هل يقود التغير المناخي سوريا نحو أزمة مائية وزراعية خطيرة؟

بقلم هلا يوسف
شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة تغيرات واضحة في طبيعة المناخ والفصول، حيث أصبحت موجات الحر أشد، ومواعيد الأمطار مضطربة، والعواصف الغبارية والفيضانات متكررة بشكل أكبر من السابق. ولم تعد هذه التغيرات مجرد ملاحظات يتحدث عنها الناس، بل أصبحت واقعاً يؤثر بشكل مباشر على الزراعة والمياه والصحة وحياة السكان اليومية.
وقد ازداد الحديث عن التغير المناخي بعد الهطولات المطرية الغزيرة المصحوبة بالبَرَد التي شهدتها عدة مناطق سورية في نهاية شهر نيسان، حيث تغير الطقس خلال أقل من عشرين دقيقة من أجواء مستقرة ومشمسة إلى عاصفة قوية. هذا النوع من التغيرات السريعة يعد من المؤشرات الواضحة على اضطراب النظام المناخي في المنطقة.
ويرى المختصون أن ما يحدث اليوم ليس حالة مؤقتة، بل نتيجة تراكمات طويلة مرتبطة بارتفاع درجات حرارة الأرض بسبب النشاط البشري والتوسع الصناعي وزيادة انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
أسباب التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة
أوضح هاشم شربا من المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن الأرض كانت قبل الثورة الصناعية تحافظ على توازن طبيعي في درجات الحرارة، إذ كانت تستقبل من أشعة الشمس كمية من الطاقة تقارب ما تفقده، مما ساعد على استقرار حرارة الكوكب عند نحو 14 درجة مئوية.
لكن مع تطور الصناعة وازدياد استخدام الوقود والنفط والفحم، ارتفعت نسبة غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وأهمها ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النتروز. وتعمل هذه الغازات على احتجاز الحرارة داخل الغلاف الجوي ومنع جزء منها من الخروج إلى الفضاء، وهو ما أدى إلى ظاهرة الاحتباس الحراري.
وأشار شربا إلى أن عام 2024 سجل أعلى متوسط حرارة على الأرض مقارنة بما قبل الثورة الصناعية، حيث بلغت الزيادة نحو 1.55 درجة مئوية. ورغم أن الرقم يبدو صغيراً، إلا أنه يعكس كمية هائلة من الحرارة المختزنة داخل المحيطات والغلاف الجوي، وهذا ما يؤدي إلى اضطرابات مناخية كبيرة مثل العواصف والفيضانات والجفاف وموجات الحر.
كما أن التغير المناخي لا يؤثر فقط على درجات الحرارة، بل يغيّر أيضاً حركة الرياح وتوزع المنخفضات الجوية، مما يؤدي إلى تغير نمط الأمطار وحدوث ظواهر جوية غير معتادة في كثير من المناطق.
آثار التغير المناخي على سوريا
تعد سوريا من الدول المتأثرة بشكل كبير بالتغير المناخي بسبب موقعها ضمن منطقة البحر المتوسط، وهي من أكثر مناطق العالم حساسية تجاه ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية.
ومن أبرز آثار التغير المناخي في سوريا تزايد موجات الحر خلال فصل الصيف، حيث أصبحت درجات الحرارة تتجاوز الأربعين مئوية في معظم المناطق الداخلية، بينما تقترب في المناطق الشرقية من نهاية الأربعينات. ولم تعد هذه الموجات مقتصرة على الصيف فقط، بل أصبحت تمتد إلى الربيع والخريف، مما يسبب أضراراً كبيرة للمحاصيل الزراعية ويزيد استهلاك الكهرباء والمياه.
كما تشهد البلاد ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة بمعدل يقارب نصف درجة مئوية كل عشر سنوات، وهو معدل مرتفع مقارنة ببعض المناطق الأخرى في العالم.
ويعتبر الجفاف من أخطر المشكلات التي تواجه سوريا حالياً، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بقلة الأمطار، بل أيضاً بتغير طريقة هطولها. فقد أصبحت الأمطار تهطل بغزارة خلال فترة قصيرة، ثم تنقطع لفترات طويلة، وهو ما يقلل استفادة التربة والمياه الجوفية منها.
وبحسب بيانات البنك الدولي، انخفضت حصة الفرد من المياه العذبة في سوريا من 1481 متراً مكعباً عام 1961 إلى نحو 318 متراً مكعباً عام 2022، ما يدل على تراجع كبير في الموارد المائية.
بالإضافة إلى ذلك، ازدادت العواصف الغبارية نتيجة تدهور الأراضي الزراعية واشتداد الجفاف، كما سجل المركز الإقليمي للعواصف الغبارية والرملية نحو 70 ظاهرة غبارية في يوم واحد خلال أيار 2026 في منطقة الشرق الأوسط.
كما شهدت سوريا أيضاً ازدياداً في الفيضانات المفاجئة بسبب الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة، خاصة في مناطق الشمال والبادية والقلمون، ما تسبب بأضرار في الطرق والمنازل والأراضي الزراعية.
أما حرائق الغابات، فقد أصبحت من أخطر نتائج التغير المناخي، خاصة بعد الحرائق الكبيرة التي شهدتها الغابات الساحلية السورية خلال السنوات الأخيرة، والتي تجاوزت في بعض المواسم 15 ألف هكتار، مسببة خسائر بيئية واقتصادية كبيرة.
العلاقة بين التغير المناخي والصراع في سوريا وسبل المواجهة
قد يستغرب البعض فكرة وجود علاقة بين التغير المناخي والحرب في سوريا، إلا أن هناك العديد من الدراسات اهتمت ببحث العلاقة بين التغير المناخي والنزاعات، ومن أبرزها الدراسة التي أعدها الباحثان سولومون هسيانغ ومارشال بيرك من جامعة ستانفورد والمكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية.
وأقرت الدراسة أن التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري ساهم في زيادة خطر الصراع في سوريا بنسبة 3.6% عام 2010، بسبب تأثيره في زيادة شدة الجفاف الذي ضرب البلاد بين عامي 2007 و2010.
وأوضحت الدراسة أن نحو 44% من شدة الجفاف خلال تلك الفترة كان مرتبطاً بالتغير المناخي الناتج عن الإنسان، وهو ما ساهم في زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في المناطق الزراعية التي تضررت بشكل كبير بسبب تراجع الإنتاج ونقص المياه.
ورغم أن الدراسة أكدت أن التغير المناخي لم يكن السبب المباشر للحرب السورية، إلا أنها أوضحت أنه كان عاملاً إضافياً زاد من حدة الظروف الصعبة داخل البلاد.
وفي مواجهة هذه التحديات، يؤكد المختصون أن التعامل مع التغير المناخي يحتاج إلى خطط طويلة الأمد تعتمد على الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وخاصة المياه والتربة والغابات. كما يتطلب الأمر تعزيز البحث العلمي، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وزيادة الوعي البيئي بين السكان.
وتشير تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال تسجيل 250 ألف وفاة إضافية سنوياً عالمياً بين عامي 2030 و2050 بسبب آثار التغير المناخي، بينما يتوقع برنامج الغذاء العالمي أن يؤدي تغير المناخ إلى دفع 122 مليون شخص إضافي نحو الجوع بحلول عام 2030، مما يوضح خطورة هذه الظاهرة على مستقبل العالم.
في الختام، أصبح التغير المناخي اليوم من أكبر التحديات التي تواجه سوريا، بعد أن انعكست آثاره بشكل واضح على المياه والزراعة والصحة والاستقرار المعيشي. ومع استمرار هذه الظاهرة عالمياً، تبرز أهمية اعتماد سياسات صحيحة ومستدامة في إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الوعي البيئي، ودعم الدراسات العلمية التي تساعد على فهم هذه التغيرات والتخفيف من آثارها. كما أن التعاون بين المؤسسات والمجتمع يبقى أساسياً لحماية الموارد المتبقية وضمان حياة أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
اقرأ أيضاً: على رأسها أساليب الزراعة القديمة.. استنزاف الموارد المائية القاتل









