17 امرأة فقط من كل 100 تشعر بالأمان.. مؤشر عالمي يكشف واقعاً صادماً في سوريا

بقلم: ديانا الصالح
17 امرأة فقط من كل مئة امرأة سورية تشعر بالأمان وهي تمشي وحدها ليلاً، الرقم ذاته كان تجاوز النصف قبل عامين لا أكثر، هذا الانهيار قد يلامس شعوراً بسيطاً لدى كل مواطن سوري إلا أنه شعور جوهري، خاصة أنه لم يأتِ من رأي عابر أو وجهة نظر غير محايدة، فمصدره مؤشر عالمي متخصص وهو مؤشر المرأة والسلام والأمن.
مؤشر المرأة والسلام والأمن وأرقام صادمة
يصدر مؤشر المرأة والسلام والأمن كل عامين عن معهد جورجتاون للمرأة والسلام والأمن في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بالشراكة مع معهد أبحاث السلام في أوسلو “PRIO”، ويُعتبر من أكثر المؤشرات الدولية شمولاً في تقييم أوضاع المرأة تحديداً، حيث يعتمد على مجموعة واسعة من البيانات، التي تصدر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي بالإضافة إلى مؤسسات دولية متخصصة.
إلى جانب قياس المساواة بين الجنسين، يقدّم المؤشر رؤية شبه كلية للعلاقة بين أوضاع المرأة ومستويات السلام والتنمية والاستقرار داخل كل دولة، وذلك من خلال 3 محاور أساسية وهي الإدماج والعدالة والأمن، وتشمل 13 مؤشراً فرعياً وهم: التعليم والعمل والاستقلال المالي والتمثيل السياسي، والوصول إلى القضاء والعنف والقرب من مناطق النزاع.
الإمارات في القمة .. أفغانستان وسوريا في جوار بعضهما
في تقرير هذا العام، حلّت أفغانستان في المرتبة الأخيرة من بين 181 دولة ضمّها المؤشر، حيث سجلت أسوأ أداء في العالم على صعيد أوضاع النساء، فيما تصدّرت الدنمارك القائمة العالمية بوصفها أفضل دولة من حيث أداء السياسات المتعلقة بالمرأة.
سوريا احتلت المراتب الأخيرة في ذيل القائمة، بجوار جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى واليمن، أي ضمن مجموعة الدول العشر الأدنى تصنيفاً عالمياً، وهي المجموعة نفسها التي سُجلت فيها معدلات عنف مرتفعة، حيث تتعرّض امرأة واحدة من كل خمس نساء للعنف على يد شريك حياتها وفقاً للمؤشر.
كيف انهار شعور المرأة السورية بالأمان؟
أظهر مؤشر المرأة والسلام والأمن للعام 2025/2026 تراجعاً حاداً وكبيراً في وضع سوريا على وجه الخصوص، حيث نزلت إلى المرتبة 178 من أصل 181 دولة شملها التقييم، وسجلت سوريا درجة إجمالية قدرها 0.364 على مقياس يبدأ من الصفر وهو أسوأ أداء، ويصل إلى واحد وهو أفضل أداء وفق المعايير المعتمدة.
وكان الانهيار الأبرز في نتائج هذا العام تحديداً هو انهيار معيار الأمان المجتمعي، حيث انخفضت نسبة النساء اللواتي ذكرن بأنهن يشعرن بالأمان، عند المشي بشكل منفرد ليلاً من 54.8% في مؤشر 2023/2024 إلى 17% فقط في الإصدار الحالي، لتأتي سوريا في ذيل القائمة عالمياً من حيث هذا المعيار، فيما ارتفع المعدل العالمي لهذا المعيار من 64.3% إلى 66.3% خلال الفترة ذاتها.
أرقام أخرى تكمل الصورة المظلمة!
علاوة على التراجع وفق معيار الأمان الشخصي، سجلت سوريا أيضاً تراجعاً ضمن مؤشرات أخرى ضمن المؤشر العام، حيث بلغ متوسط تعليم النساء في سوريا 5.1 سنوات فقط، ولم تتجاوز نسبة الشمول المالي للنساء 19.6%، فيما سجل مؤشر الوصول إلى العدالة 0.7 من أصل 4 درجات كحد أقصى.
كما أن هناك 97.1% من النساء السوريات يعشن على مسافة تقل عن 50 كيلومتراً من مناطق النزاع، وهذا ما يضعهنّ في دائرة خطر دائمة، ويعكس واقعاً مركباً يجمع بين الحرمان الاقتصادي والتعليمي من جهة، وضعف الحماية الأمنية من جهة أخرى.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن أعداداً كبيرة من النساء السوريات، ما زلن يعشن في ظروف نزوح أو داخل مناطق تضررت بنيتها التحتية بشكل كبير، بينما تبقى فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل متفاوتة بشكل كبير بين منطقة وأخرى، كما تعاني الكثير من النساء من ضغوط نفسية مرتبطة باستمرار حالة عدم الاستقرار العام، بالتالي تتراكم هذه العوامل فوق بعضها، لتنتج في النهاية معدلات أمان متدنية كالتي رصدها مؤشر المرأة والسلام والأمن.
تقارير حقوقية تؤكد الصورة نفسها
هناك عدة تقارير حقوقية توثّق خلال العام نفسه معطيات ميدانية تدلّ على ذات الاتجاه، الذي يرصده مؤشر جورجتاون، حيث سجّلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها النصفي عن ضحايا القتل غير المشروع، وجود 113 ضحية من النساء والأطفال من أصل 428 ضحية مدنية موثقة خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، أي نحو 26% من الإجمالي.
فيما تشير تقارير وتحقيقات صحفية أخرى إلى وجود حالات خطف لنساء وفتيات سوريات والكثير منهن مفقودات حتى اليوم.
والجدير بالذكر أن سوريا التي سجلت أدنى نسبة عالمياً في مؤشر شعور النساء بالأمان، عند السير بمفردهن ليلاً داخل مجتمعاتهن المحلية، كانت على مؤشر واحد مع سنغافورة، التي حققت أعلى مستوى للأمان في هذا المؤشر، هذا الفارق يطرح تساؤلاً يبرز تحدياً هو الأكبر للجهات المعنية: هل فعلاً سوريا ستتعافى وتصبح سنغافورة الشرق الأوسط، وتتخطى عقدة ذيل القائمة؟
في النهاية، يكشف مؤشر المرأة والسلام والأمن بمعاييره المتعددة ما يصعب قوله بشكل واضح ومباشر، فحين تنخفض نسبة النساء اللواتي يشعرن بالأمان في الشارع ليلاً، وحين تتكرر سوريا للسنة تلو الأخرى ضمن قائمة أسوأ خمس أو عشر دول -في أحسن الأحوال- عالمياً في هذا المعيار تحديداً، فإن الأمر يتعدى كونه إحصاء ورقم عابر، فهو مؤشر على واقع لا يزال بعيداً عن التعافي الحقيقي، على الرغم من كل ما مرت به البلاد من تحولات وتطورات مُعلنة.
اقرأ أيضاً: الديمقراطية وحقوق النساء: كيف تتحوّل شعارات الحرية إلى مفاتيح هيمنة على سوريا؟









