سياسة

127 حريقاً و30 إصابة خلال يوم واحد: هل تملك أجهزة الطوارئ السورية قدرة الاستجابة لموجات الحر؟

الكاتب: أحمد علي

تعامل الدفاع المدني السوري في 10 آب مع 127 حريقاً في مناطق مختلفة من البلاد وأخمدها من دون تسجيل إصابات بين المدنيين. أما رقم الثلاثين إصابة الوارد في الخبر نفسه فكان نتيجة 23 حادث سير، وليس نتيجة الحرائق. هذا الفصل ضروري قبل استخدام الأرقام لتقييم الجاهزية، لأن يوم العمل جمع نوعين مختلفين من الطوارئ وأظهر قدرة الفرق على الاستجابة المتزامنة، لكنه لا يعني أن 127 حريقاً خلفت عشرات المصابين.

جاءت هذه الكثافة قبل دخول كتلة هوائية حارة حذرت منها وزارة الطوارئ ابتداء من 11 آب. توقعت الوزارة درجات أعلى من المعدل بنحو درجتين إلى أربع درجات حتى الخميس، وقالت في الوقت نفسه إن القيم المتوقعة لا تصل إلى تصنيف «موجة حر صريحة». لذلك يدور الاختبار الحالي حول فترات الحر الشديد وارتفاع قابلية الاشتعال، لا حول موجة حر استثنائية وفق التعريف الذي استخدمته الوزارة. الأهم أن هذا الاختبار يصل إلى جهاز طوارئ يعترف رسمياً بأنه يعمل بجزء من احتياجاته البشرية والمادية.

قدرة الطوارئ السورية بين الحوادث والنقص

قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح في 29 حزيران إن الوزارة تعمل بما يعادل 20% من حاجتها إلى الكوادر، وبنحو 40% من احتياجاتها الأساسية من الآليات والمعدات. استلمت الوزارة 670 آلية من مؤسسات السلطة السابقة، كانت 200 منها فقط قابلة للعمل وعمرها يزيد على عشرين عاماً، فيما احتاجت 470 آلية إلى إصلاحات كبيرة. بعد دمج «الخوذ البيضاء» في الوزارة انتقلت 1020 آلية إلى الملاك الجديد ونشرت في المحافظات، فارتفع عدد مراكز الدفاع المدني من 47 إلى 112 مركزاً.

هذه الأرقام تفسر كيف تستطيع الفرق التعامل مع عدد يومي كبير من البلاغات رغم نقص الموارد. التوسع الجغرافي ودمج شبكتي الدفاع المدني زادا عدد النقاط التي يمكن أن تبدأ منها الاستجابة، كما تسمح المؤازرة بين المحافظات بنقل آليات وأفراد عند ارتفاع الخطر في منطقة محددة. لكن الانتشار لا يعوض كل النقص. سيارة الإطفاء القديمة تحتاج إلى قطع غيار ووقود وصيانة، والفريق الذي يعمل لساعات طويلة يحتاج إلى بديل مدرب إذا استمر الحريق أياماً.

حتى نهاية حزيران كانت الوزارة قد سجلت 10400 حريق خلال 2026، بعدما قالت إنها تعاملت مع نحو 14 ألف حريق طوال 2025. المقارنة المنشورة رسمياً تحتاج إلى الحذر لأن الفترتين ليستا متساويتين زمنياً، لكن العدد يكشف حجم الضغط التشغيلي. الجهاز نفسه يتعامل أيضاً مع حوادث السير وإزالة مخلفات الحرب وعمليات الإنقاذ والإسعاف، ولذلك لا يمكن تقييم قدرته من عدد سيارات الإطفاء وحده.

يوم 10 آب يعطي نتيجة إيجابية محددة. إخماد 127 حريقاً من دون إصابات مدنية يعني أن الفرق نجحت في السيطرة على تلك الحوادث بحسب البيان الرسمي. لكنه لا يوضح مساحة كل حريق ولا زمن الوصول ولا عدد الآليات التي استخدمت ولا نسبة البلاغات المتزامنة. مئة حريق صغير موزع على مدن مختلفة يفرض حملاً مختلفاً عن حريقين واسعين في غابة أو سلسلة جبلية، ولهذا لا يصلح العدد المجرد مقياساً نهائياً للقدرة.

الحصاد قدم اختباراً أكبر

موسم الحصاد يوفر بيانات أدق عن التخطيط المسبق. بين 15 أيار و5 تموز استجابت الوزارة لـ5095 حريقاً مرتبطاً بالحصاد، منها 2226 داخل الحقول و2869 في الأعشاب والمناطق النباتية المحيطة. بلغت المساحات المتضررة نحو 939 هكتاراً. وللتعامل مع الموسم أنشأت الوزارة 115 نقطة انتشار متقدمة قرب المناطق الزراعية، إلى جانب المراكز العادية، وجهزت أكثر من 460 آلية إطفاء ودعم لوجستي.

أضيف إلى ذلك 690 عاملاً موسمياً و920 سائق جرار، ورفعت ساعات العمل 50% خلال ذروة الموسم، مع مؤازرات بين المحافظات. هذه الإجراءات مهمة لأنها تنقل إدارة الحريق من انتظار البلاغ إلى وضع الموارد مسبقاً قرب نقاط الخطر. في حرائق المحاصيل، الدقائق الأولى قد تحدد ما إذا كانت النار ستبقى في جزء من حقل أو تنتقل مع الرياح إلى مساحة كبيرة.

الوزارة قارنت موسم 2026 بعام 2019، الذي وصفته بالأقرب من حيث غزارة الأمطار، وقالت إن المساحات المتضررة انخفضت من نحو 85 ألف هكتار إلى 939 هكتاراً، أي قرابة 98.9%. النتيجة كبيرة جداً، ولذلك ينبغي نسبها إلى الوزارة وعدم تحويلها إلى حكم مستقل قبل معرفة طريقة احتساب المساحات وتطابق فترات الرصد والتغطية بين العامين. مع ذلك، تقدم الخطة نفسها دليلاً عملياً على أن الانتشار الاستباقي والعمالة الموسمية جزء من الحل.

ما كشفه الموسم أيضاً هو أن الاستجابة لا تبدأ في غرفة العمليات. الطرق الزراعية الضعيفة تؤخر وصول الآلية، وبعد مصادر المياه يفرض وقتاً إضافياً للتعبئة، والاتصالات الضعيفة تعرقل التنسيق. وتحدثت تقارير الوزارة عن نقص في الآليات المتخصصة والكوادر، وعن صعوبة بعض التضاريس ومخلفات الحرب. هذه القيود تصبح أشد خطراً عندما يرتفع عدد الحرائق المتزامنة بسبب الحرارة والرياح والأعشاب اليابسة.

الحرارة تكشف استدامة الجاهزية

الكتلة الحارة في منتصف آب لا تصل، وفق تقدير الوزارة، إلى موجة حر صريحة، لكنها ترفع مستوى المخاطر. ارتفاع الحرارة يجفف الغطاء النباتي ويزيد حساسية الأعشاب للاشتعال، بينما يمكن لأخطاء بشرية بسيطة مثل حرق الأعشاب أو رمي عقب سيجارة أو خلل كهربائي أن تبدأ حادثاً. لذلك ربطت دائرة الإنذار المبكر تحذيرها الصحي مباشرة بتعليمات منع إشعال النار ومراجعة التوصيلات الكهربائية ومنظومات الطاقة الشمسية.

قدرة الطوارئ في مثل هذه الأيام لا تقاس بمرحلة الإطفاء فقط. الإنذار المبكر الجيد يخفض عدد البلاغات قبل حدوثها، وخريطة المخاطر تحدد أين توضع الصهاريج والآليات، وتنسيق الكهرباء والزراعة والبلديات يقلل مصادر الاشتعال. كما تحتاج الاستجابة الصحية إلى مسار موازٍ للحريق، لأن الحر الشديد يضغط على كبار السن والعمال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة حتى إذا لم يندلع أي حريق.

الوضع الحالي يجمع تقدماً مؤسسياً واضحاً وهشاشة تشغيلية واضحة أيضاً. توسع المراكز، ودمج الموارد، والانتشار الموسمي، وإنهاء 127 حريقاً في يوم بلا إصابات مدنية كلها مؤشرات على أن جهاز الاستجابة يعمل ويستطيع امتصاص ضغط كبير. وفي المقابل، تصريح الوزارة بأنها لا تملك سوى خمس حاجتها من الكوادر وأقل من نصف حاجتها من المعدات يضع سقفاً لما يمكن طلبه منها عند أزمة واسعة طويلة.

الاختبار الأصعب سيأتي عندما تتزامن حرائق كبيرة في أكثر من محافظة لعدة أيام، أو عندما يجتمع الحريق مع موجة حر فعلية وحوادث صحية وانقطاعات كهربائية. عندها تصبح القدرة الاحتياطية أهم من عدد البلاغات التي أُغلقت في يوم عادي. تحتاج سوريا إلى تجديد أسطول الإطفاء، وتأمين قطع الغيار والاتصالات ومصادر المياه، وتدريب فرق جديدة من دون خفض معايير التأهيل، مع إبقاء الانتشار الاستباقي الذي أثبت فائدته في الحصاد.

الأرقام الحالية لا تقول إن أجهزة الطوارئ عاجزة، ولا توفر أساساً للقول إنها مكتملة القدرة. ما يظهر هو جهاز أعيد توسيعه بسرعة ويحقق نتائج ميدانية رغم نقص حاد، ويعوض جزءاً من هذا النقص بالتخطيط والموسمية والمؤازرة. استمرار ذلك خلال سنوات الحرارة والحرائق يحتاج إلى تحويل إجراءات الموسم إلى بنية دائمة، لأن الاعتماد على الاستنفار الطويل ليس بديلاً من أسطول حديث وكادر كافٍ.

اقرأ أيضاً: الحرائق الموسمية في سوريا: الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستباقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى