ناظماً لتأسيس الصندوق السيادي السوري، كونه مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً، كما حدد أهدافه المتمثلة بإدارة الأصول العامة وتنفيذ المشاريع الاستثمارية وتحفيز النمو الاقتصادي، إلا أن آليات المتابعة والشفافية ما تزال موضع جدل.
المرسوم ينص على وجود تقارير ربع سنوية وسنوية ترفع إلى الرئاسة، وعلى وجود تدقيق مالي عبر أجهزة مستقلة، وكذلك رقابة آنية، إلا أن كل ذلك محصوراً بمنظومة المساءلة ضمن السلطة التنفيذية، حيث يُعين مجلس الإدارة والمدير العام من خلال مرسومين، ولا يلزم الصندوق بنشر التقارير المالية أو نتائج التدقيق للرأي العام، ولا يوجد آليات واضحة للإعلان عن القرارات الاستثمارية والشراكات.
وبعد عام على التأسيس لم تتوضح هذه التفاصيل، والمعلومات المنشورة تقتصر على الهيكل الإداري المحدود والمممثل برئيس مجلس الإدارة، دون بيانات تفصيلية عن أعضاء المجلس والمدير العام والصلاحيات التنفيذية.
الصندوق السيادي السوري بالأرقام
لا يختلف الأمر حول الأرقام المعلنة عن سابقتها من تفاصيل إدارية وقانونية، فالمعلومات التي نشرت لأول مرة عن الصندوق ما تزال متداولة عنه دون أي توضيح أو تحديث، فالصندوق يضم 11 شركة مركزية وهي تعمل ضمن 36 قطاعاً اقتصادياً، كما أنه يشرف على منظومة توظف أكثر من 40 ألف عامل.
ويدير الصندوق محفظة تضم أكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي، التي تتوزع على 47 موقعاً داخل سوريا، فيما تُقدّر قيمة الأصول المعلنة بنحو 2.5 مليار دولار.
وهذه الأرقام بمجملها تستند إلى تصريحات رسمية، وسط غياب بيانات مالية دقيقة أو تقارير تفصيلية، توضح أداء الصندوق، بالتالي يبقى موضوع الشفافية عالقاً في دائرة الثقة.
المحلل الاقتصادي محمد علبي يرى أن الاختبار الحقيقي للصندوق السيادي لا يكمن في حجم الاستثمارات التي يُعلن عنها، وإنما في مدى امتثاله لمبادئ سانتياغو الـ 24، وهي مبادئ دولية تُعتبر المرجعية الأساسية لحوكمة الصناديق السيادية حول العالم، وهي تركز على الإفصاح والشفافية واستقلالية الإدارة والمساءلة، باعتبارها عوامل رئيسية لبناء ثقة المستثمرين وضمان إدارة الأصول العامة وفق معايير مؤسسية واضحة.
الصناديق الاستثمارية أداة لتحريك الاقتصاد
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي، أن الصناديق الاستثمارية من الممكن أن تشكل إحدى الأدوات الرئيسية والهامة، التي تحرك الاقتصاد السوري كونها مؤسسة قادرة على تجميع المدخرات المحلية والخارجية، وتوجيهها نحو مشاريع تنموية طويلة الأجل.
ويشير قوشجي إلى أن هذه الصناديق من الممكن أن تؤدي دور الجسر بين الموارد المالية المتاحة وبين الفرص الاستثمارية داخل البلاد، وذلك من خلال تحويل المدخرات الصغيرة والمتوسطة إلى مساهمات في مشاريع إنتاجية وتنموية توفر عوائد مستقرة، كما أنها يمكن أن تمنح المواطنين فرصة المشاركة في عملية إعادة البناء، إضافة إلى دعم تطوير البنية التحتية وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
مستقبل الأصول العامة: استثمار أم خصخصة؟
أعاد الصندوق السيادي فتح النقاش حول مستقبل الأصول العام، خاصة بعد الإعلان عن أنه يركز على إدارة الأصول بعقلية استثمارية، هدفها رفع قيمتها السوقية وإعادة هيكلتها ودراسة تحويل المشاريع إلى شركات مساهمة، ثمّ يُنفذ “الانسحاب المنظم” من بعض الاستثمارات بهدف تحقيق عوائد للخزينة العامة.
إلا أن هذا النهج يثير التساؤلات بشأن الحدود التي تفصل بين تطوير الاستثمارات العامة وخصخصتها، خاصة مع غياب التفاصيل المُعلنة، لاسيما أن الصندوق يتولى إدارة أصول تصل قيمتها إلى 50 مليون دولار.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن نجاح الصندوق السيادي السوري يرتبط بقدرته على بناء ثقة عامة، تقوم على مبدأ الشفافية والإفصاح، لا بحجم الأرقام التي يُراد الإعلان عنها أو عدد المشاريع التي يُخطط لها، فالأصول التي يديرها الصندوق وقيمتها الحقيقية وآليات تقييمها، مع طريقة اتخاذ القرارات الاستثمارية، جميعها ملفات تحتاج إلى بيانات واضحة ومنتظمة، يمكن للرأي العام والجهات الرقابية الاطلاع عليها لضمان المساءلة والمحافظة على المال العام.
اقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السوري: هل يتحول من مؤسسة مالية إلى “محرّك سياسي للتعافي”؟









