هل يمكن لقطار أوروبا – الخليج أن يعيد تعريف موقع البلاد؟

الكاتب: أحمد علي
لا يولد الموقع الجغرافي من الخريطة وحدها. يولد حين يتحول الطريق إلى حركة، والمرفأ إلى عقدة، والحدود إلى ممر منتج لا إلى نقطة انتظار. لهذا يبدو الحديث عن قطار يربط أوروبا بالخليج عبر سوريا أكبر من مشروع سككي. إنه سؤال عن موقع البلاد بعد الحرب، وهل تبقى سوريا مساحة إعادة إعمار فقط، أم تصبح جزءاً من إعادة ترتيب طرق التجارة في منطقة تعبت من اضطراب البحار والمضائق.
قطار أوروبا–الخليج وسؤال الموقع السوري
الفكرة الأساسية ليست جديدة تماماً. تاريخياً، كانت دمشق وحلب جزءاً من شبكات ربط واسعة، من سكة الحجاز إلى خط برلين–بغداد، ومن الموانئ السورية على المتوسط إلى طرق التجارة نحو العراق والأردن والخليج. الحرب قطعت كثيراً من هذه الخيوط. السكك تضررت، المحطات تعطلت، والعلاقات البرية مع الجوار أصبحت جزءاً من الصراع لا من الاقتصاد.
اليوم تعود الفكرة بصيغة أخرى. الربط السككي لم يعد مجرد حنين إلى قطار قديم. صار جزءاً من تفكير جيو-اقتصادي أوسع، خصوصاً مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتكرر المخاطر في البحر الأحمر، وارتفاع حساسية العالم تجاه مضيق هرمز. كلما اهتز ممر بحري، ارتفعت قيمة الممرات البرية والسككية. وكلما طالت رحلة الشحن حول أفريقيا أو تأخرت في قناة أو مضيق، عاد السؤال عن الطرق البديلة.
هنا تظهر سوريا. ليست لأنها جاهزة تقنياً الآن، بل لأنها تقع في نقطة يصعب تجاوزها إذا أريد وصل شرق المتوسط بتركيا والأردن والعراق والخليج. موقعها يعطيها فرصة، لكنه لا يعطيها ضمانة. فالفرصة تحتاج إلى خطوط صالحة، أمن، حدود منظمة، اتفاقات عبور، جمارك فعالة، وتمويل طويل الأجل.
المؤشرات الإقليمية تساعد على فهم السياق. البنك الدولي وافق في حزيران 2025 على تمويل بقيمة 930 مليون دولار لمشروع تحديث وتوسعة السكك العراقية، بما يعزز القدرة بين ميناء أم قصر جنوباً والموصل شمالاً. كما تحدثت تقارير عن أن المشروع العراقي يمكن أن يدعم التحول من إعادة الإعمار إلى التنمية عبر التجارة والربط وخلق الوظائف. هذا لا يعني أن سوريا حصلت على تمويل سككي مماثل، لكنه يوضح أين تتحرك المنطقة. السكك تعود إلى مركز النقاش، لا كخدمة نقل فقط، بل كأداة لإعادة رسم الاقتصاد.
في الوقت نفسه، تتحرك دول الخليج في مشاريع ربط سككي داخلية وعابرة للحدود. شبكة سكك الخليج المخطط لها بطول يقارب 2177 كيلومتراً تهدف إلى ربط دول مجلس التعاون من الكويت إلى عُمان، مع توقعات بأن تحمل ملايين الركاب ومئات ملايين الأطنان من البضائع عند اكتمالها. كما تحركت الإمارات وعُمان في مشروع حفيت للربط السككي بين أبوظبي وصحار. هذه المشاريع تجعل الخليج أقل اعتماداً على الشاحنات وحدها، وأكثر استعداداً للارتباط بممرات أوسع إذا توفرت.
لكن العقدة السورية لا تُحل بالحديث العام. فالسكك السورية نفسها تحتاج إلى إعادة تأهيل. تشير بيانات متداولة عن قطاع السكك إلى أن الشبكة البالغة نحو 2750 كيلومتراً تضررت بشدة، وأن جزءاً محدوداً منها فقط عاد إلى العمل بعد سنوات من التوقف. استئناف تجريبي أو جزئي بين حلب وحماة في 2025 كان إشارة مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة ممر دولي. الممر الدولي يحتاج إلى مقاييس فنية مختلفة، وإدارة موحدة، وقدرة على نقل الحاويات والبضائع الثقيلة بانتظام، لا مجرد قطار ركاب رمزي.
أهمية المشروع بالنسبة لسوريا لا تكمن في رسوم العبور وحدها. صحيح أن الترانزيت يمكن أن يجلب إيرادات. لكن القيمة الأوسع تأتي من الخدمات التي تنشأ حول الخط، التخزين، التصنيع الخفيف، التغليف، المناطق اللوجستية، الصيانة، التأمين، النقل البري المكمل، والمرافئ. إذا مر القطار فقط ولم يتوقف، ستربح الدولة القليل. وإذا تحولت المدن السورية إلى نقاط خدمة وإنتاج حول الممر، يصبح الربط السككي أداة تنمية.
هذا هو الفرق بين أن تكون البلاد ممراً وأن تكون عقدة. الممر يعبره الآخرون. العقدة تضيف قيمة.
يمكن لمدن مثل حلب وحمص ودمشق ودرعا ودير الزور أن تستفيد بطرق مختلفة إذا أُعيد بناء الشبكة بعقل اقتصادي. حلب يمكن أن تستعيد جزءاً من موقعها الصناعي والتجاري باتصالها بتركيا والعراق. حمص تقع في نقطة وسطية بين الساحل والداخل. دمشق ودرعا يمكن أن ترتبطا بالأردن والخليج. دير الزور والبوكمال تحملان معنى خاصاً إذا جرى التفكير بالربط نحو العراق. أما الموانئ السورية في اللاذقية وطرطوس، فيمكن أن تتحول إلى بوابات متوسطية إذا رُبطت بالداخل والخليج بكفاءة.
لكن هذا السيناريو ليس مضموناً. هناك منافسون واضحون. العراق يعمل على طريق التنمية الذي يربط الفاو بتركيا. تركيا تملك بنية أوسع وأسواقاً قادرة على جذب الممرات. الأردن يريد تعزيز موقعه اللوجستي عبر العقبة والربط مع الخليج. مصر تملك قناة السويس. إيران تعمل على ممرات شمال–جنوب. إذا تأخرت سوريا، قد تجد أن الطرق البديلة تثبت نفسها من حولها، وتبقى هي خارج الخريطة الجديدة.
لذلك لا يكفي أن تقول سوريا إنها تقع بين أوروبا والخليج. كل دولة تقريباً في المنطقة تقول إنها جسر. الجسر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يمر عليه القطار في الوقت المحدد، وأن يدفع التاجر رسوماً واضحة، وأن لا ينتظر على الحدود أياماً، وأن لا يخشى تغيير القرار أو تعدد الجبايات.
هنا يدخل البنك الدولي أو أي مؤسسة تمويل دولية بدور مهم، ليس فقط في المال، بل في المعايير. التمويل الدولي عادة يفرض دراسات جدوى، وتقييمات بيئية، وحوكمة مشتريات، وحسابات عائد اجتماعي واقتصادي. هذه القيود قد تبدو ثقيلة، لكنها ضرورية في بلد يحتاج إلى استعادة الثقة. فمشروع سككي بمليارات الدولارات يمكن أن يتحول إلى عبء إذا بُني بلا حركة كافية، أو بلا ربط جمركي، أو بلا اتفاقات عبور مع الجوار.
المسألة أيضاً سياسية. خط أوروبا–الخليج يمر عبر دول ذات مصالح مختلفة. يحتاج إلى تفاهم مع تركيا والأردن والعراق وربما لبنان والموانئ، وإلى تنسيق مع الخليج. يحتاج إلى أمن حدودي، وإلى قواعد موحدة للعبور، وإلى نظام بيانات يسبق الشحنة قبل وصولها. وإذا بقيت الحدود تعمل بعقل الحاجز لا بعقل الممر، فلن تنجح السكك مهما كانت القضبان جديدة.
ماذا يستفيد السوريون؟ هذا هو السؤال الأهم. قد يستفيدون من فرص العمل في البناء والصيانة والتشغيل. قد تستفيد المدن الصناعية من كلفة نقل أقل. قد يتحسن وصول المنتجات الزراعية والصناعية إلى أسواق خارجية. قد تنخفض كلفة بعض الواردات إذا أصبح النقل أكثر انتظاماً. وقد تنشأ مناطق لوجستية جديدة تمنح الشباب عملاً خارج اقتصاد المساعدات والوظائف الهشة.
لكن هذه الفوائد لا تأتي تلقائياً. إذا احتكرت شركات محددة تشغيل الخط والخدمات، سيصبح المشروع باب ريع. وإذا هُمشت المناطق الواقعة على المسار، سيمر القطار فوق الفقر من دون أن يغيره. وإذا رُبط المشروع بالاستيراد فقط، قد يضعف المنتج المحلي بدلاً من حمايته. لذلك يجب أن يرتبط أي ربط سككي بسياسة إنتاج، لا بسياسة عبور فقط.
الخلاصة أن قطار أوروبا–الخليج يمكن أن يعيد تعريف موقع سوريا، لكن بشرط أن لا يُعامل كمشروع بنية تحتية فقط. هو مشروع دولة. يحتاج إلى سكك وموانئ ومعابر، لكنه يحتاج أيضاً إلى قانون وجمارك وأمن وثقة وإنتاج. يحتاج إلى أن تُسأل كل محطة عما ستضيفه، لا كم ستأخذ من رسوم.
سوريا لا تستطيع أن تربح من موقعها إذا بقي الموقع معطلاً. ولا تستطيع أن تصبح عقدة نقل إذا بقيت اقتصاداً ينتظر الشحنات ولا ينتج ما يشحنه. القطار، إذا جاء، لن يكون عصا سحرية. سيكون اختباراً. هل تستطيع البلاد تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والعبور إلى عمل، وإعادة الإعمار إلى دور إقليمي جديد؟ الجواب لم يُحسم بعد. لكنه يبدأ من رؤية بسيطة. لا قيمة لسكة تصل أوروبا بالخليج إذا لم تصل السوريين أولاً بفرصة عمل، وبسوق، وبمدينة تعود إلى الحركة.
اقرأ أيضاً: سوريا في معادلة “حماية الممرات”: ما الذي تكسبه/تخسره من حديث أوروبا عن تأمين البحار؟









