ثقافة وتراث

هل يمكن “للطب عن بُعد” أن يغني عن زيارة عيادة الطبيب؟ العلم يُجيب

بقلم هلا يوسف

أصبح موضوع الرعاية والتشخيص الطبي عن بُعد جزءاً مهماً من الطب الحديث، خاصة مع تطور وسائل الاتصال مثل الهاتف الذكي والإنترنت. حيث تقوم هذه الفكرة على إمكانية فحص المريض وتقديم الاستشارة الطبية دون الحاجة إلى وجوده داخل العيادة أو المستشفى بشكل مباشر. هذا الموضوع مهم في سوريا بشكل خاص، لأنّ الناس تمرّ بمرحلة عزوف عن الذهاب إلى الطبيب بسبب تكاليف الفحص، وتعتمد بدلاً من ذلك على وسائل بديلة، منها ما هو موثوق إلى حدّ ما مثل الصيدلاني، ومنها ما هو خطر على الصحة مثل متابع وسائل التواصل الاجتماعي غير الموثوقة.

هذا التطور جاء نتيجة الحاجة إلى تسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية، خصوصاً في المناطق البعيدة أو الفقيرة أو في حالات الأزمات مثل جائحة كوفيد-19. ومع ذلك، ورغم هذه الفوائد، بقيت هناك إشكالات تتعلق بدقة التشخيص، وحدود الاعتماد على التكنولوجيا، ومدى قدرتها على تعويض الفحص الطبي المباشر الذي يعتمد على الحواس الإنسانية.

هذه الإشكالات ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى أكثر من قرن، عندما بدأ الأطباء لأول مرة في تجربة استخدام الهاتف كوسيلة طبية.

البدايات الأولى للطب عن بعد واستخدام الهاتف

بدأت فكرة الطب عن بعد مع اختراع الهاتف على يد ألكسندر غراهام بيل عام 1876، حيث رأى الأطباء أن هذه التقنية قد تتيح لهم التواصل مع المرضى دون الحاجة إلى السفر أو الزيارة المباشرة.

من أبرز الشخصيات التي اهتمت بهذا المجال الطبيب كلارنس جون بليك، أحد أعضاء هيئة التدريس في مستشفى ماساتشوستس للعيون والأذن في أواخر القرن التاسع عشر. حاول بليك استخدام الهاتف في التشخيص الطبي، لكنه واجه مشاكل كبيرة.

كانت الخطوط الهاتفية في ذلك الوقت تعاني من تشويش شديد، حيث كانت الأصوات تصل غير واضحة، ممزوجة بضوضاء كهربائية ونقرات أجهزة التلغراف وأصوات غير مرتبطة بالحالة الطبية. هذا جعل الطبيب غير قادر على الاعتماد على الهاتف كأداة دقيقة للتشخيص.

ورغم هذه الصعوبات، ظهرت بعض التجارب المبكرة التي أظهرت إمكانيات محدودة. فقد تم نشر حالة في عام 1879 لطبيب في سينسيناتي قام بتشخيص طفل مريض عبر الهاتف، حيث استمع إلى صوت السعال والتنفس وقرر أن الحالة ليست طارئة. هذه الحالة أعطت انطباعاً أولياً بأن التكنولوجيا قد تلعب دوراً في الطب، لكنها لم تكن كافية لتأسيس نظام طبي متكامل.

فيما بعد استمر بليك في محاولاته، لكنه لاحظ أن الهاتف كان حساساً جداً، يلتقط كل الأصوات المحيطة، مما يؤدي إلى تشويش المعلومات الطبية بدلاً من توضيحها.

تطور الطب التلفزيوني ومحاولة نقل الفحص البصري

مع تطور التكنولوجيا في منتصف القرن العشرين، بدأ التفكير في تجاوز حدود الهاتف عبر إدخال الصورة إلى العملية الطبية. هنا ظهر مفهوم “الطب التلفزيوني”، وكان الطبيب كينيث بيرد من أبرز رواده، وهو الذي صاغ مصطلح “الطب عن بعد”.

كان بيرد يعمل في عيادة داخل مطار لوغان في بوسطن، حيث لاحظ أن بعض المرضى يحتاجون إلى رعاية عاجلة لا تتطلب دائماً حضور الطبيب جسدياً. لذلك بدأ في تطوير فكرة استخدام التلفزيون والكاميرات لنقل الفحص الطبي بين الطبيب والمريض.

وبدعم من مؤسسات صحية وبمساعدة مهندسين، تم إنشاء نظام متكامل يعتمد على كاميرات خاصة، وأبراج إرسال بالموجات الدقيقة، وكابلات محورية تربط بين العيادات والمستشفيات. كانت هذه الفكرة تهدف إلى جعل الطبيب يرى المريض عن بعد بدلاً من مجرد سماعه.

وقد تأثر بيرد بأفكار عالم الإعلام مارشال ماكلوهان، الذي رأى أن الوسائط الإلكترونية تجعل العالم أكثر ترابطاً، وتلغي الحدود التقليدية بين المكان والزمان. بناءً على هذا التصور، اعتقد بيرد أن الطبيب يمكن أن يقوم بعمله بكفاءة حتى لو كان بعيداً عن المريض.

لكن مع الاستخدام العملي ظهرت تحديات واضحة. فدقة الصورة لم تكن دائماً كافية لرؤية التفاصيل الدقيقة، كما أن جودة الاتصال كانت تتأثر أحياناً، مما قد يؤدي إلى أخطاء في التشخيص.

وفي دراسة لاحقة أجراها عالم الاجتماع جوئل رايش عام 1974، تم التأكيد على أن الطب عن بعد يعتمد بشكل أساسي على حاستي البصر والسمع فقط، بينما يغيب عنه اللمس والشم ودرجة الحرارة، وهي عناصر أساسية في الفحص الطبي التقليدي. كما أشار إلى أن غياب اللمس يقلل من القدرة على تقييم الحالة بشكل شامل، لأن يد الطبيب ليست فقط أداة فحص، بل أيضاً وسيلة طمأنة للمريض.

المشاريع الحديثة، العدالة الصحية، وحدود الطب عن بعد

في سبعينيات القرن الماضي، توسع الاهتمام بالطب عن بعد ليصبح جزءًا من السياسات الصحية في الولايات المتحدة. دعمت وزارة الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، إلى جانب مؤسسة روكفلر، عدة مشاريع تجريبية لاختبار هذه التقنية في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية.

من أبرز هذه التجارب مشروع حي هارلم في نيويورك، حيث تعاون مستشفى ماونت سيناي مع شركة TelePrompTer لتوصيل الخدمات الطبية إلى المجمعات السكنية مثل Wagner Houses عبر التلفزيون التفاعلي.

قاد هذا المشروع الطبيب كارتر إل. مارشال، الذي رأى أن التكنولوجيا يمكن أن تقلل الفجوة بين المستشفيات الكبرى والمجتمعات الفقيرة. كان الهدف هو توفير خدمات طبية مباشرة للسكان في أماكنهم دون الحاجة إلى الانتقال إلى المستشفيات البعيدة.

كما دعم هذا التوجه عدد من النشطاء الصحيين، من بينهم القس سي تي فيفيان، الذي اعتبر أن هذه المشاريع قد تساعد في تحسين العدالة الصحية، خاصة في المجتمعات السوداء واللاتينية التي عانت من نقص الخدمات الطبية.

لكن رغم النجاح التجريبي، واجهت هذه المشاريع مشكلة الاستمرارية. فقد تم إنهاء التمويل الفيدرالي بعد انتهاء مرحلة التجربة، مما أدى إلى توقف العديد من المبادرات رغم نتائجها الإيجابية.

في المقابل، قدم الطبيب والناشط جون هولومان نقداً مهماً لهذه المشاريع، حيث أشار إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لحل مشكلات النظام الصحي. فالمشكلة ليست فقط في طريقة تقديم الخدمة، بل في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تحدد من يحصل على الرعاية ومن يُحرم منها.

يوضح تاريخ الرعاية والتشخيص الطبي عن بُعد أن هذه الفكرة مرت بمراحل طويلة من التطور، بدأت بالهاتف، ثم التلفزيون، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة مثل الهواتف الذكية والطب الإلكتروني.

ورغم أن هذه التقنيات ساعدت في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، خصوصاً في الحالات البعيدة أو الطارئة، إلا أنها لم تستطع أن تحل محل الفحص الطبي المباشر بشكل كامل. فهناك عناصر أساسية في الطب مثل اللمس، والملاحظة الدقيقة، والتفاعل الإنساني، لا يمكن للتكنولوجيا أن تنقلها بالكامل.

كما أن التجارب التاريخية، من بليك إلى بيرد إلى مشاريع هارلم، تؤكد أن نجاح الطب عن بعد لا يعتمد فقط على التطور التقني، بل أيضاً على العدالة في توزيع الخدمات الصحية، واستمرارية الدعم المؤسسي، وفهم حدود التكنولوجيا نفسها.

وفي النهاية، يبقى الطب عن بعد أداة مهمة وضرورية في العصر الحديث، لكنه يعمل بأفضل شكل عندما يُستخدم كجزء من نظام صحي متكامل يجمع بين التكنولوجيا والإنسانية، وليس كبديل كامل عن الرعاية المباشرة بين الطبيب والمريض.

اقرأ أيضاً: دراسة علمية حول دور الجلد والشيخوخة في تطوير أبحاث إطالة العمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى