المجتمع السوري

وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك: ماركتينغ وعلم زائف

نشرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا منشوراً على صفحتها الرسمية على منصة “فيسبوك” تزعم فيه إعلانها عن “ابتكار مستخلص حيوي يعالج السرطان وأمراض فيروسية أخرى بنجاح”، لكنها حذفته بعد سيل من التعليقات المنتقدة لمثل هذا التصرف “التسويقي الزائف” من قبل جهة رسمية حكومية. المنشور جاء في صيغة دعائية خالياً كلياً من أي تفاصيل علمية أو بيانات موضوعية لدرجة يخيل للمرء أنه يتصفح صفحة تسويق إلكتروني لا صفحة رسمية لوزارة مَعنية بحماية المستهلك لا بترويج المنتجات له. المنشور نموذج فاقع عن “العلم الزائف” والتسويق غير المسؤول.

ما هو العلم الزائف ومدى انتشاره؟

العلم الزائف هو مجموعة من الادعاءات والممارسات التي يتم تقديمها في مظهر وقالب علمي، لكنها تفتقر إلى منهجية أو دليل تجريبي موثوق. تقوم بمجملها على لغة دعائية عاطفية لا أكثر مثل: “علاج سحري” أو “نتائج مذهلة”، عبارات براقة بدل أرقام وأدلة منشورة في أبحاث مُحكّمة.

العلم الزائف ينتشر بشكل واسع حول العالم، وخصصت له محطات تلفزيونية تبيع الوهم والأمراض لا العلاج، والآن ومع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي نراه منتشر بكثرة. العلم الزائف لا يزيف الحقائق فقط ويبيع الوهم، بل يتجار في مخاوف الناس ويستغل الأزمات الصحية ليصعد على ظهرها. عندما ظهرت جائحة كورونا ظهر معها العديد من المنتجات التي تقضي على الفيروس قبل نشأته حتى، وغزت منصات التواصل قبل التوصل إلى لقاح أو بدء الدراسات لذلك.

يتم استغلال رغبة الناس بالشفاء وتسويق منتجات وأفكار بلا أي أسس علمية. تكمن خطورة العلم الزائف الطبي في تضليل المرضى ودفعهم للتخلي عن العلاجات المُثبَتة، وإضعاف الثقة بالعلم نفسه.

اقرأ أيضاً: ثلث بضائع الأسواق السورية “سم في الدسم”: كيف يشتري المواطن الخطر بماله؟

ما المشكلة في تصرف وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك؟

  • فقدان المرجعية العلمية بشكل كلي

المنشور كان كلاماً مصفوفاً دعائياً بامتياز، خالي من اسم الباحث، أو المؤسسة العلمية التي طوّرت “المستخلص” حسب زعم “الوزارة”. كما أنه لا يوجد مجلة علمية محكمّة نُشرت فيها نتائج البحث. فكان على وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التنحي عن آلية التسويق قليلاً وإيجاد وقت كافي للبحث عن آلية قيام “العلم الحقيقي” وتقديمه، إن أرادت طرح فكرة منشورها بشكل منطقي علمي وسليم.

فالعلم الحقيقي يقوم على الشفافية وإتاحة البيانات للتحقق، بينما غاب كل ذلك عن منشور الوزارة التي تعتبر الجهة الرسمية “الساهرة” على حماية المستهلك من ضرر المنتجات المسوق لها بطريقة زائفة.

  • لا يوجد تفاصيل سريرية

حضرت النتائج السريرية من باب سياق الكلام، لتغيب تفاصيلها. من “البديهي” والمعلوم أن أي منتج يدّعي علاج السرطان أو الأمراض الفيروسية لا بد وأن يمر بمراحل طبية معروفة وفق ترتيب معين، تبدأ بالتجارب المخبرية، ثم دراسات على الحيوانات، ثم مراحل من التجارب السريرية البشرية ضمن إشراف هيئات طبية مستقلة.

“البوست” المنشور من قبل الوزارة “مريع علمياً “، إذ اكتفى بجملة فضفاضة تقول أن هناك “تجارب سريرية ناجحة” دون أي إشارة لمكانها أو تاريخها أو الجهة المشرفة عليها.

  • تسويق يضرب المنهج العلمي عرض الحائط

علينا أن نسأل الوزارة عن المنهج العلمي الذي استندت إليه أثناء نشرها المنشور، ماذا فعلت به؟ هل هو مضروب في عرض الحائط فقط أم تم نسيانه بشكل كلّي؟؟

الوزارة استخدمت في منشورها لغة دعائية مفرطة وعاطفية مثل: “نتائج مذهلة” و” إنقاذ حياة المرضى”، هذه عبارات فارغة فكيف يمكن لها أن تصدر عن جهة رسمية يفترض بأنّها محترفة، فالعلم لا يبنى على الانبهار والكلام البراق .. بل على الأرقام والأدلة والمراجعة، تماماً كالإحصائيات التي تقوم بها المكاتب التابعة للوزارة المذكورة عند ضبطها “للمنتجات الزائفة” المروج لها “كعلم زائف” في الأسواق. من يضبط الوزارة المسؤولة عن الضبط؟ وبالأحرى من يحميها مع المستهلك من المنتجات والعلم الزائفين؟

  • خطر التضليل على الصحة العامة

لم تنتبه الوزارة لغياب المنهج العلمي .. حسناً، لكن كيف غاب عنها الحفاظ على الصحة العامة والشق الثاني من اسمها “حماية المستهلك” أليست حمايته من ضمن أهداف الصحة العامة وتحقيقاً لها؟!. التسويق لهذا المنتج بوصفه “علاج سحري” للسرطان دون سند علمي قد يدفع ببعض البسطاء من المرضى لترك العلاجات المُثبتة علمياً (كالكيماوي ، الإشعاع) وغيرها، من أجل وهم لا يستند إلى دليل بل هو بمثابة تهديد مباشر لصحة الناس وحياتهم. فقط لمجرد نشره من مصدر موثوق كمصدر الوزارة.

اقرأ أيضاً: الأسواق السورية بين الاقتصاد الحر وفوضى الأسعار.. غياب للرقابة وتبريرات من المسؤولين

مسؤولية الوزارة عن الخطأ وتجنب الوقوع به مستقبلاً

صدور هكذا أمر من قبل جهة رسمية معيب جداً، العلم الزائف موجود ومنتشر ويسوّق له، لكن الطامة الكبرى هو أن تكون معرفات الجهات الرسمية “الوزارية” أحد منابر هذا التسويق الكارثي، وهو ما يدفعنا لعدم استبعاد أن يكون المنشور بحد ذاته نوع من أنواع الفساد.

الوزارة بصفتها جهة رسمية من المفترض أن تكون حامية للمستهلك من أنواع التضليل التجاري، لا أن تتحول بنفسها إلى مرّوج رئيسي لادعاءات بلا أي تحقق من مصدرها. ما فعلته وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا لا يرقى حتى إلى مستوى “خبر غير موثوق” بل هو “تسويق كاذب” بشكل فاضح. وربّما علينا ليس فقط مسائلة وزارة التجارة، بل كامل السلسلة التي أدت لعرض مثل هذا المنتج في المعرض.

تصرف الوزارة لا يسيء لسمعتها فقط بل ينسف ما تبقى من ثقة للمواطن بالمؤسسات التابعة للدولة. هل يعقل ومن المنطق أن الجهة المسؤولة عن حماية المستهلك هي نفسها من يضلله؟ من يحميه إذن؟

منشور كهذا مخجل ومعيب، يجب أن يخضع للتحقيق والمتابعة بشكل فوري. نشر ادعاءات طبية غير مثبتة عبر صفحة رسمية يحمّل الوزارة مسؤولية مباشرة عن التضليل، ويندرج تحت بند التقصير الأخلاقي والمهني من قبل الشخص الذي أقرّ نشره أو الجهة التي أوعزت بذلك.

المسؤولية تقع أولاً على فريق الإعلام في الوزارة الذي سمح بتمرير محتوى بلا أي تحقق من صحته، فما بالك محتوى علمي لا يتم تدقيقه أقلها الرجوع إلى المصدر ووضعه. كما تقع المسؤولية على الجهة المسؤولة عن عرض هذا المنتج وتقديم المعلومات للفريق الإعلامي لنشرها، فهي لم تضع آليات مراجعة صارمة قبل النشر، ولم تتحقق من المعلومات كما هو متضح قبل الإيعاز بنشرها، وإن كانت “متحققة من صحة المعلومات” فإن عدم نشر مراجع لها يعتبر تقصير مهني وعدم توضيح للحقائق.

لتجنب تكرار مثل هذه الأخطاء مستقبلاً، يجب اعتماد آلية واضحة من قبل الوزارة قائمة على التحقق من أي معلومة من خلال لجان علمية متخصصة، والاستناد بشكل حصري وقطعي على أبحاث منشورة في مجلات علمية محكّمة، والامتناع عن استخدام لغة دعائية في المواضيع الطبية التي لا تطرح إلاّ برفقة أرقام وأدلة لا بكلام براق. الأهم كذلك في معرض الآلية التي يجب اتباعها أن تدّرب الكوادر الإعلامية على التمييز بين المعلومة العلمية والادعاءات “المزيفة”. فالسقطة التي حصلت بهذا المنشور على المعرفات الرسمية لجهة حكومية فاعلة يسيء لمصداقيتها ويمس بصحّة مواطني الدولة.

بالمحصلة، الوزارة ملزمة بتوضيح عن حيثيات نشر المنشور على معرفاتها الرسمية فهو ماس بشكل مباشر بالصحة العامة ويشكل خطراً عليها، وعلى الوزارة ترك “مهنة التسويق” الجديدة على جدول أعمالها والالتفات للأسواق السورية وضبطها وضبط المنتجات الأجنبية فيها التي باتت تغزوها والتأكد من صلاحية استهلاكها، إلى جانب العمل على تدريب كوادرها الإعلامية بشكل جيد على استخدام “السوشال ميديا” وصناعة المحتوى بدلاً من التحول لبلوغرية يهمهم الربح وحسب.

من اللافت أنّ صفحة الوزارة قد حذفت منشورها بعد نشرنا لهذا المقال، والسبب على الأرجح هو كمية السخرية والهجوم التي تعرضت له.

منشور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى