12.3 مليون دولار.. تدقيق لازم لعقد الشركة السورية للبترول

الكاتب: أحمد علي
ليست كل العقود العامة متشابهة، وبعضها يفرض أسئلته من اللحظة الأولى. والعقد المتداول مؤخراً واحد منها، فهو عقد نفطي بقيمة 12.3 مليون دولار، أُبرم بالتراضي، مع دفعة مقدمة كبيرة، ومع شركة حديثة التأسيس، وفي مشروع لا يتعلق بخدمة هامشية بل بملف بيئي وتقني حساس في حقول دير الزور.
المشكلة هنا ليست في وجود مشروع لمعالجة المياه المرافقة للنفط بحد ذاته. على العكس، المشروع كما قدمته المصادر الرسمية يمس جانباً شديد الأهمية، لأن المياه المنتجة في الحقول ليست تفصيلاً يمكن تركه في الأحواض أو التعامل معه كملف ثانوي. لكن السؤال يبدأ من مكان آخر: من طريقة التعاقد، من شروط السلفة، من طبيعة الفصل أو عدم الفصل بين الدراسة والتنفيذ، ومن نوع الخبرة التي يفترض طلبها من أي شركة تدخل إلى مشروع من هذا المستوى.
ما نشرته وسائل إعلام – مقربة جداً من السلطة – فتح الباب على هذه الأسئلة عبر وثائق قيل إنها رسمية، وما نشرته سانا قدّم صورة مختلفة تركز على الغاية البيئية والفنية للمشروع. وبين الروايتين، لا يبدو المطلوب إصدار حكم متسرع، بل إعادة ترتيب الوقائع، ثم وضعها إلى جانب ما تقوله قواعد التعاقد العامة، وما تعتبره الممارسات الدولية المعتادة أمراً بديهياً حين يتعلق الأمر بسلفة كبيرة، أو بمشروع حساس، أو بمتعهد ليست له سوابق معلنة واسعة في هذا النوع من الأعمال.
عقد الشركة السورية للبترول بالتراضي
بحسب الملخص المنشور المنسوب إلى وثائق العقد، تعاقدت الشركة السورية للبترول مع شركة تعزيز الخدمات البترولية، المعروفة اختصاراً بـ PPS، لتنفيذ مشروع يخص إدارة المياه المرافقة للنفط بين حقلي التيم والعزبة. قيمة العقد 12.3 مليون دولار، مع دفعة مقدمة تعادل 50% من القيمة، أي نحو 6.1 ملايين دولار.
المعطيات المنشورة عن الشركة تضيف عنصراً آخر إلى النقاش. الشركة سُجلت رسمياً في 11 تشرين الثاني 2024، ومقرها في ريف دمشق، ويمثلها المدير العام إياد محمد خير الأغبر. هذا لا يعني تلقائياً أنها غير قادرة على التنفيذ، لأن الشركات قد تعتمد على كوادر وشركاء من خارج سجلها الزمني القصير، لكن حداثة التأسيس تجعل ملف التأهيل الفني والمالي أكثر أهمية، لا أقل.
في المقابل، ذكرت سانا في الأول من آذار 2026 أن الشركة السورية للبترول بدأت تنفيذ مشروع بيئي لمعالجة المياه المرافقة للنفط في عدة حقول، بينها التيم والعزبة والمزرعة، على أن تعالج هذه المياه ثم يعاد حقنها في الآبار لتعزيز الضغط الطبقي وزيادة كفاءة الإنتاج، مع تقليل احتمالات التلوث. الخبر الرسمي لم يدخل في تفاصيل المتعهد أو السلفة أو الضمانات، لكنه أكد أن المشروع يتعلق بمشكلة بيئية وتشغيلية فعلية.
لماذا يبدأ السؤال من هنا
التعاقد بالتراضي ليس ممنوعاً في ذاته. قانون العقود السوري رقم 51 لعام 2004 يجيزه في حالات محددة، منها حالات الانحصار أو الأسباب الفنية أو المالية أو العسكرية، أو الأعمال والدراسات التي تتطلب أسلوباً خاصاً، أو الحالات الطارئة التي تستدعي سرعة مبررة. لهذا لا يكفي أن يقال إن العقد أُبرم بالتراضي كي يحسم النقاش.
لكن إجازة الطريق شيء، وتبرير استخدامها شيء آخر. في مثل هذه الحالات، يصبح السؤال الأساسي هو ما الملف الذي استندت إليه الجهة العامة لتقول إن هذا المشروع تحديداً لا يحتمل منافسة أوسع أو عرض أسعار أو تأهيلاً مقارناً بين أكثر من متقدم. وإذا كانت هناك ضرورة فنية أو استعجال بيئي أو خصوصية تشغيلية، فما الذي جرى توثيقه لإثبات ذلك، وكيف جرى التحقق من أن الشركة المختارة تملك فعلاً ما يبرر اختيارها؟
المعايير الدولية لا تذهب في اتجاه مختلف كثيراً. لوائح البنك الدولي للمشتريات تتعامل مع التعاقد المباشر باعتباره استثناءً يحتاج إلى مبررات مكتوبة وإلى قدرة مثبتة فنياً ومالياً لدى الجهة المنفذة، لا مجرد قرار إداري معزول. الفكرة بسيطة، كلما ضاقت المنافسة، ارتفع العبء على ملف التبرير والتأهيل.
السلفة قبل الضمان
الجزء الأكثر حساسية في القضية هو السلفة. قانون العقود السوري يحدد في القاعدة العامة أن السلفة للمتعهد لا تتجاوز 15% من قيمة العقد، ولا تدفع إلا بعد أمر المباشرة وتقديم كفالة مصرفية لا تقل عن قيمتها. كما يحدد القانون التأمينات النهائية بنسبة 10% من قيمة العقد، والمؤقتة بنسبة 5% من القيمة التقديرية. هذه ليست تفاصيل محاسبية جانبية، بل أدوات توزيع للمخاطر بين الجهة العامة والمتعهد.
إذا كانت نسبة 50% المنشورة عن العقد دقيقة، فنحن أمام رقم أعلى بكثير من السقف الوارد في القاعدة العامة. هنا تظهر فرضيتان لا ثالث لهما تقريباً. إما أن العقد يستند إلى نصوص خاصة بقطاع النفط تختلف عن القانون العام، وعندها يصبح من الضروري شرح هذه النصوص وحدودها ومبرر استخدامها. وإما أن العقد خاضع فعلاً للقواعد العامة، وعندها يصبح السؤال عن أساس هذه السلفة ونوع الضمانات المرافقة لها سؤالاً رقابياً مشروعاً بحد ذاته.
الممارسات المقارنة تعطي مؤشراً إضافياً. نماذج البنك الدولي ووثائق FIDIC تتعامل عادة مع الدفعة المقدمة بوصفها إجراء عالي الحساسية، لا خطوة روتينية. في كثير من العقود تتراوح السلفة ضمن نطاق أقل، وغالباً تقترن بضمان دفعة مقدمة وبضمان حسن تنفيذ، مع آلية واضحة لاسترداد السلفة تدريجياً من الدفعات اللاحقة. معنى ذلك أن السلفة الكبيرة لا تكون مستحيلة، لكنها في العادة تأتي مع قفل مالي واضح، لا مع فراغ في الوثائق العلنية.
الدراسة والتنفيذ بيد واحدة
أحد أكثر البنود إثارة للأسئلة هو ما ذكر عن إسناد الدراسة الهندسية إلى الشركة نفسها التي ستنفذ المشروع. من حيث المبدأ، توجد في العالم نماذج تصميم وتنفيذ تجمع الوظيفتين ضمن عقد واحد، وهذا ليس بدعة. لكن هذه النماذج لا تعمل تلقائياً لمجرد جمع الصفتين في يد متعهد واحد.
في مثل هذه الصيغ، يرتفع وزن المواصفات التي يضعها المالك منذ البداية، ويرتفع أيضاً وزن التحقق المستقل، سواء عبر استشاري أو لجنة فنية أو إجراءات استلام مرحلية صارمة. السبب واضح، عندما يصبح المتعهد هو من يقترح الحل التفصيلي وهو من ينفذه في الوقت نفسه، فإن أي ضعف في التدقيق الخارجي قد يتحول مباشرة إلى كلفة إضافية، أو إلى هبوط في الجودة، أو إلى نقل غير ظاهر للمخاطر إلى الجهة العامة.
في حالة مشروع يتعامل مع المياه المرافقة للنفط، تصبح هذه النقطة أكثر أهمية، لأن الأمر لا يتعلق بخط مدني عادي أو توريد بسيط. نحن أمام نظام فني يتقاطع مع إدارة السوائل، وضغط المكمن، ومخاطر التلوث، وسلامة التشغيل. لذلك فإن السؤال عن الجهة التي تدقق الدراسة ليس سؤالاً شكلياً، بل جزءٌ من صلب سلامة المشروع.
