سياسة

“0000” بدل أسعار الصرف .. شاشات دمشق تعكس ارتباك السوق وتقلبات الليرة!

ويأتي ذلك في ظلّ حالة من الضبابية التي تعيشها أسعار الصرف وسط تغييرات متسارعة في سعر الليرة، فما بين ساعة وأخرى يختلف السعر زيادة أو نقصان لم تعد تتحمله شاشات العرض، فتحولت إلى مساحة فارغة تاركةً المواطنين يلاحقون سعر الصرف الذي يتغير بشكل أسرع من قدرتهم على التكيف معه.

شاشات “0000” تعليق غير معلن لأسعار الصرف

شهدت شاشات شركات الصرافة ضمن المرجة في دمشق، حالة واضحة من الارتباك في عرض أسعار الصرف، حيث أظهرت الشاشات الإلكترونية أرقام “0000” بدل نشرات الأسعار المعتادة.

وقد أغلقت عدة شركات أبوابها بشكل مبكر وأخرى علّقت عملية التصريف بشكل مؤقت مستخدمةً الأصفار للدلالة على تعليق التسعير، وذلك بسبب التقلبات السريعة التي يشهدها سوق الصرف وعدم قدرة هذه الشركات على تثبيت سعر واضح للدولار خلال ساعات العمل.

فيما رصدت تقارير اقتصادية تفاوتاً بين أسعار الصرف المعروضة على الشاشات والأسعار الفعلية داخل مكاتب الصرافة، فتحدث المواطنون عن إجراء عمليات التصريف بأسعار أقل من المعلن عنها، بينما فضلت بعض الشركات التوقف عن عرض أي أرقام تجنباً للخسائر الناتجة عن التغيير السريع في سعر الصرف.

فجوة تتسع بين السعر الرسمي والسوق السوداء

لطالما كانت الفجوة بين سعر الدولار الرسمي والأسعار المتداولة في السوق السوداء موجودة، ومع عام 2026 استمرت هذه الفجوة بالاتساع على الرغم من محاولات مصرف سوريا المركزي تثبيت النشرات الرسمية.

ففي الوقت الذي حافظ فيه السعر الرسمي على مستويات محددة داخل البنوك وشركات الصرافة المرخصة كان السوق الموازي يشهد ارتفاعات وانخفاضات غير مستقرة خلال فترات قصيرة مما خلق حالة من الارتباك لدى التجار والمواطنين على حد سواء.

ومع بداية العام الحالي وخلال كانون الثاني تحديداً تجاوز سعر الدولار في السوق السوداء حاجز ثلاثة عشر ألف ليرة سورية ليبقى السعر الرسمي أقل من ذلك بفارق كبير، وتحدثت تقارير اقتصادية عدة عن صعوبة تثبيت سعر موحد بسبب تفاوت العرض والطلب وتراجع الثقة بالسوق النقدية.

دفع هذا التفاوت العديد من المواطنين إلى الانتقال بين شركة صرافة وأخرى بحثاً عن سعر أفضل، في الوقت الذي فضّل فيه آخرون إجراء عمليات التصريف بشكل سريع خوفاً من انخفاض السعر خلال دقائق مما زاد من حالة القلق وعدم الاستقرار.

الليرة السورية بين اضطراب السوق وخطط إعادة تنظيم العملة

تأتي التقلبات الحالية بعد عدة أشهر من الإجراءات النقدية التي اتخذتها الدولة السورية مع بداية 2026، والتي كان أبرزها إطلاق عملة سورية جديدة وحذف صفرين من الفئات النقدية القديمة، حيث بدأ العمل بشكل تدريجي بالعملة الجديدة من بداية العام الجاري مع استمرار التداول بالعملتين لمرحلة انتقالية تم تمديدها.

وكان هدف هذه الخطوة تسهيل التداول واستعادة جزء من الثقة بالعملة المحلية إلا أن استمرار اضطراب أسواق الصرف أبقى المخاوف قائمة، وازدادت وتيرة هذه المخاوف بعد أن برزت سياسات تقييد السيولة النقدية التي كانت إحدى الأدوات للحد من الطلب على الدولار ومحاولة ضبط السوق عبر تقليل الكاش بين المواطنين.

فقد حُدّد سقف لسحب الأموال من البنوك سواء الخاصة أو المصارف المنتشرة في البلاد، فأي مواطن لديه رصيد في أحد البنوك أو المصارف لن يكون بإمكانه سحبه بشكل كامل وإنما على دفعات وبشكل أسبوعي.

إلا أن هذه الإجراءات انعكست بشكل مختلف، حيث لجأ الناس إلى السوق السوداء لتأمين احتياجاتهم اليومية من السيولة والعملات الأجنبية، في وقت تشير فيه تقارير اقتصادية إلى أن هذا الواقع أدى وبشكل كبير إلى زيادة حالة عدم الثقة داخل السوق، مع تراجع القدرة على التنبؤ بأسعار الصرف حتى على المدى القصير.

وفي هذا السياق، تحدث الخبير الاقتصادي جورج خزام عن تأثير تقييد السحب النقدي وربط السيولة بسعر الدولار، معتبراً أن القيود التي فُرِضت على السحب تؤدي أحياناً إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية وبالتالي رفع مستويات القلق داخل السوق، بينما يرى مؤيدون لهذه الإجراءات أنها محاولة للحد من المضاربة وحماية العملة السورية من الانهيار السريع.

الذهب والرقمنة في مواجهة فوضى سوق العملات

بالتوازي مع الاضطراب الذي يشهده سوق الصرف، توجه بعض السوريين إلى الذهب باعتباره ملاذاً أكثر استقراراً، ولمحاولة تنظيم السوق وتقليل الفوضى في التسعير كان مصرف سوريا المركزي قد أحدث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” كخطوة في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي وذلك عبر منصة إلكترونية هدفها وجود مرجعية رسمية للأسعار، وتزامن إحداث هذا السوق مع خطوات متلاحقة لتوسيع أدوات الرقمنة ضمن أسواق العملات والذهب بهدف توحيد الأسعار وربطها بمنصات مركزية لتقلل الفرق في التصريف بين الشركات والأسواق وتحد من التلاعب بالأسعار.

فيما كان مصرف سوريا المركزي قد ألزم ومنذ بداية شهر أيار الجاري شركات الصرافة بتسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية وفقاً لنشرات محددة الأسعار ومنع تسليمها بالدولار بهدف تخفيف الضغط على النقد الأجنبي داخل السوق.

اضطراب سعر الصرف يضغط على الحياة اليومية

تؤثر تقلبات الدولار بشكل مباشر على مختلف تفاصيل الحياة، من أسعار المواد الغذائية إلى الإيجارات وحتى سعر الوقود الذي يعلو موجة أسعار لا تهدأ، والتي كان آخرها قبل أيام قليلة، فأي ارتفاع جديد في سعر الصرف يعتبر سبباً مباشراً في زيادة الأعباء المعيشية، فالفروقات التي قد تبدو بسيطة في سعر صرف الدولار من شأنها أن تؤخر عائلة عن تسديد إيجار منزلها أو تقلل من إنفاقها على الاحتياجات الأساسية.

يبدو أن السوريين يعيشون أيامهم في حالة من الترقب الدائمة لسوق يبدو حتى الآن عاجزاً عن الوصول إلى نقطة استقرار واضحة، وهذا ما عكسته شاشات الصرافة التي تعرض “0000” وسط أسعار تتغير كل ساعة.

اقرأ أيضاً: تراخيص شركات الصرافة الجديدة.. هل تقضي على السوق السوداء أم تمنحها وجهاً آخر؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى