المجتمع السوري

هل يمكن أن يكون الطعام مسبباً للإدمان؟

بقلم هلا يوسف

مع الانتشار الكبير لأدوية إنقاص الوزن الحديثة، وخصوصاً التي تعتمد على هرمون شبيه بالجلوكاجون (GLP-1)، بدأت تظهر في حياتنا مصطلحات مثل “الرغبة الشديدة في الطعام” و”ضجيج الطعام”، وهي تعبيرات كانت تُستخدم لوصف حالات الإدمان. هذا التداخل في المفاهيم أعاد طرح سؤال مهم: هل يمكن أن يكون الطعام، وخصوصاً الأطعمة المعالجة، مسبباً للإدمان مثل السجائر أو الكحول؟

يحاول علماء الأعصاب وباحثو سلوكيات الغذاء اليوم فهم العلاقة المعقدة بين نوعية الطعام والدماغ، وتأثيرها في السلوك الغذائي والصحة العامة. ونحن ننقلها لك في هذا المقال.

ما المقصود بإدمان الطعام؟

عند الحديث عن إدمان الطعام، لا نعني مجرد حب الأكل أو الإفراط العرضي فيه، بل حالة يفقد فيها الشخص السيطرة على كمية الطعام التي يتناولها، رغم إدراكه للآثار السلبية على حياته وصحته.

وعلى الرغم من أن إدمان الطعام لا يندرج ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، فإن باحثين يستخدمون أدوات مثل مقياس “ييل” لإدمان الطعام، الذي يقيس أعراضاً مشابهة لإدمان المواد، مثل فقدان السيطرة، والاستمرار في السلوك رغم ضرره.

تشير الدراسات التي استخدمت هذا المقياس إلى أن نحو 12% من سكان العالم قد يعانون من شكل من أشكال إدمان الطعام، وهي نسبة لا يمكن تجاهلها.

لماذا تعد الأطعمة المعالجة محور المشكلة؟

يوضح عالم الأعصاب المتخصص في الشهية: أليكس دي فيليس أنطونيو، أن الطعام لا يصبح قابلاً للإدمان إلا إذا صُمم ليكون شديد اللذة والاستساغة. وهذا ما ينطبق على الأطعمة فائقة المعالجة. حيث تنتج هذه الأطعمة صناعياً بطرق يصعب تطبيقها في المنزل، وتحتوي على كميات عالية من السكريات المكررة، والدهون، والصوديوم، وتضاف إليها نكهات ومحسنات قوام وألوان صناعية مثل البيتزا الجاهزة، والآيس كريم، والحلوى، ورقائق البطاطس، والمشروبات المحلاة. في المقابل من النادر أن يفقد الناس السيطرة على تناول أطعمة طبيعية مثل الفاكهة، والبقوليات، والمكسرات.

كيف يؤثر هذا النوع من الطعام في الدماغ؟

يعمل الدماغ بنظام المكافأة، الذي يعتمد بشكل أساسي على مادة الدوبامين، وهي المسؤولة عن الشعور بالمتعة والتحفيز. وتشير الأبحاث إلى أن الأطعمة المعالجة تنشط هذا النظام بشكل كبير، بطريقة تشبه تأثير بعض المواد المسببة للإدمان، حيث ترفع مستويات الدوبامين وتدفع الشخص لتكرار السلوك حتى دون شعور بالجوع.

ومع انتشار هذا النوع من الطعام منذ خمسينيات القرن الماضي، أصبح الدماغ يتعرض لمحفزات لم يُصمم للتعامل معها بهذا الشكل المكثف.

دور أدوية GLP-1 مثل أوزمبيك وويغوفي

تشير ملاحظات الأشخاص الذين يستخدمون أدوية GLP-1 إلى انخفاض واضح في الرغبة الشديدة تجاه الطعام، وخصوصاً الأطعمة فائقة المعالجة.

ويرجح الباحثون أن هذه الأدوية لا تعمل فقط عبر زيادة الشعور بالشبع، بل قد تؤثر أيضاً في نظام المكافأة في الدماغ، مما يقلل من الضجيج الغذائي والرغبة في الأكل. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات، فإن النتائج الأولية تشير إلى دور مستقبلي لهذه الأدوية في كبح السلوكيات الغذائية.

كما هو الحال في إدمان المواد، يبدو أن العوامل الوراثية والبيئية تلعب دوراً مهماً. فبعض الأشخاص قد يكونون أكثر عرضة لتطوير سلوكيات إدمانية تجاه الطعام، لكن هذا المجال لا يزال في بداياته البحثية، ولم تُحدد بعد الجينات المرتبطة بإدمان الطعام بشكل واضح.

لماذا يثير مفهوم “إدمان الطعام” كل هذا الجدل؟

يرفض بعض الباحثين استخدام المصطلح لأن الطعام ضرورة للحياة، على عكس المخدرات. كما يخشى آخرون من اتباع السلوك الطبي بشكل مفرط ضمن السلوكيات اليومية. لكن في المقابل، يرى مؤيدو المفهوم أن تجاهل معاناة ملايين الأشخاص لا يقل خطورة، وأن المشكلة لا تكمن في الطعام بحد ذاته، بل في أنواع محددة صُممت لتحفيز الاستهلاك المفرط.

كما أن الوصم الأخلاقي باعتبار الشخص ضعيف الإرادة لم يعد مقبولاً علمياً، تماماً كما لم يعد ينظر إلى إدمان الكحول أو المخدرات على أنه فشل شخصي.

كيف يمكن التعامل مع المشكلة؟

على المستوى الفردي، يصعب تجنب الطعام كما يحدث في علاجات الإدمان الأخرى، لأن الطعام موجود في كل مكان. أما على المستوى المجتمعي، فيطرح الباحثون أهمية تنظيم تسويق الأطعمة فائقة المعالجة خاصة للأطفال، وتقليل الإضافات الصناعية التي تعزز الاستساغة المفرطة، ودعم الوصول إلى أطعمة صحية ومغذية. فالخضراوات المعلبة والفواكه المجمدة مثلاً تخدم الأمن الغذائي، بينما لا تعد الحبوب شديدة السكر ضرورة للبقاء.

في النهاية، يبقى مجال الأطعمة المعالجة موضع جدل بين العلماء، بينما يجب أن يكون أبسط في حياتنا اليومية، حيث يكفي أن نكون على دراية بنوعية الطعام التي تدخل على أجسامنا، وانتقائها بعناية، مع وجود توازن بين الأطعمة المعالجة والصحية حتى نكون في مأمن من الإدمان عليها.

اقرأ أيضاً: هوس البروتين الزائد بين التسويق وصحة الإنسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى