ورق العنب في الحسكة.. مونة الصيف التي تتحدى الغلاء

بقلم: ريم ريّا
مع حلول فصل الصيف، تستقبل أسواق وبساتين الحسكة أحد أكثر المواسم رسوخاً في تقاليد الطهي المحلية، موسم ورق العنب. فبين كروم العنب الممتدة على ضفاف نهر الخابور والأسواق النابضة بالحياة، يتجلى مشهد مألوف لدى السكان المحليين منذ عقود، ورق العنب الطري يصبح جزءاً أساسياً من مؤنهم الشتوية، وتقليداً اجتماعياً متوارثاً عبر الأجيال.
ورغم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي واجهتها المنطقة في السنوات الأخيرة، يحتل هذا الموسم مكانة خاصة في قلوب العائلات، التي ترى في حفظ ورق العنب أكثر من مجرد عادة طهي، إنه تقليد سنوي يعكس ارتباطهم الوثيق بالأرض، وبيوتهم، ومائدة العائلة.
موسم ورق العنب في الحسكة أنعشته الأمطار
يبدو هذا الموسم أفضل من المواسم السابقة، بفضل الأمطار الغزيرة التي هطلت الشتاء الماضي، والتي حسّنت نمو الكروم ورفعت جودة المحصول. وقد انعكس ذلك على حجم وجودة الأوراق، مما مكّن المزارعين من تعويض بعض الخسائر التي تكبدوها خلال سنوات الجفاف وشح المياه.
ويؤكد المزارعون في ريف الحسكة أن الأمطار ساهمت في تحسين الإنتاج الزراعي عموماً. ومع ذلك، لم تختفِ التحديات تماماً. فما زالت التكاليف الباهظة للأسمدة والمبيدات ومستلزمات الري تشكل عبئاً إضافياً على أصحاب البساتين، الذين يسعون جاهدين للحفاظ على الإنتاج في ظل ظروف صعبة.
اقرأ أيضاً: موسم استثنائي للشعير في الحسكة.. أرقام قياسية تنعش الزراعة والثروة الحيوانية
الغلاء يغيّر عادات الشراء في عموم سوريا
على الرغم من وفرة المحصول هذا العام، إلا أن ارتفاع الأسعار فرض واقعاً جديداً على المستهلكين. فالعديد من العائلات التي اعتادت شراء كميات كبيرة لتخزينها لفصل الشتاء، باتت تكتفي الآن بكميات أقل تتناسب مع ميزانياتها. لا يعكس هذا التحول انخفاضاً في أهمية ورق العنب لدى السكان المحليين، بل يعكس الضغوط الاقتصادية التي أجبرت العائلات على إعادة ترتيب أولوياتها وخفض إنفاقها. ومع ذلك، لا يزال الطلب قوياً، إذ يسعى الكثيرون لتأمين احتياجاتهم السنوية الأساسية، معتبرين ورق العنب جزءاً لا يتجزأ من مؤنهم الشتوية.
لا تقتصر أهمية ورق العنب على قيمته الاقتصادية والغذائية فحسب، بل يحمل أيضاً بُعداً اجتماعياً وثقافياً بارزاً في محافظة الحسكة. فموسم الحصاد غالباً ما يكون مناسبةً لتجمع العائلات والجيران، حيث تُغسل الأوراق وتحضّر وتحفظ وفقاً للطرق التقليدية المتوارثة عبر الأجيال. وتستمر هذه العادات رغم تغير أنماط الحياة، إذ لا تزال العديد من النساء يعتبرن تحضير ورق العنب جزءاً من استعداداتهن الشتوية، تماماً كما يفعلن مع البرغل والمربى والمكدوس (الباذنجان المخلل) وغيرها من الأطعمة الأساسية في المنزل السوري.
الخابور.. شريان الحياة الزراعية
يرتبط نجاح موسم حصاد العنب ارتباطاً وثيقاً بتوافر المياه من نهر الخابور، الذي يُعدّ مصدراً حيوياً للعديد من بساتين المنطقة. وقد عانت هذه البساتين من جفافٍ ممتدّ في السنوات الأخيرة، مما أثّر سلباً على الإنتاج الزراعي، وأجبر المزارعين على الاعتماد بشكل أكبر على الآبار ومصادر الريّ الأخرى المكلفة. ومع ذلك، فقد بثّ التحسّن النسبي الملحوظ هذا الموسم بعض التفاؤل لدى المزارعين، الذين يعتقدون أن استقرار القطاع الزراعي يتطلب دعماً أكبر لمدخلات الإنتاج، وإدارةً أفضل لموارد المياه، لضمان استدامة الزراعة في المنطقة.
في نهاية المطاف، يُعدّ موسم أوراق العنب في الحسكة أكثر من مجرد موسم زراعي عابر. فهو يُمثّل علاقةً وثيقةً بين الناس والأرض، وبين التقاليد الغذائية والهوية المحلية. فبينما تتغير الظروف الاقتصادية وأنماط الحياة، تبقى أوراق العنب عنصراً أساسياً على موائد السكان المحليين وفي مخازنهم، شاهدةً على صمود التراث الشعبي وقدرته على التكيف مع التغيير.
ومع استمرار موسم الحصاد في بساتين الخابور، تتجدد حكاية هذا الموسم صغير النطاق، ولكنه ذو قيمة اجتماعية واقتصادية عظيمة كل عام، مانحةً شعوراً بالسكينة قبل حلول الشتاء، ومُخلّدةً ذكريات المواسم الماضية في قلوبهم.









