هل ينتصر المواطن على قرار الكهرباء الحكومي في المحكمة؟

بقلم هلا يوسف
لم يعد مشهد الشارع السوري يحتاج إلى كلام بقدر ما هو بحاجة لتحرك يضمن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. وعلى الرغم من غلاء المواد الأساسية تبقى فواتير الكهرباء الأغلى بالنسبة للمواطنين. وتحولت الطوابير من الغاز إلى مؤسسات الكهرباء في المحافظات لتقديم اعتراض على أسعار الفواتير. هذا عدا عن الأخطاء فيها، فتخيل يا عزيزي المواطن أن تذهب لتقدم اعتراض على فاتورتك البالغة مئات الألوف لتأتي النتيجة برفعها للملايين! كل ذلك ساهم في بناء حالة قانونية قدمها أحد المحامين في دمشق كأول إجراء قضائي ضد قرار رفع أسعار الكهرباء، لكن هل من الممكن أن “ينتصر” المواطن على الحكومة؟ وهل هناك سوابق لهذه الخطوة في الدول العربية أو الغربية؟ هذا ما ستتعرف عليه في هذا المقال.
شهدت دمشق مؤخراً تحركاً قانونياً لافتاً بعد رفع دعوى قضائية تتعلق بقرار زيادة أسعار الكهرباء، وهو قرار أثار منذ صدوره اعتراضاً كبيراً بين المواطنين بسبب تأثيره المباشر على تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تشهدها البلاد.
حيث تقدم المحامي باسل سعيد مانع في دمشق بدعوى أمام محكمة البداية المدنية، مستهدفاً قرار رفع التعرفة الكهربائية الصادر عن وزارة الطاقة، إذ طالب بإلغائه ووقف العمل به. وجاء في مضمون الدعوى أن القرار يمس شريحة واسعة من المواطنين بشكل مباشر، وأن العلاقة بين المستهلك والجهة المزودة للخدمة يمكن اعتبارها “عقد إذعان”، أي أن المواطن لا يملك خياراً حقيقياً سوى الالتزام بالشروط المفروضة عليه. وتشير الدعوى إلى القرار رقم 687 الصادر بتاريخ 30 تشرين الأول 2025، والذي نص على تعديل أسعار الكهرباء.
ومن النقاط اللافتة في هذا التحرك القانوني أن المحامي اختار التوجه إلى القضاء المدني بدلاً من القضاء الإداري، وبرر ذلك باحتمال أن ينظر إلى القرار باعتباره من القرارات التنظيمية العامة، مما قد يؤدي إلى رد الدعوى من الناحية الشكلية إذا تم رفعها أمام القضاء الإداري.
كما دعا المحامي المواطنين الذين تأثروا بارتفاع فواتير الكهرباء، وخاصة من لديهم فواتير رسمية بأسمائهم، إلى الانضمام إلى الدعوى، مع إعلانه الاستعداد للتوكل عنهم دون مقابل، بهدف توسيع نطاق هذا التحرك القانوني ليشمل أكبر عدد ممكن من المتضررين.
هل يمكن للقضاء فعلاً إلغاء قرار مثل رفع الأسعار؟
لفهم الصورة بشكل مبسط، يجب التفريق بين نوعين من الأحكام، فإذا قررت المحكمة الإدارية إلغاء قرار حكومي مثل رفع أسعار الكهرباء، يتم إلغاؤه بشكل كامل ويمنع تطبيقه على أي مواطن، وليس فقط على الشخص الذي رفع الدعوى، أما إذا كانت الدعوى تتعلق بتعويض شخص تضرر من القرار، فإن الحكم يكون شخصياً ولا يستفيد منه الآخرون.
هذا يعني أن نجاح دعوى من هذا النوع لا يخص فرداً واحداً فقط، بل قد ينعكس على جميع المواطنين إذا قضى الحكم بإلغاء القرار نفسه.
في بعض الحالات، يحاول بعض المدعين اللجوء إلى القضاء المدني بدل الإداري، ليس لأن هذا هو الاختصاص الطبيعي، بل لأنهم يعتقدون أن القضاء المدني قد يتعامل مع الدعوى من زاوية مختلفة، مثل اعتبار العلاقة “تعاقدية” أو مطالبة بتعويض بدل الإلغاء المباشر.
لكن المشكلة هنا أن القضاء لا ينظر إلى اسم الدعوى، بل إلى حقيقتها القانونية. فإذا كانت الدعوى في جوهرها طعناً بقرار حكومي، فإنها تعتبر قضية إدارية حتى لو رُفعت أمام محكمة مدنية. وفي هذه الحالة، غالباً ما ترفض المحكمة الدعوى بحجة عدم الاختصاص، أو تحيلها إلى القضاء الإداري.
كيف تعاملت دول أخرى مع قضايا مشابهة؟
من المؤكد أن الخطوة التي تقدم بها المحامي ضد قرار الكهرباء ليست حالة نادرة، بل في جعبة الدول العربية وحتى الغربية الكثير من القضايا المشابهة، والتي انتصر في بعضها المواطن على قرارات حكومية، وخسر القضية في بعضها الآخر. حتى في بعض الدول كان لملاحقة بعض القرارات دورٌ في تغيير مسار الدولة برمتها. لتُظهر هذه القضايا كيف يمكن للقضاء أن يكون ساحة للنقاش حول حدود سلطة الدولة، وإن كان تأثيره يختلف من دولة إلى أخرى بحسب النظام القانوني وطبيعة الحكم.
فمثلاً في مصر، شهد عام 2012 رفع دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري في القاهرة من قبل محامين ومركز حقوقي، طعنوا فيها بقرار حكومي يقضي برفع أسعار الكهرباء بنسبة تقارب 7%. وجاءت الدعوى على أساس أن القرار يفتقر إلى العدالة الاجتماعية، وأنه لم يراعِ الفئات محدودة الدخل، إضافة إلى أنه يمثل عبئاً إضافياً على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية. إلا أن المحكمة انتهت إلى رفض الدعوى، معتبرة أن مثل هذه القرارات تندرج ضمن صلاحيات الحكومة في إدارة السياسة الاقتصادية وتحديد أسعار الخدمات العامة.
ولم تكن هذه الحالة استثناءً، إذ تتكرر في دول عربية أخرى قضايا مشابهة تتعلق بالطعن في قرارات إدارية تخص الخدمات أو التوظيف أو الدعم، وغالباً ما تتعامل معها المحاكم باعتبارها جزءاً من “السياسات العامة” التي تملك الدولة سلطة تقديرها، حتى وإن كان لها أثر مباشر على حياة المواطنين.
لكن الصورة تصبح أكثر عدالةً عند النظر إلى تجارب دول أخرى خارج العالم العربي، حيث لعب القضاء أحياناً دوراً كبيراً في التأثير على السياسات العامة. ففي الولايات المتحدة، تعد قضية Brown v. Board of Education من أبرز الأمثلة التاريخية، إذ أصدرت المحكمة العليا حكماً بالإجماع أنهى نظام الفصل العنصري في المدارس العامة، بعد أن اعتبرت أن الفصل بين الطلاب على أساس العرق يتعارض مع مبدأ المساواة في الحماية الذي يكفله الدستور. وقد شكل هذا القرار نقطة تحول كبيرة لم تقتصر على التعليم، بل امتد أثرها إلى المجتمع الأمريكي كله وأسهمت في تعزيز حركة الحقوق المدنية فيما بعد.
وفي الواقع لم تأتِ هذه القضية من فراغ، بل سبقتها جهود قانونية طويلة قادتها منظمات حقوقية وأهالي الطلاب المتضررين الذين رفضت المدارس الحكومية تسجيل أبنائهم في مدارس البيض. وبعد سلسلة من الدعاوى في محاكم الولايات، وصلت القضية إلى المحكمة العليا التي نظرت في مجموعة قضايا موحدة، وانتهت إلى القرار التاريخي الذي غير مسار السياسات العامة في البلاد.
أما في أوروبا، فهناك أيضاً نماذج حديثة تؤكد أن القضاء يمكن أن يتدخل في قضايا كبرى تتعلق بالسياسات العامة. ففي قضية Urgenda Foundation v. State of the Netherlands، ألزمت المحكمة العليا الهولندية الحكومة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لخفض انبعاثات الكربون، معتبرة أن تقاعس الدولة عن حماية البيئة يشكل تهديداً لحقوق المواطنين. وقد شكل هذا الحكم سابقة مهمة في مجال القضايا البيئية عالمياً.
هذه التجارب المختلفة تُظهر أن نتائج الدعاوى ضد القرارات الحكومية ليست واحدة، ففي بعض الحالات، ترفض المحاكم التدخل وتترك القرار ضمن نطاق السلطة التنفيذية، خصوصاً في الملفات الاقتصادية مثل الأسعار والدعم. وفي حالات أخرى، قد يؤدي التدخل القضائي إلى تغيير جذري في السياسات، خصوصاً إذا تعلق الأمر بحقوق أساسية أو مبادئ دستورية واضحة.
ختاماً، نستنتج أن اللجوء إلى القضاء لمواجهة قرار رفع أسعار الكهرباء قد يؤدي إلى نتيجة إلغاء القرار أو تعديله. وحتى في أسوأ الأحوال يعبر عن ضغط سياسي على المعنيين بإصدار القرار في وزارة الطاقة. وتبقى الأيام القادمة كفيلة بتفسير ما ستؤول إليه القضية.
اقرأ أيضاً: فواتير الكهرباء بين الجباية وحق الاعتراض وفك العدادات









