سياسة

وزارة الدفاع في سوريا: تعيد تشكيل المؤسسة العسكرية.. هل انتهت الفصائلية؟

بقلم: ريم ريا

عثرات هي ما واجهت قرار وزارة الدفاع في سوريا بدمج الفصائل ضمن جيش واحد مُنضم ضمن جسد المؤسسة العسكرية في البلد. يأتمر بإمرتها ويقدم الولاء للدولة السورية فقط، هويته وطنية مدافع عن كل البلاد، ولا يخدم سوى الإيديولوجية والهوية السورية.. لا أجندات أخرى.

الأمر ليس سهلاً… فإنشاء جيش موحد بعقلية وعقيدة قتالية واحدة في سوريا وسط التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد أمر معقد يحتاج لخطط وخطوات مدروسة، فأي خطأ هو بمثابة لُغم قد يُفجر الأمور ويعيد خلط أورق الداخل السوري. وزارة الدفاع لم تستكن وسعت بكامل جهدها ليكون هناك مؤسسة عسكرية حديثة ومحترفة تتماشى مع المبادئ الوطنية وتعزز الهوية السورية وتدافع عن وحدة أراضي البلاد وسيادتها.

خطة استراتيجية: وزارة الدفاع في سوريا ترسم ملامح الجيش الجديد

كشف مسؤول العلاقات الإعلامية في وزارة الدفاع “عدي العبد الله”، عن تفاصيل خطة استراتيجية تتضمن إلغاء لتجنيد الإجباري، واستقطاب الكفاءات الشابة، مع توسعة وتعزيز للتعاون العسكري الدولي.

هذه العملية تسير وفق خطة متكاملة، قوامها التقييم الشامل لمختلف التحديات السابقة والحالية لإعداد جيش موحد يحمي الشعب ويدافع عن السيادة. الوزارة وصلت لمراحل متقدمة فقد نظمّت الهيكلية الوظيفية، وركزت على الكفاءات الشبابية والاحترافية ونرى الأمر ملموس في مراكز التجنيد وإقبال الشباب. كما درست القدرة الدفاعية وعملت على استقطابها، بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الراهنة.

من ضمن الخطة نية وزارة الدفاع في سوريا، إلى توسيع علاقاتها العسكرية مع الدول الصديقة والحليفة، من خلال اتفاقيات قائمة على احترام سيادة سوريا وتحقيق المصالح المشتركة، مع إجراء مشاورات مع شركاء استراتيجيين لتعزيز مجالات التعاون والتدريب وتبادل الخبرات، مع تقديم دعم لوجستي وفني.

اقرأ أيضاً: درعا بعد حل «اللواء الثامن».. ما وضع الفصائل العسكرية وهل طويت صفحة السلاح؟!

التحديثات التي أدخلت تنظيم الجيش في سوريا

ركزت وزارة الدفاع السورية على تحديث منظومة التدريب، مع إدخال الرقمنة والتكنولوجيا للهيكلية، مع تطوير وتدريب الكفاءات البشرية على استخدامها والتعامل معها. كما تعمل الوزارة حالياً على رفع جاهزيته ببرامج تدريبية مكثفة وإعادة تنظيم القوات. وتُحديث مناهج الأكاديميات العسكرية، واعتماد دورات تخصصية لتأهيل الضباط، إضافة إلى اعتماد آليات ترقية تستند إلى الكفاءة، بما يضمن إنتاج قيادات عسكرية تمتلك رؤية إستراتيجية. هذه الأولويات من شأنها تعزيز الانضباط وبناء عقيدة وطنية جامعة.

بالفعل.. ووفق ما رُصد، لُمس تحول في شكل التدريبات العسكرية والتوجيهية التي يخضع لها العناصر، وتمثلت بالخروج من حالة الفصائلية والدورات الشرعية والعسكرية المغلقة وغير المنظمة أو المنضبطة إلى اعتماد برامج تدريبية طويلة الأمد تستند الى الكليات الحربية وتدريس العلم العسكري وتخريج الضباط وصف الضباط.

هذا التحول أتى بالتوازي مع كتابة مناهج شاملة ذات مستويات عديدة من قبل لجنة من إدارة التوجيه المعنوي، كما جرى تفعيل الكليات الحربية والأكاديميات العسكرية، وحدد الطريق للانخراط ضمن المؤسسة العسكرية “الانتساب للكليات الحربية” التي سبق وأعلنت وزارة الدفاع إدخالها ضمن المفاضلة العامة.

من باب الحزم والجدّية في التنفيذ، كانت الوزارة قد أصدرت القرار رقم 29، الذي نص على منع جميع العاملين في الوزارة، من ضباط وصف ضباط وأفراد مجندين، من استخدام أو تثبيت أي شعارات غير معتمدة على الزي العسكري، تحت طائلة المسؤولية، بناءً عليه أُلزم كافة العاملين بوضع الشعار الرسمي المعتمد لوزارة الدفاع حصراً، وحظر استخدام أي رايات أو أعلام أو عبارات أو رموز أخرى غير مصرح بها، كما أكد أن الوزارة تتولى إعداد وتصميم شعارات رسمية خاصة بكل إدارة وفرقة عسكرية، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ صدور القرار.

التحديث الأبرز كان إصدار وزارة الدفاع مدونة تحوي على قواعد السلوك والانضباط العسكري لأفراد الجيش السوري والمنتسبين إلى الوزارة، الهدف منها تنظيم أداء وتصرفات الأفراد العسكريين على اختلاف رتبهم ومهامهم، سواء في أوقات السلم أو الحرب.

حظرت المدونة مخالفة الكثير من التصرفات على العسكريين، أبرزها: ضرورة الالتزام بالأوامر العسكرية ومنع عصيانها، وعدم التعدي على المدنيين أو ممتلكاتهم، أو ممارسة التمييز وإطلاق شعارات تمس الوحدة الوطنية. كما حظرت إساءة استخدام السلطة أو إهانة الموقوفين والمعتقلين، وإفشاء المعلومات العسكرية أو تصوير المواقع والعمليات دون إذنٍ مسبق، بالإضافة للإدلاء بتصريحات إعلامية دون وجود تفويض رسمي، أو الإخلال بالآداب العامة في المجتمعات التي تنتشر فيها القوات.

بذلك، تكون وزارة الدفاع في سوريا قد أعلنت وفق هذه التحديثات وما أطلقته من مدونة، أن التربية العسكرية التي تلقاها المقاتلون سابقاً في صفوف الفصائل التي كانت عبارة عن تشكيلات ثورية غير مدربة بشكل احترافي قد انتهت، وبزغ فكر ونهج جديد للمؤسسة فالثورة انتهت بعقليتها بعد سقوط النظام والآن الوجود للدولة وعقليتها.

الثغرات الناتجة عن التشكيلات الثورية في السابق، تُحل بوضع برامج الإعداد النفسي والمعنوي والفكري للمقاتلين والسير بها في وحداتهم العسكرية بعد أن هدأت المعارك وانتشرت الوحدات في أماكن عملها.

اقرأ أيضاً: ما السبيل لإنهاء الحالة الفصائلية وتشكيل جيش وطني في سوريا؟

عدد فرق الجيش السوري كمحصلة نهائية

توجد 22 فرقة ضمن الجيش الآن، تشكل كامل القوى البرية، إضافةً إلى القوى الجوية والقوى البحرية. توزعت الفرق البرية على المحافظات بمختلف أنحاء سوريا باستثناء ما تسيطر عليه “قسد”، نالت كل من ريف دمشق وحلب النصيب الأوفر من توزع هذه الفرق.

حسب المعرفات العسكرية الرسمية ومعلومات من مصادر عسكرية، نعرض تمركز الوحدات المقاتلة: تتمركز في حلب أربع فرق عسكرية نعرف منها: (الفرقة 60، الفرقة 76، الفرقة 80)، وفي إدلب فرقتان نعرف منها: (الفرقة 64 الفرقة)، وفي ريف دمشق: ثلاثة وهي: (الفرقة 44 الفرقة 70 الفرقة 90)، وفي درعا فرقة واحدة هي: (الفرقة 40)، وفي حماة فرقتان هما: (الفرقة 82 الفرقة 74 )، وفي طرطوس فرقة واحدة وهي: (الفرقة 56)، وفي اللاذقية فرقتان هما: (الفرقة 50 الفرقة 84)، وفي حمص فرقة واحدة هي: (الفرقة 52)، وفي دير الزور فرقتان هما: (الفرقة 86 الفرقة 66).

