هل ينتشر الإيدز في سوريا بصمت؟ وما علاقة بنوك الدم؟

بقلم: ديانا الصالح
عندما يتعلق الأمر بفيروس نقص المناعة البشرية، أو بشكل محدد حول انتشار مريض الإيدز في سوريا، فإن الخوف غالباً ما يسبق الحقيقة، فمع كل إعلان عن إصابات جديدة في البلاد، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة، وتنتشر الروايات المتضاربة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها يحذر من انتشار واسع للمرض، والبعض الآخر يتهم بنوك الدم بأنها مصدر للعدوى، لكن ماذا تقول الأرقام الرسمية؟ وأين تنتهي الوقائع وتبدأ الشائعات؟
أرقام الإصابات بمرض الإيدز في سوريا في منحنى تصاعدي!
تكشف بيانات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في وزارة الصحة السورية، عن ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات المكتشفة بفيروس الإيدز خلال السنوات الأخيرة، فبعد تسجيل 30 إصابة جديدة عام 2020، ارتفع هذا العدد إلى 39 إصابة في عام 2021، ثم إلى 60 إصابة خلال عام 2022، ليصل إلى 95 إصابة في عام 2023، ثم 212 إصابة جديدة خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يُسجل خلال السنوات الأخيرة.
كما يستمر تسجيل الإصابات خلال العام الجاري، حيث أعلن البرنامج عن تسجيل 103 إصابات جديدة خلال النصف الأول من عام 2026، أي ما يعادل نحو نصف إجمالي الحالات التي تم تسجيلها في عام 2025.
ماذا خلف الأرقام؟
وفقاً لبيانات البرنامج الوطني، فقد بلغ العدد التراكمي للمصابين السوريين المسجلين ما بين عام 1987 وعام 2025 نحو 1166 حالة، فيما تشير البيانات إلى تغير مصادر الإبلاغ عن الحالات خلال السنوات الماضية، حيث كانت البيانات حتى عام 2024 تصل من أربيل في العراق، أما بعد عام 2025 فقد أصبحت تشمل حالات قادمة من تركيا وأوروبا، بالإضافة إلى الحالات التي يتم اكتشافها داخل سوريا.
كما تظهر البيانات أيضاً تسجيل عدد من إصابات ضمن فئات مختلفة من المجتمع، فهناك 18 طفلاً في المدارس السورية مصابين بالإيدز، بالإضافة إلى إصابات بين نساء حوامل بنسبة 4% من إجمالي الحالات المسجلة.
بنوك الدم تحت المجهر.. هل تحمل الأكياس خطراً مخفياً؟
منشورات عدة تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي تشير بأصابع الاتهام إلى بنوك الدم واحتمال انتقال مرض الإيدز من خلال أكياس الدم التي يتم نقلها للمرضى.
إلا أن مدير المؤسسة العامة لبنوك الدم في سوريا الدكتور مصطفى الجازي، أكد أن وحدات الدم تخضع لعدد من الإجراءات قبل أن تصل إلى المرضى، حيث تبدأ بفحص المتبرع ثم إجراء التحاليل المخبرية اللازمة للكشف عن الأمراض المنقولة عبر الدم، منها فيروس نقص المناعة البشرية، وأضاف أن الاشتباه بوجود فيروسات منقولة عبر الدم تؤدي إلى إتلاف الكيس المشبوه بشكل مباشر وإعداد التقارير اللازمة بالنسبة لذلك.
مسار مراقبة أكياس الدم
وفقاً لمؤسسة بنوك الدم، فلا يُستخدم أي كيس دم مباشرة بعد التبرع، فهو يبقى “محجوزاً”، وفي حال خلوه من الإمراضيات المفحوصة يتم تصدير لصاقة من خلال النظام الخاص، بحيث تطبع اللصاقة بحجم الكيس وترفق بالفحوصات والزمرة وباركود مخصص لها، لينقل الكيس بعدها إلى قسم الدم.
فيما تُرفع التقارير المتعلقة بالحالات المشتبه بها إلى الجهات الصحية المختصة، ومنها مديرية الأمراض السارية والمعدية في وزارة الصحة، بهدف متابعة الحالات أصولاً واتخاذ الإجراءات اللازمة.
هل يمكن أن يكون كيس الدم مصدراً للعدوى؟
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن انتقال الفيروس عبر نقل الدم، أصبح نادراً جداً في الدول التي تطبق أنظمة فعّالة لفحص المتبرعين ووحدات الدم، فيما يرتفع الخطر في حال استخدام دم غير مفحوص أو خارج أنظمة الرقابة الصحية.
أما عن طرق فحص أكياس الدم في سوريا، فأكد الجازي أن الفحوصات حالياً تجري عن طريق تقنيات الإيلازا بواسطة كواشف من الجيل الرابع، في حين تعمل مؤسسة بنوك الدم خلال الفترة القادمة على تأمين إضافة تقنية جديدة لتصبح الآلية أكثر معيارية.
لماذا ارتفعت الإصابات المسجلة بمرض الإيدز في سوريا؟
يرى مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في وزارة الصحة السورية الدكتور عمر أبو النعاج، أن الارتفاع الذي رُصد في عدد الإصابات المسجلة خلال العامين الأخيرين، لا يعكس بشكل حاسم انتشار الفيروس داخل المجتمع السوري، فهو يرتبط بعدة عوامل أسهمت في تحسين رصد الحالات والكشف عنها.
ويوضح أبو النعاج أن تسجيل 212 إصابة جديدة خلال عام 2025، جاء نتيجة تطوير آليات الترصد الوبائي رافقها توسيع خدمات الفحص والتشخيص، إلى جانب عودة عدد من السوريين المقيمين في الخارج، والذين كانوا على علم بإصابتهم أو يتلقون العلاج في دول أخرى، قبل أن يراجعوا وزارة الصحة بعد عودتهم للحصول على العلاج والمتابعة الطبية.
أما الرقم الذي يُتداول على منصات التواصل الاجتماعي بخصوص تسجيل 1538 إصابة منذ عام 1990، فهو وفقاً لأبو النعاج لا يمثل عدد الإصابات الجديدة، مؤكداً أنه العدد التراكمي للمرضى الأحياء المسجلين ضمن البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز.
المنظمات الدولية: سوريا لا تزال من الدول منخفضة الانتشار
على الرغم من الارتفاع الواضح في عدد الحالات المكتشفة مؤخراً، تؤكد بيانات منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز، أن معدل انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في سوريا ما يزال منخفضاً مقارنة بالعديد من دول العالم.
ووفقاً لأحدث تقارير المنظمة المنشورة أواخر عام 2025، فإن هناك نحو 40.8 مليون شخص حول العالم متعايشين مع المرض، أما النسبة الأكبر من المصابين فتتركز في إقليم افريقيا حيث يعيش 65% منهم هناك.
وخلال عام 2024 سجلت التقديرات الأممية 1.3 مليون إصابة جديدة، فيما بلغت الوفيات المرتبطة بالأمراض الناتجة عن الإيدز نحو 630 ألف حالة وفاة، أي أن هناك حاجة كبيرة ومستمرة لتعزيز جهود الوقاية والكشف المبكر، وتوفير العلاج والرعاية الصحية للمصابين عالمياً.
المخاوف تتزايد لدى الشارع السوري نتيجة لما يُتداول حول الأرقام المرتفعة والشائعات التي لا تنتهي، ولكن الحقيقة الطبية تبقى أكثر تعقيداً من مجرد إحصاء جديد، خاصة أن انتشار مرض الإيدز في سوريا لا يمكن قياسه بعدد الحالات المسجلة فقط، فهناك تحدٍّ بارز يتمثل بقدرة النظام الصحي على الوصول إلى المصابين وتشخيصهم وتأمين العلاج المناسب لهم.
أما المخاوف المرتبطة ببنوك الدم فتبقى مربتطة بمدى الثقة بالإجراءات الصحية والرقابية، فيما يبقى الوعي بالمواضيع العلمية وكسر الوصمة الاجتماعية، هي الطريق الأمثل لفهم المرض والتعامل معه والوقاية منه.
اقرأ أيضاً: بنوك الدم في سوريا.. فجوة في الإمداد وضرورة إصلاح عاجل









