المجتمع السوري

وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية

في صيفٍ حمل معه لهيباً لم يرحم، تحولت المساحات الخضراء التي كانت تزين ريف اللاذقية إلى رمادٍ صامت، فلقد تركت حرائق عام 2025 ندوباً عميقة في قلب الطبيعة، وشوهت مشهداً بيئياً فريداً لطالما كان مصدراً للحياة والجمال.

وفي خطوة تبعث على الأمل، كشفت وزارة الزراعة عن خطتها الاستراتيجية لإعادة تأهيل هذه المناطق المحترقة، وذلك ليس من خلال زراعة الأشجار فقط، بل من خلال بناء نظام بيئي متكامل قادر على الصمود في وجه التحديات المستقبلية.

هذا المقال سيتناول أسباب الحرائق الموسمية في سوريا وحجم الأضرار التي تسببها، بالإضافة إلى تفاصيل الإجراءات المتخذة لعلاج الأضرار الجسيمة التي خلفتها هذه الحرائق، ويرصد الجهود المبذولة لإعادة رسم الخريطة الخضراء التي طمستها ألسنة اللهب.

أسباب الحرائق الموسمية في سوريا

بين عامي 2001 و2023، خسرت سوريا حوالي 17.4 ألف هكتار من غطائها الشجري بسبب الحرائق، التي تتركز بشكل كبير في المناطق الساحلية والزراعية، وهذه الخسائر الكبيرة ليست نتيجة لسبب واحد، بل هي مزيج معقد من العوامل المناخية والبيئية والبشرية.

– العوامل المناخية: جفاف يغذي النيران

شهدت سوريا تحولاً جذرياً في مناخها، حيث أصبحت أكثر جفافاً وحرارة، مع فترات جفاف طويلة، وهذه الظروف تزيد من جفاف الغطاء النباتي، مما يجعله وقوداً جاهزاً للحرائق، حيث يفاقم تغير المناخ العالمي هذه الظاهرة، مما يؤدي إلى حرائق غابات أكثر تكراراً وشدة.

على سبيل المثال، شهدت البلاد بين عامي 2006 و2010 أسوأ موجة جفاف في تاريخها المسجل، مما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي في مناطق حيوية مثل دير الزور والحسكة والرقة.

وفي تقرير حديث، أظهرت منصة “ورلد ويذر أتريبيوشن” أن موجات الجفاف الشديدة التي شهدتها سوريا منذ عام 2020 أصبحت أكثر احتمالاً بمقدار 25 مرة بسبب التغير المناخي الذي يسببه الإنسان.

كما أشار التقرير إلى أن ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.2 درجة مئوية نتيجة حرق الوقود الأحفوري هو السبب في تصنيف الجفاف الحالي على أنه “شديد”، وإلا لكانت ظروف البلاد “طبيعية أو رطبة”.

– العوامل البشرية وسوء الإدارة

لا يمكن فصل أزمة الحرائق عن الأنشطة البشرية. فإزالة الغابات، والتوسع الزراعي، وسوء إدارة الأراضي، كلها عوامل تساهم في تفاقم الوضع.

هذا ويُعتبر الإهمال من أبرز الأسباب، مثل رمي أعقاب السجائر أو ترك مخلفات الاشتعال في المناطق الحرجية. كما أن بعض الممارسات الزراعية الخاطئة، مثل حرق بقايا المحاصيل، قد تتسبب في خروج النيران عن السيطرة.

وفي بعض الحالات، تُعتبر الحرائق عملاً متعمداً قد يكون لأهداف تخريبية أو انتقامية، أو لتحويل الأراضي الحراجية إلى أراضٍ زراعية أو سكنية بشكل غير قانوني.

وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية

كارثة الحرائق في سوريا: أرقام صادمة وأضرار مدمرة

تعد الحرائق التي تجتاح الأراضي السورية من الكوارث الطبيعية التي تخلف وراءها آثاراً مدمرة على البيئة والاقتصاد والمجتمعات المحلية، ولا تقتصر الأضرار على احتراق الغابات فحسب، بل تتجاوزها لتشمل خسائر فادحة في الثروة الزراعية والبنية التحتية، مما يزيد من معاناة السكان.

حجم الأضرار التي تسببت بها الحرائق في ريف اللاذقية

تُعَدّ محافظة اللاذقية من أكثر المناطق تضرراً الحرائق في عام 2025، حيث أكدت وزارة الزراعة تضرر أكثر من 14 ألف هكتار نتيجة للحرائق، وكانت النسبة الأكبر من هذه الأضرار في الغابات والحراج، والتي بلغت 11,675 هكتاراً.

ولم تقتصر الخسائر على الغطاء النباتي فحسب، بل امتدت لتشمل غياب الأشجار المعمرة، وزيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى أضرار طالت البنية التحتية الأساسية مثل الأسلاك الكهربائية وأنابيب المياه، مما أثر بشكل مباشر على حياة السكان وخدماتهم اليومية.

حرائق الغابات السورية خلال الأعوام الستة السابقة

شهدت سوريا بين عامي 2019 و2024 نحو 11 ألف حريق غابات، تركزت بشكل خاص في المناطق الساحلية والزراعية، وقد أظهرت التقارير الصادرة عن جهات مختلفة تفاصيل هذه الحرائق.

حيث أفاد تقرير صادر عن الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء سابقاً) بتاريخ 28 أكتوبر 2024، أن متطوعيه قد استجابوا لأكثر من 9,256 حريقاً في شمال غربي سوريا، والتي طالت 633 قرية بين يناير 2021 ويونيو 2024.

وقد وثّق هذا التقرير تصاعداً ملحوظاً في عدد الحرائق خلال هذه الفترة، على النحو التالي:

  • النصف الأول من 2024: إخماد 2,213 حريقاً في 398 قرية.
  • النصف الأول من 2023: إخماد 1,375 حريقاً في 304 قرى.
  • النصف الأول من 2022: إخماد 1,003 حرائق في 253 قرية.
  • النصف الأول من 2021: إخماد 1,223 حريقاً في 286 قرية.

ويُلاحظ أن عام 2024 شهد ارتفاعاً غير مسبوق، حيث سُجل 1,190 حريقاً في شهر حزيران وحده.

أما في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام البائد، أعلنت وزارة الزراعة في 3 أكتوبر 2023 عن اندلاع 2,158 حريقاً خلال السنوات الخمس السابقة، والتي أحرقت مساحة إجمالية بلغت 162,653 دونماً.

وجاءت تفاصيل هذه الحرائق على النحو التالي:

  • 2019: 627 حريقاً أتلفت 16,123 دونماً.
  • 2020: 621 حريقاً أتلفت 132,772 دونماً.
  • 2021: 439 حريقاً أتلفت 9,107 دونمات.
  • 2022: 197 حريقاً أتلفت 1,816 دونماً.
  • 2023: 274 حريقاً أتلفت 2,835 دونماً.

وبين عامي 2010 و2018، التهمت حرائق الغابات أكثر من ربع مساحة غابات سوريا، حيث سُجلت أكثر من 2000 حادثة حريق، طالت مساحة تزيد على 100 ألف هكتار في الساحل السوري.

تأثير الحرائق على فقدان الغابات في اللاذقية (2000-2020)

كشف تقرير صادر عن مرصد الصراع والبيئة (CEOBS) عن خسائر كبيرة في الغابات السورية، حيث فقدت البلاد 3505 هكتارات من الغابات في عام 2020 وحده، ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 159% مقارنة بعام 2019، مما يشير إلى أن حوالي 20% من الغابات السورية قد تلاشت منذ عام 2000.

وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية

وتتركز هذه الخسائر بشكل خاص في المناطق الساحلية قرب اللاذقية وطرطوس، التي تشكل موطناً لأكثر من ثلاثة أرباع الغطاء الحرجي في البلاد.

حيث يشير التقرير إلى أن ما يقرب من ربع الغابات الساحلية فُقد بين عامي 2010 و2020، وهو ما صاحبه انخفاض ملحوظ في كثافة الغابات وزيادة في المساحات الزراعية والصحراوية.

هذا ويعود تسارع معدل فقدان الغابات في السنوات الأخيرة إلى عدة عوامل:

  • الزحف السكني: التوسع العمراني على حساب المناطق الطبيعية.
  • زيادة نشاط الحرائق: ارتفاع بنسبة 20% في حوادث الحرائق.

ويُشار إلى أن عام 2020 قد كان استثنائياً، حيث شهد ارتفاعاً غير طبيعي في حرق المحاصيل، مع زيادة بلغت حوالي 250% في اللاذقية وطرطوس، وهي أعلى نسبة تُسجل على الإطلاق وفقاً لبيانات الأقمار الصناعية.

وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية

وقد وقعت معظم هذه الحرائق في شهري سبتمبر وأكتوبر، مما تسبب في أضرار واضحة للغابات، إلى جانب معاناة إنسانية وخسائر في البنية التحتية.

اقرأ أيضاً: وزارة الطوارئ: فرق الإطفاء توقف امتداد حرائق غابات اللاذقية

خطة وزارة الزراعة لإعادة تأهيل غابات اللاذقية

أعلنت وزارة الزراعة عن خطة شاملة لإعادة تأهيل الغابات التي تضررت من الحرائق الأخيرة في ريف اللاذقية، بهدف استعادة النظم البيئية المحلية.

وبحسب مدير الحراج في الوزارة، مجد سليمان، تم تشكيل لجان فنية تضم خبراء وأكاديميين لتقييم الأضرار ووضع رؤية لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.

محاور الخطة

ترتكز الخطة على عدة مراحل:

1. المدى القصير (التعاون المجتمعي)

تركز المديرية على المناطق القريبة من القرى المتضررة، وتعمل بالتعاون مع المجتمع المحلي على زراعة أنواع حرجية متعددة الاستخدامات وذات قيمة اقتصادية مثل الخرنوب، والسماق، والبطم، والغار.

2. المدى البعيد (التجدد الطبيعي)

تشمل هذه المرحلة حماية المواقع المتضررة وتركها للتجدد الطبيعي، خاصة أن الحرائق وقعت في فترة نضج البذور للأشجار الصنوبرية، كما تتضمن الخطة حماية الغراس الجديدة والتنوع الحيوي والتربة من الانجراف لمدة عامين.

3. الحفاظ على التنوع الوراثي

تعمل الوزارة على جمع البذور من الأشجار السليمة المحيطة بمواقع الحرائق للحفاظ على الأنماط الوراثية النباتية، مشيرة إلى وجود 630 نمطاً وراثياً في مناطق الحرائق.

آليات التدخل والتجدد

أوضح سليمان أن الغابات لديها قدرة على التجدد الذاتي بناءً على شدة الحريق، فالمناطق ذات الأضرار الخفيفة يمكن أن تتجدد بشكل طبيعي من خلال إنبات البذور الموجودة في التربة، في حين تتطلب المناطق التي تعرضت لأضرار شديدة تدخلاً مباشراً من خلال نثر البذور أو “كرات الطين” لتسريع عملية الاستعادة.

هذا وقد أكدت الوزارة أن لديها خطة لزيادة الإنتاج من الغراس والتحريج الاصطناعي، تشمل زراعة أكثر من 53 نوعاً من الأشجار الحرجية وتحريج حوالي 1000 هكتار خلال الموسم القادم (2025-2026)، كما سيتم دعم الفرق الحراجية بالتدريب والموارد اللوجستية اللازمة.

إيجابيات الخطة

  • نهج شامل ومتعدد المراحل: الخطة تجمع بين الحلول قصيرة المدى (الزراعة الفورية) وطويلة المدى (التجدد الطبيعي)، مما يضمن استجابة متكاملة للأضرار.
  • الاستفادة من التجدد الطبيعي: تعطي الخطة الأولوية للقدرة الطبيعية للغابة على استعادة نفسها، مما يقلل التدخل البشري غير الضروري ويحافظ على التوازن البيئي.
  • المشاركة المجتمعية: إشراك السكان المحليين في الزراعة يعزز الشعور بالملكية ويضمن استدامة جهود إعادة التأهيل.
  • الحفاظ على التنوع الوراثي: جمع البذور من الأشجار المحلية السليمة يضمن الحفاظ على الأنماط الوراثية الفريدة للأنواع النباتية في المنطقة.
  • دعم لوجستي: الخطة تتضمن توفير الدعم للفرق الحراجية من تدريب وموارد، وهو ما يعزز فعاليتها في تنفيذ العمل.

سلبيات الخطة

  1. التأثر بالظروف المناخية: تعتمد الخطة على التجدد الطبيعي، وهو ما قد يتأثر بشكل كبير بالظروف المناخية غير المواتية مثل الجفاف أو التغيرات في الهطول المطري، مما قد يبطئ عملية التعافي.
  2. التدخل البشري المحدود: بالرغم من أن الاعتماد على التجدد الطبيعي يعتبر ميزة، فإنه قد لا يكون كافياً في المناطق التي تضررت بشدة، مما قد يؤخر استعادة الغطاء النباتي.
  3. تحديات التنفيذ: الخطة طموحة وتتطلب تنسيقاً كبيراً بين الجهات المختلفة والمجتمع المحلي، وقد تواجه صعوبات في التنفيذ بسبب الموارد المحدودة أو الظروف السياسية والاقتصادية.
  4. غياب ذكر ميزانية محددة: النص لا يوضح الميزانية المخصصة لهذه الخطة، مما يترك تساؤلات حول مدى جدية وقدرة الوزارة على تغطية التكاليف اللازمة لإنتاج الغراس والتدريب والدعم اللوجستي.

اقرأ أيضاً: النحل السوري بين نار الحرائق وشبه انعدام الإنتاج

لماذا كان مشهد الحرائق في سوريا متكرر على مدار سنوات؟

يبدو أن تكرار مشهد الحرائق في سوريا يعود إلى أخطاء تراكمية على مدى سنين طوال، فلم تقم السلطات بشق خطوط النار لمنع امتداد الحرائق، كذلك غياب إعادة تأهيل فرق الإطفاء وتزويدها بآليات وسيارات غير تلك المتهالكة، وبفرق بشرية مدربة ومعتنى بها تنال ما تستحق من أجور في هذه المهنة الخطرة.

حيث كانت الفرق تفتقر إلى وقود يمكّن آلياتها من العمل، كما تفتقر إلى عدد كافٍ من صهاريج المياه، ويتم الاعتماد على تبرعات الجهات الأهلية لتأمين الوقود وصهاريج المياه.

في الختام، إن الحرائق الموسمية في سوريا ليست مجرد أزمة بيئية عابرة، بل هي كارثة متجددة تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي وتزيد من معاناة السكان.

وفي ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري على جميع الأطراف، من المؤسسات الحكومية إلى المجتمع المدني والأفراد، أن تتوحد جهودها، فالحماية من هذه الحرائق لا تقتصر على إخمادها فحسب، بل تتطلب استراتيجيات وقائية فعالة، وتعزيز الوعي البيئي، وتوفير الدعم اللازم للمناطق المتضررة.

إن الحد من هذه الكوارث هو مسؤولية جماعية تتطلب عملاً حقيقياً ومستداماً لضمان مستقبل أكثر أماناً واستقراراً للجميع.

اقرأ أيضاً: حرائق ريف اللاذقية..كارثة طبيعية تستدعي التفكير بالقادم

اقرأ أيضاً: وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى