مقالات

يوم الشرع في البيت الأبيض: سقوط المحاور وصعود الاعتدال السوري

مقال رأي – د. أسامة صالح – يوم الشرع في البيت الأبيض: سقوط المحاور وصعود الاعتدال السوري

لم يحدث منذ استقلال سوريا عام 1946 أن دخل رئيسٌ سوري المكتب البيضاوي. قد تُحمَّل المسؤولية لأبي الاستقلال شكري بك القوتلي عندما رفض مشروع “التابلاين”، أو قد يعود السبب إلى تصارع النفوذ بين أمريكا والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، أو ربما ظلّ عبد الناصر الذي خيَّم على سوريا منذ عام 1957.

رغم ذلك، كانت الولايات المتحدة تعتبر سوريا نقطة رئيسية في استراتيجيتها الإقليمية. فقد حظي الأسد الأب بزيارة مفاجئة من الرئيس نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر في عام 1974. لكن الأسد سبح عكس تيار أغلبية شعبه وذهب بسوريا إلى “قائمة الدول الراعية للإرهاب” عام 1979.

رغم التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر، لم يستحق الأسد الابن دعوة إلى المكتب البيضاوي، المكتب الذي يُربك زائره أو يُطمئنه؛ يعطيه شهادة حسن السلوك أو يزُجّ به ضمن قائمة المارقين. سيد هذا المكتب وحده من يوزّع الضمانات.

أربعة أشخاص في أماكن مختلفة يُسمّرون أمام الشاشة. جميعهم يعنيهم المشهد المشحون بالدلالات: الرجل القوي الرئيس الشرع الذي سدَّد اللكمة القاضية لـ “محور المقاومة” يصافح الرجل الأقوى في العالم الرئيس ترامب صانع المجد الأمريكي.

في طهران يجلس المرشد أمام الشاشة. كيف له أن يُحب ترامب، الرجل الذي أمر بقتل جنرال محور المقاومة قاسم سليماني، ودكَّت أسلحته المنشآت النووية؟ وإذا كان لا يُطيق ترامب مرة، فهو لا يطيق الشرع ألف مرة؛ الرجل الذي اقتلعت عاصفته صبيَّ محور المقاومة، الأسد الابن، وقطعت طريق طهران–بيروت. وتجرَّأ بسببه لبنان الرسمي على طلب نزع سلاح حزب الله. يتمتم المرشد: “ما أصعب تقليب الصفحات وبلوغ النهايات، وما أصعب استعادة طريق طهران–بيروت!”

في موسكو نادي الدكتاتوريين المخلوعين. لقب “رجل الأعمال” قاسٍ، لكنه أهون من “الرئيس السابق”. تفوق قدرة الأسد الابن على الاحتمال متابعة الشرع وترامب تحت سقف البيت الأبيض. كانت تكفيه مشاهد انقضاض الجماهير على الصور والتمائيل. لم يفهم سابقاً ميزان القوى، ولن يفهم اليوم حماسة الغرب وأمريكا للرئيس الجديد. يعزي نفسه بأنها “رهج البدايات”، ويسأل نفسه بصوت شبه مسموع: “هل تغيَّر مزاج القيصر؟ هل يفتح بابه أمامي؟”

الجميع يريدون “عالماً متعدد الأقطاب” ويغازلون موسكو، لكن قلوبهم في واشنطن، وعقولهم تعرف أن المفتاح في درج المكتب البيضاوي.

سدَّد وريث العثمانيين أردوغان ضربة موجعة، بدون احتفال أو شماتة. كان لمدة طويلة يتحيَّن ساعة الثأر، خدع الجميع بـ “دعوة المرطبات”. أنهى هذا الرجل نظرية “سوريا الروسية هي سوريا المفيدة”.

بعد شروده للحظات، يتابع مشهد واشنطن. يطلب بوتين من مرافقه كميةً محترمةً من الثلج، وزجاجةً جيدةً من النوع الذي يمكن أن يُنسيه مرارة متابعة المشهد.

في تل أبيب رجل لا يتعب من القتل، هذه رسالته. لا يعنيه حديث السلام أو التعايش. لاعبٌ متمرِّسٌ في فتح أبواب الجحيم على الخصوم. سدَّد ضربات متتالية في “الملعب الإيراني”، فتدافعت الأحداث، وجلس الشرع على كرسي الأسدين. يحدّق نتنياهو في لقطة الشرع وترامب، يرى بفطرته لاعباً جديداً لا يُنكر ماضيه؛ عنده استعدادٌ للانخراط في الملاعب الخطيرة حيث لا يجرؤ الآخرون. جمهوره كبير، ويحتفي به الحكم ترامب. يقول في نفسه: “لا بأس في لعب كرة السلة”.

بعد هذا اليوم، مشوار الشرع صعب ومتعب لاستعادة هيبة بلاده، وموقعها ودورها الإقليمي.

ركب الشرع القطار الأمريكي بتذكرة مجانية من الأمير محمد بن سلمان، وعليه أن يبقى في مقصورة الدرجة الأولى. مسؤوليته بعد هذا اليوم أكبر وأثقل: محاربة الفقر، وتعزيز الأمن، وتطمين المكوِّنات، وقيادة إعادة الإعمار دون الوقوع في حفر الفساد، وتغليب البناء على الثأر في الداخل، وقبل ذلك الالتزام بالتعهدات التي قُطعت أمام المجتمع الدولي.

في عام 2023، كان مثيراً تصريح وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان: “الخطر الأول بالنسبة للغرب وفرنسا هو الإرهاب الإسلامي السُنّي”. فهل تُغيّر “ظاهرة الشرع” رأي الغرب؟ وهل تضع حداً لسياسة الغرب في دعم الأقليات واستثمارها لتحقيق السيطرة، بحجة مكافحة الإرهاب؟ وهل ينطلق “تيار الشرع السياسي” من دمشق؛ ليكون “تيار الاعتدال السُنّي” في مواجهة كافة صور التطرف والإرهاب؟

اقرأ أيضاً: الدولة الأب.. متى يشترك الابن «العاق» بولادة الأب الذي يريد؟

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى