يا ونوس… ما زلنا محكومين بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ

بقلم: ريم ريا
بكلماتٍ معدودة ومعنى عميق لَخّص المسرحي السوري “سعد الله ونوس” رؤيته للفن والمجتمع والحياة، نعم إننا “محكومون بالأمل”.. أمل التغيير والأفكار المُتقدّة المُغردة خارج سرب النمطية، أمل البناء أمل الغد المشرق الذي لطالما كان موجوداً بكل ما قدمه ونوس في مسيرته.. “محكومون بالأمل” باتت ركيزةً وشعاراً مرافقاً للأجيال التي ترفض الخنوع والباحثة عن التغيير والحرّية.
ولد ونوس من مخاض الألم والاضطرابات السياسية ففجر معاناته على المسرح كاشفاً التناقضات، مطلاً على مستقبل أكثر إنسانية.
عبرّ على خشبة مسرحه عن القلق الوجودي وسار على نهج الالتزام بالقضايا الكبرى.. فكان مسرحه واقعاً حياً يتعدى كونه مجرد خشبه للعرض. واجه الواقع ولم يهرب منه، فَرد أشرعته للتغيير وجعله بوصلته. ترك لجمهوره إرثاً من الأسئلة العميقة كاسراً بذلك كل الأجوبة المُقولبة الجاهزة، فكان صوت المقاومة وعلامة الثقافة العربية المضيئة وصوتها الذي صاغ من الفن خيوطاً من أمل دائم مقاوم.
ولادة صوت المسرح المقاوم.. سعد الله ونوس
مولوداً في زمن المآسي، متنقلاً بين الأمل والخلان وهارباً من الشك إلى السؤال، إنه سعد الله ونوس، ابن القرية الساحلية التي تعانق البحر “حصين البحر” في محافظة طرطوس في الساحل السوري. في العام 1941 وُلدَ الكاتب المقاوم ليجد نفسه يلاطم أمواج الواقع كما تتلاطم أمواج مدينته بالصخور لينتهي به الإبحار عكس التيار في العام 1997 حيث وافته المنيّة.
عصفت به الأحلام الكبرى فاستفاق على الانكسارات المُهَشمة، هزيمة حزيران 1967 كانت صدمته المحورية، تشكل على إثرها وعي سعد الله ونوس. لم تكن تلك الهزيمة عابرة بل شكلت وجدان ونوس ودفعته لمواجهة نفسه قبل أي شيء آخر.
تبنى ونوس الدفاع بأدواته الخاصة، “الكتابة ليست ترفاً، إنها شكل من أشكال الدفاع عن الذات”، بهذا الشكل اختار أن يدافع عن الإنسان في وجه القمع وعن الأمل في وجه اليأس ليجعل من أعماله ذاكرة خالدة في وجه النسيان، فقد رفض أن يكون شاهداً على الانكسار وشريكاً به واختار أن يكون خصماً منتصراً يسير بمركب التغيير، معلناً التمرد على الواقع.
في العام 1965 صدرت أول مجموعة له من المسرحيات القصيرة عن وزارة الثقافة تحت عنوان “حكايا جوقة التماثيل” وقد ضمت المجموعة ست مسرحيات منها “لعبة الدبابيس” و”جثة على الرصيف” و”الجراد” و”المقهى الزجاجية” و”الرسول المجهول في مأتم انتيجونا”، وفي عام 1966 حصل ونوس على إجازة دراسية من وزارة الثقافة وسافر إلى باريس ليطلع على الحياة الثقافية هناك ويدرس المسرح الأوروبي.
اقرأ أيضاً: فرح الأتاسي من هي؟ وما هو دورها بالحراك الشعبي السوري؟
مسرح ونوس ساحة تغيير وليس مجرد خشبه
“المسرح فعل مقاومة” من هنا أُعيد تعريف المسرح بالعالم العربي، كلمات المناضل صَدحت معلنةً أن المسرح ليس مجرد خشبة تتعاقب عليها الشخصيات أو مكان للترفيه والتسلية بل هو ساحة للوعي وللنضج الفكري، مختبر للأسئلة والأهم أنه ميدان للمقاومة.
صنع من الهزيمة في “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” مادة للتفنيد والتشريح، فكشف عن الهزيمة الحقيقية التي كانت هزيمة وعي ومجتمع بأسره وليس فقط هزيمة جيش، وفي “الملك هو الملك” كان هو الملك الذي كشف وهم السلطة وزيفها وبيّن كيف يعاد صنُع الاستبداد ولا تتبدل سوى الوجوه..
وما أقرب اليوم بالأمس يا ونوس.. فلسنا محكومين بالأمل فقط بل بالتكرار ومحاولات كثيرين إعادة صنع الطغاة، لكن ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ… فالتاريخ يكتب عندما يتعرى الصمت العربي ويصرخ ويفضح الاحتلال فما زالت القضية الفلسطينية جرحاً مفتوحاً ينزف من مسرحك إلى مسرح الحياة حتى اليوم.
في “منمنمات تاريخية” تجسيد حيّ للمقولة الفلسفية أن التاريخ لا يعيد نفسه بل الإنسان يكرر أفعاله. استعاد ونوس التاريخ لا ليحكيه بل ليكشف مرآة الحاضر فيه وليقول أن التاريخ سيظل يعيد نفسه ما دمنا عاجزين عن تغييره.
“المسرح مرآة المجتمع، وميدان لمساءلته”، هذا قوله الذي صدح من منبره “المسرح”، فسعد الله لم يكن يريد جمهوراً يصفق ويغادر، كان يريد عقلاً مفكراً يحاسب نفسه ويصفق لانكساراته ليغادرها، جمهوراً يشعر أن ما يجري يعنيه، لا مستسلم ومستكين تفوته كل الأشياء و يعبره الزمن كشجرة لم تتحرك أغصانها مع الرياح ولم تقاومها فعصفت بها إلى أن أيبستها بلا حراك.
الوعي وحده سلاح التغيير، الوعي النيّر المُتقد من ذاته المتكئ على خلجاته وتجاربه، لا وعي القطيع المُكرر والمُلقن والمُقولب، تلك كانت رسالة ونوس وتلك ما طَمِحَ أن تُصفق بها العقول لتتقدّ أفكاراً من حرارتها، قبل أن تصفق له الأيادي.
أما في العام 1972 كتب مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني” وعام 1976 ترجم كتاب “حول التقاليد المسرحية” لجان فيلار وأعد “توراندوه” عن مسرحية “لبريخت” تحمل نفس العنوان، وترجم وأعد “يوميات مجنون” لجوجول.. بعدها حصل على منصب مدير المسرح التجريبي في مسرح القباني حيث كان عليه أن يؤسس هذا المسرح ويضع برنامجه.
اقرأ أيضاً: الكوميديا السورية.. مقاومة ناعمة أم مجرد ترفيه
أمل ونوس.. ليس حكم بل ترياق باقي ويتمدد
واجه سرطان الواقع الذي نهش جسد المجتمع من استبداد وأنماط مكررة مُعادة لينتهي به المطاف في سنواته الأخيرة ليصارع سرطان جسده ويلفظ كلماته وهو يعلم أن جسده يتلاشى، فما تفوّه إلا بالأمل فقال عبارته الشهيرة “إننا محكومون بالأمل.. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ”. كان مؤمناً بالمسرح وبالأفكار وأن الأمل حيّ وباقٍ لا يمكن له أن يموت.
فالأمل لديه كان متنفساً وخياراً وجودياً لا وهماً أو ترفاً فكرياً، كان يدرك أن مرارة الواقع لا تواجه وتُكسر إلاّ بالأمل، فلم يستسلم لسطوة التكرار والنمطية غرّد خارج المصفوفة وجعل نقيض اليأس المقاومة المولودة من الأمل. بعد ربع قرنٍ على رحيله لا يزال أمله حياً بفكر كل ثائر وبدم كل حُر، لم يكتب ونوس لزمانه بل لزماننا جميعاً.. كَتَبَ لكل زمان تستكين به الهمم وتصمت به الضمائر ويصبح العجز القوت اليومي للأرواح العارية والعقول الفارغة.
كُرّم بالعديد من المهرجانات وحصد الكثير من الجوائز كان أبرزها: مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ومهرجان قرطاج الدولي وتسلم جائزة سلطان العويس الثقافية عن المسرح في الدورة الأولى للجائزة.
ليكن ذكراه مؤبداً ولتكن الثقافة مسؤولية والأمل حياة.. على المجتمع أن يخلع وعي القطيع ويرجع إلى وعي الإنسان ليبني الأوطان ويقف بوجه الاستبداد والقهر والخذلان.
سعد الله ونوس نذرَ حياته ليقارع الهزيمة بالوعي والمسؤولية، جعل من المسرح وطناً حينما غابت واستبيحت الأوطان، ومن الكلمة بيدقاً عندما خان الصمت واستكان، ومن الأمل شرارة عنفوان عندما خيّم اليأس وانكسر الإنسان. تسلّح بالكتابة عندما ألقيت البنادق وصنع من الأمل قدراً محتوم .. فإننا لليوم يا ونوس محكومون بالأمل.









