وقت أقل وفاعلية تصل لـ95%: جهاز جديد لعلاج السرطان في البيروني

بقلم هلا يوسف
تشهد علاجات السرطان في سوريا مرحلة حساسة وانتقالية، خصوصاً بعد أن عانى المرضى ما عانوه من انقطاع للكثير من الأدوية والجرعات، عدا عن الارتفاع الكبير في أسعار العلاج. ومع الجهود المبذولة لتطوير القطاع الطبي، فتحت أبواب أمل جديدة أمام المرضى، لتخفف عنهم الألم والوقت الذي يقضونه خلال رحلة العلاج. فقد كان دخول أي تقنية حديثة صعباً في ظل العقوبات الاقتصادية، إلا أن الوضع تغير اليوم.
فقد شهد مشفى البيروني الجامعي في دمشق هذا الأسبوع افتتاح أول منظومة للعلاج الموضعي الإشعاعي في سوريا، وهي خطوة لا تعني مجرد وصول جهاز طبي جديد، بل تعني أن مئات المرضى سيتمكنون من الحصول على علاج متطور داخل البلاد، بدلاً من البحث عن خيارات أخرى قد تكون مكلفة أو غير متاحة. كما تعكس هذه الخطوة عودة التعاون بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتطوير الخدمات الطبية.
تقنية جديدة تمنح العلاج دقة أكبر
ضمن الجهود المبذولة لعلاج السرطان في سوريا، افتتحت هيئة الطاقة الذرية السورية، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، منظومة العلاج الموضعي الإشعاعي في مشفى البيروني الجامعي ضمن مجمع المواساة الطبي في دمشق، بحضور المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي، ورئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة، وعدد من المسؤولين في القطاع الصحي.
وتُعد هذه المنظومة الأولى من نوعها في سوريا، وهي مخصصة بشكل رئيسي لعلاج الأورام النسائية، مثل سرطان عنق الرحم، وسرطان بطانة الرحم، وأورام المهبل. لكن ما الذي يميز هذا العلاج عن العلاج الإشعاعي الذي كان موجود؟
الفرق الأساسي أن العلاج الإشعاعي التقليدي يوجّه الأشعة إلى الورم من خارج الجسم، بينما تعتمد تقنية العلاج الموضعي الإشعاعي، أو ما يعرف طبياً باسم المعالجة الكثبية (Brachytherapy)، على إدخال مصدر إشعاعي صغير داخل الورم نفسه أو بالقرب منه.
هذه الطريقة تجعل الإشعاع يصل مباشرة إلى الخلايا السرطانية مع تركيز عالي عليه، بينما تتلقى الأنسجة السليمة المحيطة تأثيراً أقل بكثير، وهو ما يساعد على تقليل التأثيرات الجانبية وتحسين نتائج العلاج.
كما أن العلاج يستغرق وقتاً أقل بالمقارنة مع الأجهزة القديمة منخفضة الطاقة، إذ يمكن إيصال جرعات إشعاعية أكبر خلال فترة زمنية أقصر، وهو ما يختصر عدد الجلسات ويسهل رحلة العلاج على المريض.
وتعقيباً على هذه الخطوة صرح رئيس قسم المعالجة الشعاعية في مشفى البيروني حسين صباغ أن استخدام هذه التقنية يرفع نسب الشفاء لدى المصابات بسرطان عنق الرحم إلى ما بين 90 و95% عند تطبيقها ضمن البروتوكولات العلاجية المعتمدة، عدا عن أنها تقلل مدة العلاج وتخفف المضاعفات المحتملة.
مئات المريضات سيستفدن من الجهاز كل عام
يعود أهمية الجهاز الجديد في أنه لا يخدم عدداً محدوداً من المرضى، بل يعد علاجاً متوفراً بشكل دائم في سوريا. فبحسب الأطباء يتم تشخيص ما بين 650 و700 حالة جديدة من سرطان عنق الرحم، وتحتاج نحو 80% من هؤلاء المريضات إلى العلاج الإشعاعي الداخلي، وهو العلاج الذي يوفره الجهاز الجديد. وهذا يعني أن نحو 550 إلى 600 مريضة سيتمكن من تلقي العلاج بشكل مجاني كل عام داخل مشفى البيروني.
ولم يكن تشغيل الجهاز مجرد عملية تركيب لمعدة طبية، بل سبقته أشهر من التحضير. فقد أوضح المدير العام لمشفى البيروني رضوان أحمد أن المستشفى أجرى أعمال تهيئة للموقع وتجهيزات فنية ولوجستية خاصة حتى يصبح المكان مناسباً لتشغيل هذه التقنية وفق المعايير العالمية.
وأيضاً خضعت الكوادر الطبية لبرامج تدريب متخصصة داخل سوريا وخارجها. فقد تم إرسال فريق طبي إلى الخارج لاكتساب الخبرة العملية، بينما تلقت المسؤولة عن تشغيل الجهاز، إلهام الخطاب، تدريباً استمر ثلاثة أشهر في مركز الحسين للسرطان في الأردن، للتأكد من تشغيل المنظومة بأعلى درجات الدقة والأمان.
ويؤكد القائمون على المشروع أن التدريب سيستمر خلال الفترة القادمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن تطوير مهارات الكوادر الطبية مع تطور التقنيات المستخدمة.
تعاون دولي لا يقتصر على هذا الجهاز
وصول الجهاز إلى سوريا جاء ضمن مبادرة “أشعة الأمل” التي تنفذها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمساعدة الدول على تطوير خدمات علاج السرطان باستخدام التطبيقات السلمية للطاقة النووية.
ويرى رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة أن تشغيل المنظومة يمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرات سوريا العلاجية والبحثية في مجال الأورام، وأكد على استمرار العمل على مشاريع جديدة لتطوير خدمات الطب النووي والعلاج الإشعاعي.
أما المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي فأكد أن دعم الوكالة لن يتوقف عند هذا الجهاز، بل سيشمل توفير أجهزة طبية جديدة، من بينها جهاز للتصوير المقطعي (CT)، وجهاز للتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET/CT)، بالإضافة إلى مواصلة تدريب الكوادر السورية.
وجاءت هذه التصريحات خلال زيارة غروسي إلى دمشق، التي التقى خلالها بالرئيس أحمد الشرع، بحضور وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني ورئيس هيئة الطاقة الذرية السورية.
وتأتي هذه الزيارة بعد توقيع مذكرة تفاهم بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية في حزيران 2025، بهدف توسيع التعاون في مكافحة السرطان وأمن الغذاء، عبر مبادرتي “أشعة الأمل” و”الذرة من أجل الغذاء”.
ولا يقتصر التعاون على المجال الصحي، إذ تشمل الخطط أيضاً تقديم الدعم في مجالات الزراعة وإدارة المياه، إلى جانب تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
لماذا تمثل هذه الخطوة أهمية كبيرة اليوم؟
قد يكون افتتاح جهاز طبي جديد شيئاً عادياً، لكن الحقيقة تبدو مختلفة عند النظر إلى حجم الإصابات بمرض السرطان في سوريا. فبحسب وزارة الصحة، تسجل كل عام ما بين 17 ألفاً و20 ألف إصابة جديدة بالسرطان، من بينها نحو 1100 حالة لدى الأطفال، فيما يحتاج قرابة 150 مريض كل سنة إلى زراعة نقي العظم.
كما تشير مراجعة علمية نشرتها محفظة BMC البحثية في نهاية عام 2024 إلى أن عبء السرطان في سوريا ازداد بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت الإصابات بنسبة 40% مقارنة بعام 2015، بينما ارتفعت الوفيات الناتجة عن المرض بنسبة 31.7%.
ولا تتوقف المشكلة عند زيادة عدد الإصابات، فتكاليف العلاج تشكل عبئاً آخر على أهالي المرضى. حيث تشير دراسات إلى أن علاج مريض السرطان قد يكلف ما بين 100 وألف دولار كل شهر، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر تحمله، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
لذلك وجود تقنيات علاجية حديثة داخل المستشفيات الحكومية لا يعني فقط إدخال جهاز جديد إلى الخدمة، بل يعني أيضاً تخفيف الأعباء المالية عن المرضى، وتقريب العلاج منهم، وزيادة فرصهم في الحصول على الرعاية الطبية دون تكاليف عالية.
في النهاية، بالرغم من إن هذا الجهاز لا يعني حل جميع المشاكل والتحديات التي يعاني منها مرضى السرطان، إلا أنه مؤشر على أن القطاع الطبي يسير بالاتجاه الصحيح نحو تحسين المنظومة الطبية.
اقرأ أيضاً: العمر البيولوجي والسرطانات بين جيل التسعينات والألفية









