تهدئة أمريكية أم ورقة ضغط.. أيّ مشروع يُطبخ للجنوب السوري؟

الكاتب: أحمد علي
تبدو الخرائط العسكرية للجنوب مختلفة اليوم عمّا كانت عليه قبل سنوات قليلة فقط، فالحدود التي عاشت طويلاً على إيقاع الحرب، من درعا والسويداء وصولاً إلى تخوم الجولان وجبل الشيخ، دخلت في مرحلة يختلط فيها التعب الشعبي بأسئلة المستقبل.. وفي الكواليس، تدور أحاديث عن ترتيبات أمنية جديدة، تُذكر فيها احتمالات انتشار قوات أميركية أو تعزيز دور قوة أممية في الجنوب، من دون أن تتبلور الصورة في خطوات معلنة أو خرائط نهائية حتى اللحظة.
وسط هذا الغموض، يتحوّل الجنوب إلى مساحة اختبار لإجابات كثيرة: كيف ستُدار الحدود بعد سقوط السلطة السابقة؟ من يضمن أمن الداخل السوري وجوار سوريا في آن واحد؟ وهل يمكن أن يكون الانتشار الأميركي في الجنوب السوري جزءاً من معادلة تهدئة طويلة الأمد، أم مجرّد ورقة ضغط عابرة في صراع نفوذ أوسع في المنطقة؟
رغم كثرة التسريبات، تبقى المعطيات المعلنة محدودة، لكنّ ما جرى مؤخراً يكفي لرسم إطار عام يمكن البناء عليه لفهم ما يُناقش اليوم في الغرف المغلقة.
الانتشار الأميركي في الجنوب السوري
عندما يُطرح عنوان الانتشار الأميركي في الجنوب السوري، لا يعني ذلك بالضرورة عودة مشهد قواعد كبيرة ومعسكرات مفتوحة للعيان، فالتجربة الأميركية في سوريا خلال العقد الماضي تشير إلى نموذج مختلف: نقاط محدودة، ترتكز على شراكات مع قوى محلية، ومهمات مركزة تحت شعار محاربة الإرهاب وحماية الحدود.
وتجسّد ذلك مثلاً في قاعدة التنف جنوب شرقي البلاد، التي شكّلت لسنوات نقطة ارتكاز لقوات أميركية وعناصر محلية حليفة في منطقة «الـ 55 كلم» قرب الحدود مع الأردن والعراق.
اليوم، ومع تغيّر المشهد السياسي بعد سقوط السلطة السابقة والحديث عن إطلاق مسار جديد، على ما يبدو بدأت واشنطن تعيد النظر في حجم وجودها العسكري في سوريا ككل، معلنة خططاً لتخفيض عدد القواعد إلى مستوى أدنى، مع الميل إلى التركيز على نقاط محددة أكثر أهمية.
وهذا الاتجاه لا ينفي فكرة الانتشار الأميركي في الجنوب السوري، بل قد يعيد تعريفه بوصفه حضوراً أصغر حجماً وأكثر ارتباطاً بملفات بعينها، مثل أمن الحدود مع الأردن ومكافحة شبكات التهريب ووضع خطوط حمر أمام عودة تنظيمات متطرفة.
في هذا الإطار، تبدو فكرة «مفارز» صغيرة قرب مناطق حساسة مثل جبل الشيخ وبعض المعابر غير الرسمية أقرب إلى نموذج مراقبة واستطلاع وتنسيق أمني، لا إلى قواعد تقليدية. وانتشار من هذا النوع يحتاج إلى تفاهمات مع السلطة الجديدة في دمشق ومع عمّان وتل أبيب، وربما غطاء أممي أو إقليمي يخفف من حساسية وجود قوات أجنبية جديدة في منطقة أنهكتها الحروب.
حدود الدور الأممي المحتمل
في موازاة ذلك، يعود الحديث عن دور الأمم المتحدة، سواء عبر توسيع صلاحيات قوات فض الاشتباك في الجولان (الأندوف) أو التفكير في صيغة أممية أوسع تلامس عمق الجنوب.
ومن المهم جداً القول إن أي تطوير لدور الأندوف أو إنشاء قوة جديدة يعني عملياً إعادة تفاهم في مجلس الأمن حول مهمة هذه القوة، وحدود تحركها، وطبيعة علاقتها مع الجيش السوري الجديد ومع «إسرائيل» والأطراف الإقليمية.
وهنا تظهر المعضلة، فالانتشار الأممي يحتاج إلى توافق دولي لا يبدو مضموناً في ظل توترات روسية – غربية، حتى بعد تغيّر السلطة في دمشق، كما يحتاج إلى قبول شعبي ومحلي في بلد صارت أي إشارة إلى وجود قوات أجنبية فيه حساسة للغاية.
لكن مع ذلك، تمنح الصيغة الأممية بعض المزايا مقارنة بالانتشار الأميركي الخالص: غطاء قانوني دولي أوضح، توزيع للمسؤولية بين عدة دول مساهمة بقوات، وإمكانية طمأنة الأطراف المختلفة بأن الدور الأساسي هو مراقبة الاتفاقات لا إدارة الصراع.
الجنوب بين الأمن والسياسة
لا يمكن فهم النقاش حول الانتشار الأميركي في الجنوب السوري، أو حول أي دور أممي محتمل، بمعزل عن ملفي الحدود والاقتصاد غير الشرعي، فجنوب سوريا تحوّل خلال سنوات الحرب إلى واحدة من أهم بوابات تهريب المخدرات والسلاح باتجاه الأردن والخليج، مع تداخل أدوار شبكات محلية وإقليمية.
وحتى بعد سقوط سلطة الأسد، تشير بعض التقارير إلى استمرار نشاط شبكات «الكبتاغون» والتهريب، وإنْ بوتيرة أقل، مع انتقال جزء من عملياتها إلى مناطق حدودية متنازع عليها وضعيفة الضبط.
في مواجهة ذلك، أعلن الأردن وسوريا تشكيل لجنة أمنية مشتركة لضبط الحدود ومكافحة التهريب ومنع عودة تنظيم «داعش»، في إشارة إلى إدراك الطرفين أن الجنوب لم يعد يحتمل فراغاً أمنياً أو مناطق رخوة. وبموازاة ذلك، ظهرت تسوية ثلاثية في السويداء بين دمشق وعمّان وواشنطن، تهدف إلى تهدئة التوترات وتأمين الطرق وإعادة الخدمات، ما يعكس استعداداً أميركياً للانخراط غير المباشر في ترتيبات الجنوب، حتى مع تخفيض الوجود العسكري المباشر.
وهذا المزج بين الأمن والسياسة يجعل أي انتشار أميركي في الجنوب السوري جزءاً من حزمة أوسع ربما وتتضمن في بنودها عدة قضايا، يبرز على رأسها دعم استقرار السلطة الجديدة في دمشق، وحماية أمن الأردن، وضبط حدود الجولان بما ينسجم مع تفاهمات «إسرائيلية» – أميركية.
سيناريوهات مفتوحة ومخاطر كامنة
بين كل هذه الخطوط، يمكن تخيل أكثر من سيناريو، فقد يقتصر الأمر على تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الأميركيين والأردنيين والسوريين، مع بقاء الانتشار الأميركي في الجنوب السوري على شكل مستشارين وقوات خاصة تتحرك من قواعد بعيدة مثل التنف أو من خارج سوريا.
وقد يُدفع باتجاه نقاط صغيرة داخل الجنوب، تحمل طابع المراقبة المشتركة أو العمل ضمن إطار أممي موسّع، بحيث يصبح الأميركيون جزءاً من قوة متعددة الجنسيات لا تظهر بوصفها طرفاً منفرداً.
في المقابل، هناك كوابح حقيقية أمام أي خطوة واسعة، فالقواعد الأميركية في المنطقة باتت أهدافاً معلنة لقوى إقليمية ترى في وجودها تهديداً مباشراً، وقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مواقع أميركية في سوريا والعراق، ما يجعل توسيع الانتشار خياراً مكلفاً ومليئاً بالمخاطر.
كما أن الرأي العام في سوريا والمنطقة أصبح أكثر حساسية تجاه أي وجود عسكري أجنبي، أياً كان شعارُه.
في النهاية، قد يكون الجوهر هنا هو طبيعة السؤال أكثر من شكل الجواب: أي انتشار أميركي في الجنوب السوري، سواء كان مباشراً أو مغطّى بقبعة أممية، لن يُقاس فقط بعدد الجنود أو مواقع المفارز، بل بقدرته على تحقيق أمرين معاً: طمأنة السكان المحليين والدول المحيطة، وعدم تحويل الجنوب مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.
وإلى أن تتضح الملامح النهائية، سيبقى الجنوب مساحة مراقبة دقيقة للتفاصيل الصغيرة، وهذه التفاصيل وحدها هي التي ستجيب عملياً عن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين: هل نحن أمام إعادة رسم هادئة لمعادلة النفوذ، أم أمام فصل جديد من صراع طويل لم ينته بعد؟ خصوصاً أن أمريكا اليوم ليست وحدها في الميدان، ولا يمكنها أن تحتكره…
اقرأ أيضاً: لماذا تصر أمريكا على أنّ «تركيا حطّت وتركيا شالت» في سوريا؟