ما الذي يطلب عادة من المتقدمين
حين تقارن هذه القضية بما تطلبه العقود المماثلة عادة، تتضح مساحة الفراغ أكثر. نماذج التأهيل في مشاريع الأشغال والخدمات الفنية لا تبدأ غالباً من الاسم التجاري فقط، بل من سجل الأعمال المنفذة خلال سنوات سابقة، ومن خبرة مماثلة في أعمال قريبة من حيث الطبيعة والتعقيد، ومن متوسط حجم الأعمال السنوي، ومن السيولة أو التسهيلات الائتمانية، ومن البيانات المالية المدققة، ومن هوية الفريق الرئيسي ومدير العقد والمقاولين الثانويين.
وفي المشاريع المرتبطة بالبيئة أو النفط أو المياه المنتجة، يضاف إلى ذلك ما هو أكثر تخصصاً، مثل سوابق في إدارة المياه المرافقة للنفط أو إعادة الحقن أو المعالجة الكيميائية والميكانيكية، وخطط السلامة والصحة المهنية، وآليات المراقبة البيئية، وبرنامج الاختبارات، وطريقة قياس المطابقة للمعايير. هذا هو النوع من الملفات الذي يجعل حداثة تأسيس الشركة عاملاً يمكن استيعابه إذا كانت الخبرة الفعلية للفريق والشركاء موثقة بوضوح.
بعبارة أخرى، المسألة ليست أن الشركة جديدة أو قديمة فقط. المسألة هل طُلب منها، أو عُرض عنها، ما يطلب عادة من أي متقدم إلى مشروع بهذا الحجم والحساسية. وهل جرى التثبت من ذلك، وكيف، وبأي وثائق، ومن قبل من.
مشروع بيئي لا يحتمل الغموض
ما تقوله الإرشادات الدولية الخاصة بقطاع النفط والغاز متقارب في هذه النقطة. المياه المنتجة في الحقول قد تحمل مزيجاً معقداً من الأملاح والمعادن والهيدروكربونات والمواد الكيميائية المضافة. لذلك يجري التعامل معها بوصفها ملفاً تشغيلياً وبيئياً في آن واحد، ويعتبر الحقن في المكمن أو في بئر مخصص للتخلص أحد البدائل المعروفة، لكن ضمن شروط فنية دقيقة ورقابة مستمرة.
هذا يعني أن المشروع، إذا نُفذ كما يجب، قد يكون مفيداً فعلاً على المستويين البيئي والإنتاجي. لكنه في الوقت نفسه من النوع الذي يرفع لا يخفض مستوى الحاجة إلى الشفافية، لأن الخطأ فيه لا يقاس فقط بخسارة مالية، بل قد يقاس بأثر طويل على التربة والمياه الجوفية وسلامة الحقل نفسه.
من هنا، لا يبدو النقاش الحقيقي ما إذا كان المشروع ضرورياً، بل في ما إذا كان الإطار التعاقدي المختار كافياً لحماية المال العام وضمان الجودة الفنية وضبط المخاطر البيئية. وهذه ثلاث قضايا لا يمكن فصلها عن بعضها.
ما الذي ينبغي توضيحه الآن
حتى هذه اللحظة، لا يملك النقاش العلني سوى ملخصات ووثائق منقولة وخبر رسمي عام. لذلك تبقى الخلاصة في مساحة الأسئلة المدعومة، لا في مساحة الاتهام الجاهز. لكن هذا لا يقلل من أهمية الأسئلة، بل يرفعها.
السؤال الأول عن ملف التبرير الذي استند إليه قرار التعاقد بالتراضي. والسؤال الثاني عن ملف التأهيل الفني والمالي للشركة والمنفذين الفعليين والمقاولين الثانويين إن وجدوا. والسؤال الثالث عن الضمانات الفعلية للسلفة، وهل قُدمت كفالة دفعة مقدمة وكفالة حسن تنفيذ، وبأي قيمة وشروط. ثم يأتي السؤال الرابع عن الجهة التي راجعت الدراسة الهندسية وربطت الدفع بمؤشرات أداء واستلامات قابلة للقياس.
إذا كانت لدى الجهة العامة إجابات موثقة على هذه النقاط، فإن نشرها لا يضر المشروع بل يحميه. أما إذا ظل النقاش معلقاً بين خبر رسمي عام ووثائق منقولة جزئياً، فسيبقى العقد نفسه منتجاً للشك، حتى لو كان المشروع في أصله مشروعاً مطلوباً.
اقرأ أيضاً: بعد إلغاء مصفاة حمص.. ما مصير الموظفين الحكوميين؟ سوريا اليوم 24 سألت عن الأمر








