15 عاماً من الغلاء .. كيف دخل الاقتصاد السوري دوامة التضخم التي لم تنتهِ؟

بقلم: ديانا الصالح
مرَّ الاقتصاد السوري بعدة مطبات، حيث فقدت الليرة السورية أكثر من نصف قيمتها، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية مراراً خلال أقل من عقد ونصف، وفي دراسة رسمية جديدة كشفت واقع التضخم في سوريا، في محاولة للإجابة عن سؤال يشغل كل أسرة سورية وهو كيف وصلنا إلى هنا بالضبط؟
واقع التضخم في سوريا
أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء السورية دراسةً جديدةً، حملت عنوان واقع التضخم في سوريا خلال الفترة 2010-2025، وقدمت الهيئة من خلال الدراسة قراءةً شاملة لواقع التضخم في سوريا، على مدى خمسة عشر عاماً كاملة.
واعتمدت الدراسة في تحليلها على مسح مدخول ونفقات الأسرة لعامي 2008 و2009، واعتبار عام 2010 سنة أساسية للمقارنة، كما عمدت إلى تحليل ربعي هدفه رصد الصدمات الاقتصادية قصيرة الأجل، وخلصت إلى أن الارتفاع المتتالي في الأسعار كان نتيجة عوامل نقدية، إلى جانب تداخل مجموعة واسعة من المتغيرات الاقتصادية، من أبرزها انهيار سعر صرف الليرة، وتراجع الإنتاج المحلي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إلى جانب سياسات التمويل بالعجز وتغيرات الدعم والأجور والصدمات الإقليمية والدولية.
كما توصلت الدراسة إلى أن العلاقة بين سعر صرف الليرة والرقم القياسي العام للأسعار، كانت العامل الأكثر ثباتاً وتأثيراً طوال فترة الدراسة بأكملها.
سبع مراحل لمسار واحد من الانهيار
قسّمت الدراسة تطور التضخم في سوريا إلى سبع مراحل متتالية، وهي تضخم طبيعي قبل العام 2011، ثم صدمة الاقتصاد وبداية الأحداث بين عامي 2012 و2013، تلاها انهيار في الهيكل للاقتصاد بين عامي 2014 و2016.
أما مرحلة الاستقرار النسبي فكانت بين عامي 2017 و2019، ثم كان التضخم المعيشي المركّب بين عامي 2020 و2021، تلاها تضخم تكاليف المعيشة والطاقة بين 2022 و2024، وصولاً إلى مرحلة “التضخم المضطرب” خلال عام 2025، مع وضع قراءة أولية لاتجاهات عام 2026.
استقرار انتهى في لحظة
وصفت الدراسة التضخم الذي بدأ في عام 2011، بأنه انتقال تدريجي من حالة الاستقرار النسبي إلى حالة اضطراب ناشئة، لاسيما أن فقدان السلع لم يكن قد بلغ ذروته، لكن آثار سعر الصرف بدأت تنعكس على السوق وخاصة المواد الغذائية.
كما ارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 105.043 نقطة في الربع الأول من العام إلى 111.063 نقطة في الربع الأخير منه، حيث بلغت الزيادة التراكمية 5.73% فقط، أما الدولار فارتفع سعر الصرف من 46.9 إلى 51.36 ليرة خلال العام نفسه.
مرحلة صدمة الاقتصاد
انتقل الاقتصاد السوري خلال عامي 2012 – 2013 إلى مرحلة صدمة مركّبة، سببها انهيار سعر الصرف وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل، فضلاً عن تراجع إنتاج النفط والاعتماد بشكل أكبر على الاستيراد.
وخلال هذه الفترة قفز الرقم القياسي العام للأسعار من 129.27 نقطة إلى 327.67 نقطة، أي بزيادة تجاوزت 153% خلال عامين فقط، وذلك بشكل متوازٍ مع ارتفاع سعر صرف الدولار من 58.39 إلى 139.32 ليرة.
وأشارت الدراسة إلى أن التضخم في هذه الفترة، كان مزيجاً من تضخم مستورد عبر سعر الصرف، وتضخم في العرض سببه نقص السلع وتضخم في التكاليف سببه ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، فيما كان الغذاء هو القناة الأكثر حساسية.
الانهيار الهيكلي للاقتصاد والاستقرار غير الآمن
انتقل الاقتصاد السوري خلال عامي 2014 – 2016 من مرحلة التضخم المرتبط بصدمة أولية في العرض إلى مرحلة “تضخم اقتصاد الحروب”، حيث تراجعت القدرات الإنتاجية واتسعت الفجوة بين العرض والطلب، مع استمرار انهيار سعر الليرة.
أما عامي 2017 و2019، فرأت الدراسة أن الاقتصاد شهد تحسناً محدوداً في النشاط، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس على انخفاض فعلي بالأسعار، فقد بقي أثره محدوداً عند عدم ارتفاع الأسعار أكثر، حيث بقيت الأسعار مرتفعة لكل الأسباب السابقة والتي لم تتم معالجتها.
أما الفترة بين عامي 2020 و2021، فيمكن اعتبارها واحدة من أكثر المراحل تضخماً في السلسلة الزمنية بأكملها، وذلك نتيجة تداخل عوامل عدة منها جائحة كورونا، وتزايد صعوبات الاستيراد والتحويلات المالية مع استمرار تراجع قيمة الليرة، كما شهدت هذه الفترة اتساع نطاق التضخم ليضم الصحة والتعليم والاتصالات والمطاعم.
وبعد ذلك انتقل التضخم بين عامي 2022 و2024 إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث تزامنت الضغوط الداخلية مع ارتفاع عالمي في أسعار الغذاء والطاقة، وارتفعت أسعار المحروقات والخدمات والنقل، لترتفع معها أسعار السلع الأساسية، أي أن حالة التضخم استمرت بالارتفاع بشكل بطيء.
أمل قصير ثم تضخم مضطرب
أشارت الدراسة إلى أن انخفاض الأسعار خلال النصف الأول من عام 2025، ارتبط بتحسن الوصول إلى الأسواق وتراجع بعض الاختناقات في سلاسل التوريد، بالإضافة إلى تحسن في سعر الصرف خلال جزء من السنة.
إلا أن الربع الأخير شهد عودةً واضحةً لارتفاع الأسعار، وهذا يعني أنه كان عام تصحيح سعري قوي، ولكن تلاه ارتداد جزئي في نهايته.
وعلى الرغم من الأخبار المتعلقة بتخفيف بعض القيود والعقوبات على سوريا خلال العام نفسه، وزيادة الرواتب والمعاشات في منتصف عام 2025، إلا أن الاستنتاجات النهائية بقيت محكومة بما تتحدث عنه بيانات الأرباع الأربعة نفسها، بعيداً عن التوقعات المتفائلة المصاحبة لتلك القرارات.
2026.. عملة جديدة لم تكسر النمط القديم
توقعت الدراسة استمرار الضغوط التضخمية خلال العام الحالي، مع الإشارة إلى أن الحرب الإقليمية التي تشهدها المنطقة، أدت إلى ارتفاع سريع في أسعار بعض السلع بنحو 30% خلال فترة زمنية قصيرة.
كما ازداد الطلب على الدولار وتراجعت التحويلات المالية، وهذا ما أثر بسعر صرف الليرة، الذي ارتفع من 11.450 ليرة للدولار في الربع الأول من العام إلى 13.200 ليرة.
بينما تغيير العملة مع بداية عام 2026 لم يكن له أثر إيجابي على التضخم كما كان مأمولاً، فارتفاع سعر الصرف أدى إلى زيادة أسعار الطاقة والمحروقات، لتنتقل آثار هذا الارتفاع إلى مختلف السلع والخدمات، وهو ما انتهى بامتصاص الزيادة في الرواتب بشكل شبه كلي.
اقتصاد أنهكته سنوات طويلة
وفقاً لتقارير اقتصادية فإن الناتج المحلي الإجمالي، انكمش بنسبة قاربت 85% منذ بداية الحرب، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات تجاوزت 90%، فيما بلغت معدلات البطالة نحو 13.5% في عام 2023، في وقت لا تزال فيه البلاد تعتمد على مساعدات خارجية وتمويل من حلفاء إقليميين كقطر وتركيا لسد جزء من الفجوة.
أما أحدث نشرات المركز السوري لبحوث السياسات، ومن خلال مسح شهري يغطي مختلف المحافظات ومناطق السيطرة، فقد تبين أن الضغوط التضخمية تتفاوت جغرافياً وفقاً لهشاشة كل منطقة، فقد بلغ معدل التضخم السنوي 27.5 بالمئة، وارتفع الرقم القياسي العام من 918 نقطة في آذار 2026 إلى 950 نقطة في نيسان 2026، مسجلاً تضخماً شهرياً بنسبة 3.5 بالمئة وفق سنة أساس 2021.
وعلى المستوى المعيشي، وصل خط الفقر المدقع للأسرة إلى 3.34 مليون ليرة سورية شهرياً، وخط الفقر الأدنى إلى 5.26 مليون ليرة، ليرتفع خط الفقر الأعلى إلى 7.26 مليون ليرة وذلك لشهر نيسان 2026.
الرقم القياسي الذي لم يتجاوز 111 نقطة قبل عام 2011، والمسار الطويل من التضخم، يرويان قصة اقتصاد لم يُمنح يوماً فرصةً كافيةً حتى يلتقط أنفاسه، فكل مرحلة تبدأ بأمل جزئي وتنتهي بصدمة جديدة، تعيد ضبط سقف الأسعار عند مستويات أعلى ولا تعيده أبداً إلى ما كان عليه.
وحتى اليوم، لم يخرج الاقتصاد السوري عن النمط المتكرر، ضمن حلقة تبدأ بقرار إصلاحي يصطدم بواقع سعر الصرف وينتهي بامتصاص المكاسب، فالحديث عن استقرار الاقتصاد سيبقى مشروطاً بمعالجة الجذور التي سببت كل موجات التضخم السابقة.
اقرأ أيضاً: زيادات الرواتب وأثرها على الاقتصاد السوري والتضخم.. أين المشكلة وأين الحل؟!









