أعمال واستثمار

ورق العنب الفرنسي في اللاذقية.. منافس جديد للبلدي أم خيار مختلف؟

بقلم: ريم ريّا

لم يعد ورق العنب المحلي التقليدي (البلدي) هو النجم الوحيد للموسم في مزارع الساحل السوري، فقد برز في السنوات الأخيرة ما يعرف محلياً “بورق العنب الفرنسي” وفرض حضوره بقوة في أسواق اللاذقية، مدفوعاً بارتفاع الطلب والعوائد الاقتصادية المجزية. ومع توسع زراعته، تباينت آراء المستهلكين، إذ يراه البعض خياراً ممتازاً لأطباق ورق العنب المحشو (المحاشي) نظراً لنعومة الأوراق وسهولة لفها، بينما يرى آخرون أن نكهته أقل تميزاً مقارنة بالصنف المحلي الذي زين الموائد السورية لعقود. فهل يختلف الصنفان اختلافاً جوهرياً؟ ولماذا أصبح الصنف الفرنسي منافساً قوياً للصنف المحلي؟

ورق العنب الفرنسي في اللاذقية.. منافس جديد أم خيار مختلف؟

يشهد ريف اللاذقية توسعاً في زراعة ورق العنب الفرنسي، وهو تحول يعكس تغيراً في ديناميكيات السوق وليس استبدالاً للصنف المحلي. ووفقاً لمديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في المحافظة، بلغت المساحة المزروعة بهذا الصنف نحو 4500 دونم، ويعمل في زراعته قرابة 1600 مزارع. وتتزايد المساحات المزروعة عاماً بعد عام، مدفوعةً بالطلب المحلي والدولي المتزايد على هذا المحصول. والسؤال المطروح: هل ورق العنب الفرنسي هو نفسه الصنف المحلي؟

الإجابة المختصرة هي: لا. رغم أن كلاهما يستمد من كروم العنب، إلا أن الصنف الفرنسي ليس من أصناف العنب المحلية المعروفة في سوريا،  بل هو صنف محدد أو هجين يزرع أساساً من أجل أوراقه وليس ثماره. يتميز هذا الصنف بأوراق رقيقة وناعمة ومرنة، في حين يتميز الصنف المحلي (البلدي) بأوراق أكثر سماكة وكثافة، وبنكهة يعتبرها الكثيرون أقوى وأكثر تميزاً. وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار الصنف الفرنسي بديلاً مطابقاً للصنف المحلي، بل هو صنف مستقل يلبي احتياجات سوقية مختلفة، لا سيما في مجالات التصنيع الغذائي والتصدير.

اقرأ أيضاً: التبغ “ذهب الساحل” بين رياح الأزمات وأوتاد الخصخصة .. هل من مُستقر؟

لماذا يشيد البعض بورق العنب الفرنسي؟

يرى العديد من المزارعين وأصحاب المطاعم ومنتجي المحاشي أن الصنف الفرنسي يتمتع بعدة مزايا عملية. ومن أهم مزايا هذا الصنف سهولة لفه ومقاومته للتمزق أثناء عملية الحشو، فضلاً عن ملمسه الناعم وحجمه المتناسق، وهي خصائص توفر الوقت والجهد في المطابخ المنزلية والتجارية على حد سواء. كما يتميز الصنف بإنتاجية عالية، إذ تعطي الكرمة الواحدة ما بين 1.5 و3 كيلوغرامات في الموسم الواحد بعد بلوغها سن الرابعة. ومع كثافة زراعية تتراوح بين 120 و200 كرمة في الدونم الواحد، فإن العائد الاقتصادي للمزارعين يفوق ما تحققه العديد من الأصناف التقليدية.

ولكن، لماذا يشتكي البعض منه؟. على العكس من ذلك، يفضل الكثير من السوريين الصنف المحلي، لأن المذاق وليس مجرد سهولة الاستخدام ، هو العامل الحاسم لديهم. ويشير منتقدو الصنف الفرنسي إلى أن نكهته أقل حدة ويفتقر إلى الرائحة المميزة التي تضفيها الأوراق المحلية على أطباق المحاشي. كما يرى بعض المستهلكين أن قوامه الرقيق يجعله يلين أكثر من اللازم عند الطهي الزائد، في حين يحافظ الصنف المحلي على تماسكه وبنيته بشكل أفضل.

ويؤكد خبراء الطهي أن الفرق لا يتعلق بالجودة بقدر ما يتعلق بذائقة المستهلك والوصفات المحددة، فالأطباق التقليدية تعتمد غالباً على الأوراق المحلية، بينما يعد الصنف الفرنسي مناسباً للإنتاج التجاري واستخدام المطاعم.

توسع الزراعة بدافع الربح

لا تزال العوامل الاقتصادية المحرك الرئيسي لهذا التحول، فقد ارتفع متوسط ​​سعر الكيلوغرام من ورق العنب “الفرنسي” بما يتراوح بين 200 و220 ليرة سورية هذا الموسم مقارنة بالموسم الماضي، بالتزامن مع تحسن الإنتاج بفضل توفر مياه الري. كما ساهمت مراكز التجميع في القرى في تسهيل عمليات الفرز والتعبئة والتمليح قبل نقل المنتج إلى الأسواق المحلية أو تصديره إلى دول الخليج، مما خلق المزيد من فرص العمل الريفية في مجالات الفرز والتعبئة والنقل.

يرى المهندسون الزراعيون أن التوسع في زراعة العنب “الفرنسي” لا يعني بالضرورة اختفاء الصنف المحلي. ومع ذلك، فإن التحول الكامل نحو الصنف الفرنسي قد يؤدي إلى تراجع الأصناف المحلية وفقدان جزء من التنوع الزراعي والتراث الطهوي للساحل السوري. ونتيجة لذلك، يدعو الخبراء إلى تحقيق توازن بين الصنفين، من خلال تخصيص أراضٍ للإنتاج التجاري للأوراق “الفرنسية” مع الحفاظ في الوقت ذاته على زراعة العنب المحلي، التي تشكل جزءاً حيوياً من الهوية الزراعية والطهوية لسوريا.

بين السوق والذاكرة

قصة ورق العنب الفرنسي في اللاذقية ليست منافسة بين “جيد” و”سيئ”، بل بين احتياجات السوق والذوق التقليدي. فالفرنسي نجح في جذب المزارعين بفضل مردوده الاقتصادي وسهولة تسويقه، بينما لا يزال البلدي يحتفظ بمكانته لدى كثير من الأسر التي ترى أن نكهة المحشي الأصيلة لا تكتمل إلا بأوراقه. وبين هذا وذاك، يبدو أن الصنفين سيستمران معاً، كلٌ منهما يخدم شريحة مختلفة من المستهلكين، ويعكس تغيراً في الزراعة دون أن يلغي الإرث الذي صنعه العنب البلدي عبر أجيال.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى