سياسة

12500 متقدم لنحو خمسة آلاف وظيفة: ماذا تكشف مسابقة التعليم الشرعي عن سوق العمل؟

الكاتب: أحمد علي

تقدّم نحو 12 ألفاً و500 شخص إلى مسابقة أُجريت يوم السبت 18 تموز 2026، بحثاً عن فرصة بين نحو خمسة آلاف شاغر لتدريس المواد الشرعية والعلمية. نظمت وزارة الأوقاف المسابقة بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية في مراكز غطت معظم المحافظات، وبدأت الإجراءات بفحص بيانات المشاركين عند الأبواب، ثم توزعوا على فترتين امتحانيتين بحسب الاختصاص.

يعادل العدد المعلن في المتوسط 2.5 متقدم لكل وظيفة، وقد تصل نسبة القبول النظرية إلى 40 في المئة إذا استوفى جميع المتقدمين الشروط ومُلئت الشواغر كلها. هذا المتوسط لا يصف المنافسة الفعلية في كل محافظة، لأن المتقدمين موزعون بين اختصاصات ومناطق مختلفة، كما أن النجاح في الاختبار الكتابي لا يعني التعاقد مباشرة. لكن مع ذلك، يكشف الإقبال عن وجود عدد كبير من الخريجين المستعدين لدخول مسابقة عامة من أجل عمل منظم، في سوق ما زالت الوظيفة المستقرة فيه محدودة.

مسابقة التعليم الشرعي بالأرقام

تستهدف المسابقة مدرسين ومدرسات من الفئة الأولى، وخُصصت الفترة الامتحانية الأولى للشريعة واللغة العربية، ثم تقدّم أصحاب بقية الاختصاصات العلمية والإنسانية في الفترة الثانية. وقال المشرف على المسابقة حمزة الياسين إن عدد الشواغر حُدد بعد دراسة احتياجات المؤسسات التعليمية الشرعية في المحافظات، فيما أعلنت الوزارة أن الأوراق ستصحح إلكترونياً وأن النتائج ستنشر عبر معرفاتها الرسمية.

تكشف الأرقام المحلية جزءاً من صورة التوزيع. شارك في حلب 2,449 شخصاً، وأفادت مديرية الأوقاف هناك بأن المقبولين بعد الاختبارين الكتابي والشفهي سيوزعون على نحو 85 ثانوية شرعية في المدينة وريفها. سجلت الرقة 125 متقدماً في مسابقة عادت بعد توقف دام 14 عاماً، وتحدث مسؤول التعليم الشرعي في المحافظة عن مدارس مزمع افتتاحها. بين الحالتين، بلغ العدد ألف متقدم في حماة و680 في إدلب، بينما استقبل مركز دير الزور 504 متقدمين من دير الزور والحسكة.

لا تنشر هذه الأعداد معها خريطة الشواغر في كل محافظة أو عدد المقاعد المخصص لكل اختصاص. لذلك قد تكون المنافسة أشد في مادة أو مدينة، وقد تبقى حاجة قائمة في منطقة أخرى رغم وجود فائض على المستوى الوطني. كما لا يوضح الإعلان عدد الذين سُمح لهم بدخول الامتحان بعد تدقيق الطلبات، وعدد من حضروا فعلياً، وهو فرق يؤثر في حساب نسبة القبول.

ينسجم حجم الشواغر مع توسع أو إعادة بناء في شبكة التعليم الشرعي. وجود 85 ثانوية في حلب، والحديث عن افتتاح مدارس في الرقة، يربطان التوظيف بخطة مؤسسية تحتاج إلى مبان وتجهيزات ومناهج وإشراف تربوي، إضافة إلى المدرسين الذين ستختارهم المسابقة.

سبب الإقبال

تفسر أوضاع سوق العمل جانباً من كثافة المشاركة، فقد وصف تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، صدر في تموز 2026، السوق السورية بأنها شديدة الهشاشة. واستند التقرير إلى دراسة شملت 7,120 مقابلة أسرية في المحافظات الأربع عشرة خلال الربع الأول من العام، ووجدت أن نحو 30 في المئة من المستجيبين في سن العمل كانوا بلا عمل، وأن حصة من وصلوا إلى وظيفة نظامية تراوحت بين 6 و7 في المئة. تخص هذه النتائج عينة ضمت عائدين من اللجوء والنزوح وأفراداً من المجتمعات المضيفة، ولذلك لا تمثل معدلاً وطنياً نهائياً للبطالة.

وأظهرت دراسة أخرى أوردها التقرير أن أكثر من 80 في المئة من المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر المشمولة في قطاعات الزراعة والبناء والنسيج تعمل من دون تسجيل أو ترتيبات عمل رسمية. تعني هذه البيئة أن كثيراً من العاملين يحصلون على دخل متقطع، من دون عقد واضح أو حماية تأمينية مستقرة. تصبح مسابقة حكومية واسعة أكثر جذباً في مثل هذه الظروف، حتى قبل معرفة قيمة الراتب، لأنها تفتح مساراً إلى عقد معروف الجهة ومكان عمل محدد.

تدعم الأمم المتحدة هذا التفسير بحذر، فقد وصفت سوق العمل خلال 2025 بأنها مضطربة، وأشارت إلى اتساع الاقتصاد غير المنظم وضعف القطاع الخاص وارتفاع الاعتماد على التشغيل العام، كما ذكرت أن مسحاً وطنياً جديداً للقوة العاملة ما زال قيد التخطيط. ويقر البنك الدولي بأن البيانات الرسمية المتاحة محدودة ومتفاوتة الموثوقية. لهذا لا يصلح عدد المشاركين في مسابقة التعليم الشرعي بديلاً عن إحصاء البطالة، فهو يقيس طلب مجموعة مؤهلة على نوع محدد من الوظائف، ولا يشمل من لا يملكون الشهادة المطلوبة أو لم يتمكنوا من التقدم أو اختاروا البحث عن عمل خارج القطاع العام.

يبقى الاستنتاج الأقرب أن الوظيفة النظامية تحتفظ بجاذبيتها رغم تراجع القيمة الحقيقية للأجور العامة خلال سنوات الأزمة. وقد ربط مسؤول في وزارة الأوقاف بين التعاقد والاستقرار الوظيفي للمدرس، لكن الخبر الرسمي لم يذكر سلم الأجور أو المزايا أو مدة العقد. لذلك لا يمكن معرفة مقدار ما يعود من الإقبال إلى الدخل المتوقع، وما يرتبط بالحاجة إلى عقد ثابت أو قلة البدائل في سوق العمل المحلي.

شروط التعاقد والتمويل

يتوقف الأثر الاقتصادي للمسابقة على التفاصيل التي ستأتي بعد التصحيح. الإعلان لم يحدد قيمة الراتب، وطبيعة التأمينات، ومدة التعاقد، وموعد المباشرة، وآلية النقل بين المناطق. تؤثر هذه الشروط في قدرة المدرس على الاستمرار، خصوصاً إذا كان مكان العمل بعيداً عن محل إقامته أو كان الأجر يفرض عليه البحث عن عمل إضافي.

يتطلب تشغيل خمسة آلاف مدرس مخصصات تتكرر طوال مدة العقود. وتشمل الكلفة الرواتب والتأمينات والتدريب والإشراف، إلى جانب تشغيل المدارس التي سيعمل فيها المقبولون. غياب رقم واضح للكلفة ومصدر تمويلها يمنع تقدير استدامة التوسع، كما يمنع مقارنة ما خُصص للتوظيف بما تحتاج إليه الأبنية والوسائل التعليمية.

تظهر المسابقة داخل قطاع تعليمي أوسع يواجه ضغوطاً كبيرة، وقالت اليونيسف في أيلول 2025 إن أكثر من 2.4 مليون طفل في سوريا كانوا خارج المدرسة، وإن مدرسة من كل ثلاث مدارس بقيت غير قابلة للاستخدام بسبب الضرر أو الدمار أو تحويلها إلى مأوى. وظائف الأوقاف تخص الثانويات الشرعية ولا تعالج وحدها النقص في التعليم العام، لكنها تطرح حاجة عملية إلى تنسيق توزيع الموارد والكوادر بين وزارتي الأوقاف والتربية، وهو تعاون قالت وزارة الأوقاف إنه قائم في هذا الملف.

تتيح المسابقة للمقبولين دخول عمل منظم، وتستفيد المدارس من كوادر جرى اختبارها، بينما سيبقى نحو 7,500 متقدم خارج الشواغر إذا اكتمل التعاقد مع خمسة آلاف شخص. وقد يكون العدد الفعلي للمستبعدين أكبر أو أصغر بسبب التقريب في الأرقام، أو عدم اجتياز المقابلات، أو تعذر ملء بعض الاختصاصات في مناطق بعينها.

تبدأ الشفافية المعلنة بالتصحيح الإلكتروني، ثم تحتاج إلى نشر درجات الاختبار الكتابي والشفهي، وتوزيع الشواغر بحسب المحافظة والاختصاص، وفتح مسار واضح للاعتراض. أما تقييم أثر المسابقة في سوق العمل فيحتاج بعد ذلك إلى أرقام المباشرين فعلياً، وشروط عقودهم، ونسبة من استمروا في المدارس بعد عام دراسي كامل.

تكشف مسابقة التعليم الشرعي أن الطلب على العمل النظامي أكبر من قدرة هذه القناة على الاستيعاب، حتى مع طرح دفعة كبيرة تقارب خمسة آلاف وظيفة. وتوضح كذلك أن التوسع في التوظيف الحكومي يجري بينما ما زال القطاع الخاص ضعيفاً والعمل غير المنظم واسعاً. يُقاس التنفيذ بعدد العقود الممولة، وتوزيع المدرسين حيث توجد الحاجة، ونشر نتائج تسمح للمتقدمين والجمهور بفهم كيفية الاختيار. ويحتاج قياس الأثر بعد ذلك إلى متابعة المباشرة والاستمرار في العمل، لأن أعداد المتقدمين تصف حجم الطلب ولا تثبت جودة الوظائف التي ستنتج عنه.

اقرأ أيضاً: استبدال العملة القديمة السورية .. نجاح نسبي أم فشل في التوزيع

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى