المجتمع السوري

هل يضع قانون الجرائم المعلوماتية الجديد حداً للتوقيف التعسفي؟

بقلم هلا يوسف

كان سؤال الاستدعاء الأمني أو الشخصي من أكثر الأسئلة إثارة للجدل بعد إقرار قانون الجرائم الإلكترونية عام 2022، إذ يكفي لمنشور واحد على أحد وسائل التواصل الاجتماعي أن يؤدي إلى توقيفك واحتجاز حريتك بالرغم من أن ذلك مخالف للقانون السوري القاضي بعدم احتجاز الحرية إلا في حالات محددة قبل العرض على القضاء. بعد التحرير، وعبر هذا القانون تم احتجاز بعض الأشخاص بشكل جدلي، أشهرهم الصحفي إياد شربجي، والناشط وصانع المحتوى حسان عقاد، فتفتحت الأعين على ثغرة قانونية تصادر الحريات.

لكن اليوم، التعميم الصادر عن وزارة العدل الخاص بالجرائم المعلوماتية، أعاد تعريف الجرائم الإلكترونية وصنفها ووضحها، حتى لا يتم توقيف أي شخص بذريعة القانون. لذلك في هذا المقال سنستعرض طريقة التعامل مع الادعاء الشخصي في سوريا وغيرها من البلدان، والمقارنة بين قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد النظام السابق، والتعميم الجديد.

أين المشكلة؟

لم تكن المشكلة في القوانين السورية مناهضتها لحق أي شخص باللجوء إلى القضاء، لأن هذا حق تكفله جميع الأنظمة القانونية الحديثة. لكن الإشكالية كانت في الطريقة التي يتم تطبيق فيها بعض الشكاوى، لأنها كانت تتحول أحياناً إلى مدخل لإجراءات تمس الحرية الشخصية: مثل الاستدعاءات الأمنية، أو الإحضار القسري، أو إذاعات البحث، وأحياناً التوقيف الاحتياطي، وكل ذلك قبل أن يقول القضاء كلمته في أصل النزاع.

فتح هذا الملف جاء بعد قضية توقيف الناشط وصانع المحتوى حسان عقاد في حزيران 2026، والذي أثار موجة كبيرة من الجدل القانوني والحقوقي حول أحقية اللجوء إلى التوقيف في دعاوى القدح والذم الإلكتروني. ولذلك أعاد التعميم رقم (26) رسم الحدود بين حق الأفراد في تقديم الشكاوى وبين حماية الحرية الشخصية.

وهنا يمكن القول أن هذا التعميم لا يمكن اعتباره مجرد تعديل عادي يمر مرور الكرام، إنما هو خطوة هامة تُبّين حجم التحول في طريقة التعامل مع الجرائم المعلوماتية. فبدلاً من أن تصبح الشكوى الشخصية سبباً مباشراً لبدء إجراءات الضابطة العدلية، أصبح الأصل هو اللجوء مباشرة إلى القضاء في القضايا التي لا تحتاج إلى تحقيق تقني، مع إخضاع أي إجراء يمس الحرية الشخصية لرقابة النيابة العامة وصدور قرار قضائي واضح، وبضوابط واضحة مثل الخوف من ضياع الأدلة، أو فرار المتهم، أو كشف هوية المتهم.

الادعاء الشخصي… حق قانوني وليس إثباتاً للإدانة

عند النظر إلى المبادئ الأساسية في القانون الجنائي، سنجد أنها تقوم بشكل أساسي على أن الادعاء الشخصي هو حق يمنحه القانون للمتضرر حتى يطالب بحقه أو يحرك الدعوى الجزائية، لكنه لا يعني أن الجريمة قد ثبتت، ولا يعتبر الشخص المشكو منه مداناً بمجرد تقديم الشكوى.

فالقاعدة التي تقوم عليها العدالة الجنائية هي أن كل إنسان يعد بريئاً حتى “يثبت عليه الجرم قانوناً”، أي أن تتم إدانته بحكم قضائي نهائي. والجدير بالذكر أن هذه القاعدة لا تطبق على المستوى المحلي للدول، بل هي قاعدة أساسية نصت عليها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن مجرد تقديم شكوى لا يكفي بالقانون لتبرير تقييد حرية أي شخص. فالتوقيف الاحتياطي لا يعد عقوبة، وإنما هو إجراء استثنائي يتم اللجوء إليه عندما تفرضه مجريات التحقيق، ويجب أن يكون خاضعاً لرقابة القضاء ومتوافقاً مع خطورة الجريمة وظروفها.

وهذا المبدأ أقرته عدد من المنظمات الدولية الأخرى مثل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم (35) على المادة (9) من العهد الدولي، حيث أوضحت أن الحرمان من الحرية قبل المحاكمة يجب أن يكون الاستثناء، وأن مجرد وجود اتهام جزائي لا يبرر التوقيف بشكل تلقائي، حتى نص أنه على السلطات أن تثبت وجود ضرورة حقيقية للتوقيف مثل احتمال فرار المتهم، أو التأثير في الشهود، أو العبث بالأدلة، أو وجود تهديد جدي للمجتمع. أما غير ذلك فلا يحق لأي سلطة أن تقوم بتوقيف الشخص.

كيف تحولت الادعاءات الشخصية إلى وسيلة للمساس بالحرية؟

إذا عدنا للوراء، لقانون الجرائم الإلكترونية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (20) لعام 2022، فسنجد أن تطبيقه يسوده الكثير من الجدل، لأن الكثير من الشكاوى المتعلقة بالنشر الإلكتروني كان يتم إحالتها مباشرة إلى فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية، حتى عندما تكون هوية أطراف النزاع معروفة، ولا تحتاج القضية إلى أي تحقيق رقمي معقد.

ومع مرور الوقت، أدى ذلك إلى توسيع دور الضابطة العدلية في نزاعات يغلب عليها الطابع الشخصي أو الإعلامي، مثل قضايا القدح والذم والتشهير الإلكتروني. ففي مثل هذه القضايا، كان من الممكن أن تبدأ الإجراءات باستدعاء أمني، أو إذاعة بحث، أو حتى توقيف احتياطي، رغم أن طبيعة النزاع لا تختلف كثيراً عن قضايا النشر التقليدية التي تنظر فيها المحاكم المختصة دون توقيف المتهمين.

ولذلك تعرض القانون لانتقادات كثيرة من جهات حقوقية وإعلامية في ذلك الوقت، لأن التوقيف في مثل هذه القضايا يتعارض مع مبدأ التناسب، ويحول الإجراء الاحترازي إلى وسيلة ضغط على الشخص قبل صدور أي حكم قضائي، وهذا يمس جوهر الحرية الشخصية التي يفترض أن تكون هي الأصل، لا الاستثناء كما ذكرنا سابقاً عن المواثيق الدولية.

التعميم رقم (26)… إعادة الاعتبار للأصل القانوني

أما اليوم ومع صدور التعميم رقم (26)، فسيتم معالجة هذه المشكلة من خلال أربع تغييرات رئيسية، وعلى رأسها حصر إحالة الشكاوى إلى الضابطة العدلية في الجرائم الإلكترونية البحتة التي تحتاج إلى تحقيق فني، أو عندما يكون مرتكب الجريمة مجهول الهوية، مثل جرائم الاحتيال الإلكتروني، والدخول غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية، والجرائم التي تتطلب وسائل تقنية لتحديد الفاعل. أما في القضايا الأخرى، وخاصة جرائم القدح والذم الإلكتروني عندما تكون هوية المدعى عليه معروفة، فقد أصبح الطريق هو الادعاء المباشر أمام المحكمة المختصة.

كما قيد التعميم إجراءات الاحتجاز أو إحضار المشكو منه أو إذاعة البحث عنه، بحيث لا يجوز اتخاذ أي من هذه الإجراءات إلا بعد عرض الملف على النيابة العامة المختصة والحصول منها على قرار خطي وصريح. وبذلك أصبح أي إجراء يمس الحرية الشخصية خاضعاً لرقابة السلطة القضائية.

وأكد التعميم أن التوقيف الاحتياطي ليس إجراءً عادياً، وإنما وسيلة استثنائية لا يتم اللجوء إليها إلا عند الضرورة القصوى لتبيان الحقيقة، ومع وجود أسباب قانونية محددة للتوقيف مثل منع التأثير في الشهود، أو الحيلولة دون إتلاف الأدلة، أو منع فرار المتهم، أو درء خطر جسيم على المجتمع. وهذا الأمر يتوافق مع المعايير الدولية الخاصة بالحريات الشخصية.

وحصر التعميم استخدام أوامر إذاعة البحث في الجرائم الخطيرة أو في الحالات التي تفرضها ضرورة فنية، أو عندما لا يأتي المشتبه به إلى جلسات المحاكمات بالرغم من تبليغه. كما نص على تشكيل لجان قضائية لمراجعة إذاعات البحث القائمة وإلغاء الإذاعات التي لا تتوافق مع التغييرات الجديدة.

اقرأ أيضاً: الحياة الإلكترونية في سوريا.. تسوق وتواصل يومي وتوتر مستمر

بين الجرائم التقنية والادعاءات الشخصية

ومن أبرز النقاط التي عالجها التعميم الجديد هو التفريق بين نوعين مختلفين من الجرائم، كان يتم التعامل معهما بالطريقة نفسها في القانون القديم على الرغم من اختلافهما.

النوع الأول هو الجرائم الإلكترونية البحتة، مثل الاختراق غير المشروع للأنظمة المعلوماتية، وسرقة البيانات، والاحتيال الإلكتروني، وانتحال الهوية الرقمية. حيث أن هذه الجرائم تحتاج إلى خبرة تقنية وإجراءات تحقيق متخصصة، وقد تستدعي أحياناً اتخاذ تدابير تحفظية في حال توافر شروطها القانونية.

أما النوع الثاني فهو النزاعات التي تنشأ بسبب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مثل قضايا القدح والذم، أو التشهير، أو الإساءة إلى السمعة. في هذه القضايا تكون هوية الأطراف معروفة، ولا تحتاج عادة إلى تحقيقات تقنية معقدة لتحديد الفاعل. وبذلك تحال هذه الدعاوى مباشرة إلى المحكمة المختصة، بدلاً من تحويلها تلقائيًا إلى الضابطة العدلية.

وبذلك تم إعادة صياغة دور قانون الجرائم الإلكترونية بحيث تركز على مكافحة الجرائم المعلوماتية الحقيقية، بدلاً من تطبيقه لمعالجة كل خلاف يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي.

الحرية الشخصية في الإعلان الدستوري: من النص إلى التطبيق

تعود أهمية هذا التعميم إلى استناده على مبادئ دستورية واضحة نص عليها الإعلان الدستوري الصادر عام 2025 والذي يتم بموجبها حماية الحرية الشخصية، وربط أي تقييد لها بمبدأ الشرعية القانونية والرقابة القضائية، بما ينسجم مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ورغم أهمية جميع التعاميم والقوانين فإن التجربة القانونية في مختلف الدول أثبتت أن وجود النصوص الدستورية وحدها لا تكفي لحماية الحقوق إذا ما اقترنت بتحديد آليات وسبل تطبيق القانون. وإلا يؤدي ذلك إلى تفريغ القانون من مضمونه.

ومن هنا تأتي أهمية التعميم الأخير، لأنه يحاول سد الثغرة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، من خلال وضع الإجراءات المقيدة للحرية تحت نظر رقابة النيابة العامة، وتقييد استخدامها بالشكل الذي ينص عليه القانون.

ماذا يحدث في الأنظمة القانونية المقارنة؟

إذا نظرنا إلى حالات التوقيف الاحتياطي في بعض البلدان والخاصة بالجرائم الإلكترونية، فسنلاحظ أن جميعها يتخذ الطريق نفسه، لأنه كما ذكرنا في بداية المقال، جميع الدول الموقعة على المواثيق الدولية تخضع لنفس الأنظمة.

فمثلاً في معظم التشريعات الأوروبية، لا يؤدي الادعاء الشخصي في قضايا السب أو التشهير إلى توقيف المتهم، بل يتم استدعاؤه للمحكمة ويبقى حراً طليقاً  حتى يتم صدور الحكم، إلا في حال وجود ظروف استثنائية تستوجب التوقيف، وكنا قد ذكرنا هذه الظروف في فقرات سابقة من المقال.

وإذا أردنا التعمق أكثر في القوانين الأوروبية الخاصة بالموضوع، فسنجد أنه في فرنسا، تخضع غالبية جرائم النشر لإجراءات خاصة بموجب قانون حرية الصحافة لعام 1881، ولا يعد التوقيف الوسيلة المعتادة لمعالجتها. كما يشدد القضاء الفرنسي على ضرورة احترام مبدأ التناسب عند فرض أي قيود على حرية التعبير أو الحرية الشخصية.

والأمر نفسه ينطبق على ألمانيا، حيث يخضع التوقيف الاحتياطي لشروط صارمة نص عليها قانون الإجراءات الجنائية، ويقتصر على الحالات التي يثبت فيها خطر الهروب، أو العبث بالأدلة، أو وجود مصلحة جوهرية للتحقيق. أما مجرد وجود شكوى أو ادعاء شخصي فلا يكفي وحده لسلب الحرية.

وتجدر الإشارة إلى أن الهدف من الكلام السابق ليس نقل التجارب الأجنبية بحذافيرها، لكن لتبيان الاتجاه الذي يسلكه القانون الدولي والعالمي، والذي يؤكد على بقاء الشخص حراً في حالات الادعاء الشخصي الخاص بالجرائم الإلكترونية حتى صدور حكم محكمة، بينما يكون تقييد الحرية والتوقيف هو الاستثناء، ولا يستخدم إلا في حال وجود ضرورة للاحتجاز.

في النهاية، على الرغم من صحة التعميم رقم 26 وتصحيحه لمسار قانون الجرائم الإلكترونية، وتحقيقه التوازن بين حق التقاضي وحق الحرية، إلا أن نجاحه يعتمد على طريقة التطبيق. فإذا استمر تطبيق الممارسات السابقة دون الأخذ بالضوابط الجديدة، سيكون حجم الإصلاح محدود. وستبقى أروقة المحاكم مشغولة بقضايا القدح والذم والادعاءات الشخصية.

اقرأ أيضاً: باب توما كإنذار مبكر: ما هو شكل الحريات في دمشق!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى