هوس التجميل في سوريا..رفاهية كاذبة تخفي ضغوط اقتصادية واجتماعية

بقلم: هلا يوسف
طغت عمليات التجميل على المجتمع السورية بطريقة مرعبة، حتى أصبحت ضمن ضروريات الحياة بالنسبة للبعض، وعلى الرغم من أنه يهذب الشكل ويعطي لمسة جمالية للأشخاص المحتاجين لهذه اللمسة، إلا أن البعض ذهب فيه لحد الإدمان والهوس، فمن الطبيعي أن يوجد بشكل الإنسان نواقص جمالية، ومن ناحية أخرى يدور تساؤل في ذهن أي شخص بعيد عن هذه الإجراءات التجميلية، بأنه كيف لمجتمع يعاني من حروب وواقع اقتصادي ضعيف أن يصرف مبالغ على التجميل؟ وهل لهذا الأمر تأثيرات نفسية؟ في هذا المقال سنناقش الأمر من هذه الجوانب.
انتشرت عمليات التجميل في سوريا بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وبالرغم من التفاوت الطبقي، والضائقة الاقتصادية التي يعيشها معظم الشعب السوري المصنف بأغلبيته تحت خط الفقر، إلا أن مراكز التجميل تكاد لا تخلو من الزبائن، وتشكل هذه المفارقة محور اهتمام لدى الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين الذين يقترحون لها تفسير.
واقع التجميل في سوريا
على الرغم من أن الجراحة التجميلية هي اختصاص موجود في كلية الطب، ويدرس فيه الطالب سنوات طويلة، إلا أن القوانين في سوريا جعلت من التجميل “مهنة اللي ما الو مهنة”، فيكفي لطالب تخرج من كلية الصيدلة أو أحد أفرع الطب الأخرى، أو حتى من درس الكيمياء، أن يقوم بدورة حول طريقة حقن البوتوكس والفيلر حتى يستطيع مزاولة المهنة. وإذا أردنا أن نرى الواقع بعين الحقيقة أكثر فالصالونات المختصة بالشعر والمكياج أصبحت تحقن البوتوكس والفيلر لكن بدون ترخيص.
وبحسب موقع الإندبندنت، أحياناً تكون كلفة عيادات التجميل مرتفعة جداً، فمثلاً وصلت تكلفة إنشاء أحد المراكز في مدينة حمص إلى نحو 10 مليارات ليرة سورية (قرابة 700 ألف دولار)، لكن هذا لا يعني أن جميع المراكز تكلف المبلغ نفسه، فالكلفة تختلف بحسب تجهيزات ومستلزمات كل عيادة.
وبسبب هذه الأرقام الكبيرة، يعجز كثير من الأطباء عن الاستثمار بمفردهم، فيلجأ بعضهم إلى تأجير شهاداتهم للراغبين بفتح مراكز تجميل، وهو أمر غير قانوني لكنه شائع، إذ يمكن أن يبدأ إيجار الشهادة من مليوني ليرة سورية شهرياً (حوالي 150 دولاراً) أو بنسبة من الأرباح تصل إلى 20%.
المشكلة أن بعض هذه المراكز يعمل بشكل مخالف للقوانين والمعايير الطبية، بينما عدد قليل منها يلتزم بالشروط المطلوبة، ما يؤدي أحياناً إلى نتائج سلبية على الزبائن بسبب ضعف الرقابة وقلة الاختصاص، ومع ذلك، ليس جميع المراكز على هذا النحو، فالمراكز التي ينجح أطباؤها في تقليل الأخطاء تزداد شهرتهم وتلقى إقبالاً أكبر.
الإعلانات ساهمت في الانتشار
ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لهذه الاجراءات والعمليات التجميلية التي أصبحت معظم المعلومات عنها متوفرة ومن مصادرها، بالإضافة إلى الضخ الإعلاني لمركز أو طبيب تجميلي يجعلهم محور اهتمام الفتيات المقبلات على هذه الاجراءات التجميلية، طبعاً عدا عن المنافسة في التعليقات بين زبائن طبيب وآخر، فيكفي أن يطرح سؤال حول أفضل طبيب يجري عملية تجميلية معينة حتى ترى كمية التعليقات التي تنهال على المنشور.
وبحسب مصادرنا فإن العديد من الأطباء يشترون متابعين للترويج لهم بطريقة تشبه تماماً التسويق، فيكفي لطبيب أن يلجأ لفتيات يطرحن اسمه في أي منشور يتحدث عن التجميل، وطبعاً يأخذن نسبة عن كل فتاة تأتي عن طريقهم، عدا عن الترويج لصور تحتوي على اجراءات تجميلية لا تعود لنفس اسم الطبيب المقترح.
التجميل ليس حكراً على النساء وليس له عمر محدد
لا تقتصر الاجراءات التجميلية وزيارة مراكز التجميل على النساء فقط، بل أصبح الرجال أيضاً يقبلون على مختلف الإجراءات التجميلية مثل العناية بالبشرة، حقن البوتوكس، إزالة الشعر، وحتى بعض العمليات الجراحية.
وبحسب خبراء التجميل فإن الكثير من العاملين في مجال الفن والإعلام من الرجال يلجؤون لإخفاء تجاعيد الوجه والجبين، كما أن تحديد شكل الذقن بالليزر أصبح شائعاً بين الشباب، إلى جانب إقبال عدد كبير منهم على عمليات ربط المعدة.
وتوضح الطبيبة سعيد أن الرجال في السنوات الأخيرة أصبحوا يهتمون بمظهرهم لأسباب مشابهة للنساء، حيث يعتبرون أن الجاذبية ترتبط بإخفاء الشيب والتجاعيد، كما أن بعض الزوجات يشجعن أزواجهن على إجراء عمليات تجميلية، خاصة عند وجود فرق في العمر بينهما.
أما من ناحية الأعمار، فلم يعد استخدام البوتوكس أو نفخ الشفاه مرتبطاً بفئة عمرية محددة، إذ حتى الفتيات بعد سن الثامنة عشرة أصبحن يرتدن مراكز التجميل لإجراء الحقن أو للعناية بالبشرة وتفتيح لونها.
الإجراءات التجميلية بين الإدمان وتحسين المظهر
على الرغم من أن الهدف من أي اجراء تجميلي تحسين المظهر بشكل عام، إلا أن بعض الفتيات يذهبن للمبالغة فيه، فتقول نور وهي موظفة في القطاع الخاص: التجميل إدمان، من جربه مرة سيكرره كل بضعة أشهر”، وأكدت أن “التجميل معد، لم أكن أفكر يوماً أنني سأقوم بأي اجراء تجميلي لأني بحسب محيطي مقبولة جمالياً، ولكن حين رأيت عملية تجميل الأنف والفيلر الذي قامت به صديقتي ورأيت كيف تغير شكلها، وكأنها عادت بالعمر 10 سنوات إلى الوراء، لم أستطع المقاومة”، وتضيف “اليوم أحقن الفيلر في فمي كل ستة أشهر، وأدخر أموالاً لأقوم بهذا الأمر، لم أعد أستطيع التخلي عنه، في اللحظة التي تدخل فيها عيادة التجميل للمرة الأولى، تكون كمن تعاطى جرعة مخدر وأدمنها”.
وتتنوع الاجراءات التجميلية بين البوتوكس والفيلر لتخفيف التجاعيد، والتقشير الضوئي والمائي، والخضوع لأشعة ليزر، أو الأشعة تحت الحمراء لتحفيز الأنسجة، والتدليك العلاجي، والتنبيه الكهربائي للأعصاب وغيرها، وصولاً العمليات تجميل الثدي ونحت الجسد وتكسير الدهون، عدا عن حقن الوجه لتحقيق النضارة للبشرة والديرمابن والميزو ثيرابي.
وتبدأ الكلفة من حدود 400 ألف ليرة (27 دولاراً أميركياً) وصولاً إلى ملايين الليرات بحسب ما هو مطلوب، وأحياناً تتم جلسة التجميل الواحدة بمزج تقنيات عدة، مثلاً بوتوكس وفيلر وتقشير، ويمكن تنويع الخيارات تبعاً للإجراء المستهدف.
رأي خبراء النفس والسلوك..ونظرية تأثير قلم الحمرة
توضح الطبيبة النفسية غالية سعيد أن الإقبال الكبير على مراكز التجميل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة يعود إلى أسباب نفسية وأخرى اجتماعية.
فمن الناحية النفسية، يرتبط الأمر بضعف الثقة بالنفس، أو رفض تقبل التغيّر والتقدم في العمر وما يرافقه من انعكاسات على الشكل الخارجي، أما من الناحية الاجتماعية، فغالباً ما يكون الدافع هو الخوف من الانتقادات أو التعليقات السلبية التي قد تواجهها بعض النساء بسبب مظهرهن، سواء على شكل “نصيحة” أو انتقاد مباشر.
وتضيف أن للفنانين والمؤثرين على وسائل التواصل دوراً كبيراً في تعزيز فكرة أن التجميل أمر ضروري لا مفر منه، وترى أن الاهتمام بالجمال أمر طبيعي ومطلوب، لكن يجب ألا يتحول إلى هوس يومي يؤدي إلى نتائج متشابهة ومبالغ فيها، بل قد يصل إلى مرحلة مرضية تحتاج لعلاج ودعم نفسي.
أما المتخصص في علم النفس السلوكي مؤيد مدنية فيشير إلى أن لجوء ذوي الدخل المحدود إلى هذه المراكز يمكن تفسيره برغبتهم في إيجاد منفذ للسعادة أو لرفع ثقتهم بأنفسهم، حتى لو بشكل مؤقت، تماماً كما ينفق البعض أموالهم على المقاهي، وهذا ما يفسر أيضاً حرص البعض على التباهي بعمليات التجميل التي خضعوا لها وبأسماء الأطباء المشرفين عليها.
ويرى خبراء أن هذه الظاهرة يمكن ربطها بما يسمى “تأثير قلم الحمرة”، فخلال الأزمات الاقتصادية، وعندما يصبح شراء بيت أو سيارة أو السفر رفاهية صعبة المنال، يلجأ الناس إلى خيارات أبسط تمنحهم شعوراً بالرضا، مثل شراء مستحضرات تجميل أو إجراء تغييرات في مظهرهم، وقد صاغ هذا المصطلح “ليونارد لاودر”، رئيس شركة “إستي لودر” عام 2001، عندما لاحظ أن مبيعات أحمر الشفاه ارتفعت بنسبة 11% رغم الأزمة الاقتصادية آنذاك.
عرب وأجانب يلجؤون لسوريا للقيام بالتجميل
أصبحت سوريا ملجأ لكل الراغبين بالقيام بعمليات تجميل، فقد تزايد عدد الزوار العرب إلى دمشق لإجراء عمليات التجميلعمليات التجميل، وخاصة من لبنان والعراق، ويعود ذلك إلى انخفاض أجور الأطباء واليد العاملة في سوريا مقارنة بالدول الأخرى، إضافة إلى اعتماد المراكز على كثرة المراجعين لتحقيق الأرباح.
ويرى أطباء التجميل أن تعافي البلاد من آثار الحرب وعودة الاستقرار سيسهم في جذب المزيد من الراغبين بما يعرف بـ”السياحة التجميلية”، خصوصاً أن الأطباء السوريين يتمتعون بخبرة وكفاءة معروفة خارج البلاد.
كما يؤكد الأطباء أن نجاح سوريا في استقطاب هذا النوع من السياحة يعتمد على توفير بيئة اقتصادية وسياحية مناسبة، وتقديم التسهيلات الحكومية اللازمة، مما قد يساعد في دعم الاقتصاد المتضرر من الحرب والعقوبات.
اقرأ أيضاً: المعرض الدولي الخامس للصناعات التجميلية 2025