كما أن هناك معلومات تفيد بأن الوزارة قد بدأت مؤخراً بتأسيس فرقتين إضافيتين بريف دمشق مع تدريب عناصرهما على أسلحة متطورة مستقدمة من تركيا، بالتالي سيرتفع عدد فرق العاصمة وريفها إلى خمس فرق، كل ذلك لتأمين العاصمة بعد الاستهداف الإسرائيلي لهيئة الأركان في العاصمة دمشق.

يشاع وسط تأكيدات من مصادر سرية لبعض وسائل الإعلام المحلية، أن الخطة كانت عقب سقوط النظام هي الوصول بتعداد الجيش السوري الجديد إلى 300 ألف مقاتل، لكن شح الموازنة المخصصة للمؤسسة العسكرية وقفت كأكبر العوائق أمام جيش بهذا الرقم، لكن تعداد المؤسسة العسكرية بوضعها الراهن يتراوح بين 100 وحتى 125 ألف مقاتل.

ماذا ينقص الجيش في سوريا اليوم

بعد تدمير المقدرات والأصول العسكرية السورية من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، إذ بلغ عدد الطلعات الجوية الإسرائيلية منذ ليلة السقوط حتى اليوم ما يقارب ألف طلعة، ضَربت مقدرات الجيش وأهدافاً حيوية عسكرية متفرقة في دمشق والساحل السوري وحمص وحماه، بات هناك حاسة ماسة لمعدات عسكرية وقتالية.

مع سعي وزارة الدفاع السورية لضبط الفصائلية والتشكيلات غير المنضبطة في الجيش، تكون نصف المهمة المعنوية والعقائدية قد أنجزت، وفي حال تحققها بشكل كامل على أرض الواقع فعلاً تكون سوريا قد ضمنت وأعدت جيش وطني بهوية وعقلية وطنية يدافع عن السيادة ويحمي المدنيين. ليبقى النصف الشائك وهو المقاتلين الأجانب وتبعات وجودهم في سوريا وعن كيفية التعامل معهم، ومؤخراً فرض عقوبات دولية على قادة بعض التشكيلات العسكرية.

أما الشق اللوجستي، فسوريا اليوم بأمس الحاجة لمنظومة دفاع جوّي تكبح جماح الجنون الإسرائيلي بالقصف وتماديه بانتهاك السيادة الجوية لسوريا وتنفيذه ضربات معادية على دول عربية وصديقة كان آخرها ضرب الدوحة في دولة قطر. إلى جانب حصولها على أسلحة متطورة في مختلف المجالات العسكرية، وتوقيع معاهدات دفاع مشترك مع دول صديقة والتكاتف مع أي مشروع عربي عسكري يمكن أن يُولد لردع إسرائيل.

تحولات كبيرة في عقلية الجيش السوري بدأتها وزارة الدفاع، وتوّجهت لعقد شراكات عسكرية دفاعية مع التأكيد على سيادة سوريا، كل ما سبق هل يفضي لإنهاء حالة الفصائلية في البلاد حقاً؟

هذا سؤال مفتوح تجيبنا عليه الأيام.. تحديداً مع التفاوت في تسليم الفصائل لأصولها العسكرية وضمّها لوزارة الدفاع، بين فصيل وآخر. إضافةً لوجود ثلاث فرق كبيرة هي الفرقة: 44 والفرقة 70 التي يرأسها أبو حسين الأردني، والفرقة 90 أهم الفرق كونها بديل للحرس الجمهوري السابق والتي يرأسها مختار التركي، تضم ألوية وفصائل عسكرية ضخمة مثل جيش الإسلام التي كان لها امتداد لتشكيلات ثورية عملت سابقاً في المناطق خارج سيطرة النظام السابق. ليبقى سؤال مهم آخر حول مدى انفصال تلك الفصائل عن ارتباطاتها السابقة وانضوائها تحت لواء الدولة في سوريا؟… نأمل أن يتضح الجواب بشكل إيجابي مع فصول المراحل القادمة في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى