هل يشكل مركز التحكيم الدولي خطوة لتعزيز ثقة المستثمرين؟

بقلم هلا يوسف
تشكل النزاعات الاستثمارية أبرز الجوانب التي تجعل الكثير من المستثمرين الدوليين يقفون على أعتاب السوق السورية دون دخولها. فوجود بيئة قانونية مبنية على الحياد ومتضمنة شروط فض النزاعات الخاصة بالاستثمارات هي خطوة أساسية لجذب الاستثمارات لبلد يسعى للنهوض بعد سنوات الحرب الطويلة.
ولذلك استجابة هيئة الاستثمار السورية لمتطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية، وسلكت الطريق نفسه الذي سلكته العديد من الدول في إنشاء مراكز تحكيم متخصصة قادرة على توفير آليات واضحة وفعالة لتسوية النزاعات. مما يساهم في تعزيز البيئة الاستثمارية وتطوير منظومة أكثر شفافية وكفاءة في معالجة الخلافات المرتبطة بالاستثمار. وفي هذا المقال سنناقش هذا القرار بين الأهمية والتحديات، وتجارب الدول الأخرى الناجحة في هذا المجال.
أصدر مدير عام الهيئة المهندس طلال الهلالي قراراً يقضي بتشكيل لجنة متخصصة لإعداد النظام الداخلي لمركز التحكيم الدولي للمنازعات الاستثمارية المزمع تأسيسه ضمن الهيئة. وجاء هذا القرار استناداً إلى أحكام المرسوم رقم 114 وتعليماته التنفيذية. ويهدف إنشاء هذا المركز إلى توفير منصة متخصصة لفض النزاعات الاستثمارية وفق أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب ويمنح البيئة الاستثمارية إطاراً مؤسسياً أكثر وضوحاً واستقراراً.
وقد راعى القرار عند تشكيل اللجنة الجمع بين الخبرة القانونية الوطنية والخبرة الإقليمية والدولية في مجال التحكيم، بهدف إعداد نظام داخلي يستند إلى التجارب المتقدمة في هذا المجال. ويتولى رئاسة اللجنة الدكتور الأستاذ محمد وليد منصور، الذي يشرف على أعمالها وينسق اجتماعاتها ويتابع إعداد مسودة النظام الداخلي للمركز، مع الحرص على توافقها مع المرسوم 114 والتشريعات السورية، وفي الوقت نفسه انسجامها مع المعايير المعتمدة في أبرز مراكز التحكيم الدولية.
كما تضم اللجنة عدداً من المستشارين الدوليين المتخصصين في مجال التحكيم، من بينهم الدكتورة نيلة قمير عبيد من الجمهورية اللبنانية، والدكتور حبيب الملا من دولة الإمارات العربية المتحدة. حيث يسهم هذان الخبيران في تقديم الرأي الاستشاري حول آليات تأسيس مراكز التحكيم وصياغة أنظمتها الداخلية بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
كما يشارك في اللجنة عدد من الخبراء الإقليميين الذين يمتلكون خبرات عملية في مجالات التحكيم التجاري والاستثماري في المنطقة العربية، وهم الدكتور بدر البصيص من المملكة العربية السعودية، والأستاذ محمد الحدان المهندي من دولة قطر، والدكتور محمد زيدان من المملكة الأردنية الهاشمية. حيث ستكون مهمة هؤلاء مراجعة المقترحات التنظيمية وتقديم الرأي الفني بما يعزز قدرة المركز على التعامل مع المنازعات الاستثمارية ذات الطابع الإقليمي والدولي.
بينما يتولى فريق قانوني وطني يضم كلاً من القاضية الأستاذة ختام الحداد، إلى جانب المحامين أحمد حداد وحسين الخضور وفادي سركيس وأحمد وليد منصور، إعداد الصياغات القانونية التفصيلية للنظام الداخلي واللوائح التنظيمية الخاصة بالمركز لضمان انسجامها مع التشريعات السورية، وصولاً إلى صيغة نهائية متكاملة للنظام الداخلي للمركز.
ويعكس هذا التشكيل المتنوع حرص هيئة الاستثمار السورية على تأسيس مركز تحكيم دولي يتمتع بالخبرة والحيادية والقدرة المؤسسية على مواكبة المعايير العالمية في تسوية المنازعات الاستثمارية، بما يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين ويدعم تطوير البيئة الاستثمارية في سوريا.
أهمية مركز التحكيم الاستثماري
يعد إصدار القرار بتأسيس مركز تحكيم دولي للمنازعات الاستثمارية ضمن هيئة الاستثمار السورية خطوة منتظرة من قبل الكثير من المستثمرين الراغبين بدخول السوق السورية، لكنهم متخوفون من غموض البيئة الاستثمارية والتشريعية. حيث يوضح الدكتور زكوان قريط، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن وجود مركز تحكيم مرتبط مباشرة بمؤسسة رسمية يمنح هذه الآلية وزناً مؤسسياً لا يتوافر عادة في مراكز التحكيم الخاصة. فالمستثمر بحسب قريط، يشعر بقدر أكبر من الطمأنينة عندما يدرك أن الدولة نفسها تقف خلف إجراءات التحكيم وتضمن نزاهتها.
كما يشير إلى أن هذا الارتباط المؤسسي يعزز الثقة في إمكانية تنفيذ الأحكام الصادرة عن المركز، إذ تصدر تلك الأحكام ضمن إطار قانوني تدعمه جهة حكومية. ومن شأن ذلك أن يبعث رسالة واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب بأن هناك آلية موثوقة لمعالجة النزاعات التي قد تنشأ خلال تنفيذ المشاريع الاستثمارية.
ومن زاوية آخرى، الطبيعة التخصصية للمركز تجعله يركز حصراً على المنازعات المرتبطة بالاستثمار. وبالتالي يسمح ذلك بتطوير إجراءات أكثر ملاءمة لتعقيدات عقود الاستثمار والقوانين المرتبطة بها، كما يتيح الاستعانة بمحكمين يمتلكون خبرة دقيقة في هذا النوع من القضايا.
ووجود المركز ضمن هيئة الاستثمار أهمية كبيرة لكونه يسهل التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وهو ما قد يسهم في تقليص الوقت اللازم لمعالجة النزاعات والحد من التعقيدات الإدارية التي قد يواجهها المستثمر عند اللجوء إلى جهات تحكيم خارج الإطار المؤسسي للدولة.
ويلفت قريط أيضاً إلى أن إشراك خبراء قانونيين من دول عربية تمتلك تجارب متقدمة في مجال الاستثمار، مثل الإمارات والسعودية وقطر، يحمل دلالات مهمة تتجاوز الجانب الفني. فهذه المشاركة تعكس توجهاً نحو الاستفادة من الخبرات الإقليمية واعتماد معايير تحكيم قريبة من الممارسات المتعارف عليها في المنطقة. كما أنها تعزز الإحساس بالحياد لدى المستثمرين، إذ يشعر المستثمر القادم من تلك الدول بقدر أكبر من الثقة عندما يرى أن شخصيات قانونية معروفة من بيئته القانونية تسهم في صياغة قواعد عمل المركز.
لكن السؤال المطروح هنا هو هل كان إنشاء المركز شرطاً من قبل المستثمرين لدخول السوق السورية؟ الحقيقة ليس بالضرورة أنه جاء استجابة لشرط مباشر طرحه المستثمرون قبل دخولهم السوق السورية بحسب الخبير الاقتصادي قريط، بل يمكن فهمه في إطار أوسع من السياسات التي تتبناها الحكومة لتحسين مناخ الاستثمار بشكل استباقي. فالمستثمر الدولي عادة ما يبحث عن مجموعة من الضمانات المؤسسية قبل اتخاذ قرار الاستثمار، ومن بينها وجود آليات واضحة وموثوقة لمعالجة النزاعات المحتملة. ومن هنا فإن تأسيس مركز تحكيم متخصص يوجّه رسالة مفادها أن الدولة تسعى إلى معالجة هذه المخاوف منذ البداية.
ويؤكد قريط أن توقيع مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات الاستثمارية لا يمثل سوى الخطوة الأولى في مسار طويل لتحويل تلك الاتفاقات إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع. فقد أظهرت التجارب أن بعض المستثمرين قد يترددون في تنفيذ مشاريعهم عندما لا تتوافر آليات فعالة وحيادية لحل النزاعات، إذ يخشون الدخول في خلافات قد تستغرق وقتاً طويلاً أو يصعب حلها بعدالة.
على الرغم من أهمية هذا القرار، وما حمله من بنود وأسماء مشجعة على الاستثمار، إلا أن اتخاذ هذه الخطوة لا تزال محكومة بعوامل تجعل من المستثمر قلقاً من دخول السوق السورية، وعلى رأسها الحاجة إلى مزيد من الوضوح والاستقرار في البيئة التشريعية والتنظيمية، ولا سيما فيما يتعلق بالأنظمة الضريبية والجمركية وقوانين العمل.
كما أن البنية التحتية في عدد من القطاعات ما تزال تحتاج إلى أعمال تأهيل واسعة، سواء في مجالات الطاقة والمياه والاتصالات أو شبكات النقل، وهو ما قد يزيد من التكاليف الأولية لأي مشروع استثماري.
ولا يقل استقرار سعر الصرف أهمية عن تلك التحديات، إذ إن تقلب قيمة العملة يعد من أبرز المخاطر التي يأخذها المستثمر الأجنبي في الحسبان، بسبب تأثيره المباشر على تكاليف التشغيل وعلى قيمة الأرباح عند تحويلها إلى الخارج. لذلك يمكن النظر إلى إنشاء مركز تحكيم متخصص باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لمعالجة المخاوف المؤسسية للمستثمرين وتهيئة بيئة قانونية أكثر وضوحاً واستقراراً للاستثمار في سوريا.
التحديات التي تواجه التحكيم في سوريا
رغم أهمية إنشاء مركز للتحكيم الاستثماري وما يحمله من دلالات إيجابية للمستثمرين، فإن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بمدى قدرة البيئة القانونية والمؤسسية في سوريا على دعم عمله بصورة فعالة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن وجود مركز تحكيم بحد ذاته لا يكفي، بل ينبغي أن يترافق مع منظومة قانونية وقضائية متكاملة تضمن استقلالية الإجراءات وسرعة تنفيذ الأحكام الصادرة عنه.
ومن بين أبرز التحديات المحتملة مسألة تنفيذ الأحكام التحكيمية بكفاءة وسرعة، إذ تتعزز ثقة المستثمرين عندما تكون آليات تنفيذ القرارات الصادرة عن هيئات التحكيم واضحة، سواء داخل البلاد أو خارجها. كما أن استقرار البيئة التشريعية يمثل عاملاً أساسياً في هذا المجال، لأن المستثمر يحتاج إلى قدر من الوضوح في القوانين المنظمة للاستثمار والضرائب والعمل، بما يقلل من احتمالات النزاعات ويجعل تسويتها أكثر سهولة.
إضافة إلى ذلك، يبرز عامل بناء الكفاءات المحلية المتخصصة في التحكيم كأحد المتطلبات المهمة لنجاح أي مركز تحكيم وطني. فوجود محكمين وخبراء قانونيين يتمتعون بخبرة دولية يسهم في ترسيخ مصداقية المركز ويمنحه القدرة على التعامل مع النزاعات الاستثمارية المعقدة. كما أن تطوير التدريب القانوني والمؤسسي في هذا المجال قد يساعد مستقبلاً على تقليل الاعتماد على الخبرات الخارجية.
وتبقى مسألة الكلفة وسرعة الإجراءات من الجوانب التي يوليها المستثمرون اهتماماً كبيراً، إذ من المفترض أن يوفر التحكيم بديلاً أكثر مرونة وسرعة مقارنة بالتقاضي التقليدي. لذلك فإن نجاح تجربة التحكيم في سوريا سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المؤسسات المعنية على توفير إجراءات واضحة وفعالة تعزز ثقة المستثمرين وتشجعهم على تحويل الاتفاقيات الاستثمارية إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع.
تجارب الدول الناجحة في التحكيم الاستثماري
عند النظر إلى التجارب الدولية في بناء منظومة تحكيم قوية وفعالة سنجد أن هذه الخطوة شكلت عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في بيئة الأعمال. فقد نجحت عدة دول في ترسيخ مكانتها كمراكز عالمية للتحكيم التجاري من خلال تطوير تشريعات حديثة وتوفير مؤسسات متخصصة قادرة على معالجة النزاعات بسرعة وكفاءة.
من أبرز هذه النماذج سنغافورة التي استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول إلى مركز دولي بارز للتحكيم، مستندة إلى تشريعات متوافقة مع معايير لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، إضافة إلى وجود مؤسسات تحكيم متطورة مثل مركز سنغافورة الدولي للتحكيم الذي يستقطب قضايا من مختلف أنحاء العالم بفضل سرعة إجراءاته ومرونتها.
وفي أوروبا تبرز المملكة المتحدة كنموذج راسخ في هذا المجال، حيث تعد مدينة لندن إحدى أهم العواصم العالمية للتحكيم التجاري. ويستند النظام القانوني هناك إلى إطار تشريعي مستقر يتيح للأطراف إدارة النزاعات بكفاءة عالية، بينما توفر مؤسسات متخصصة مثل محكمة لندن للتحكيم الدولي منصة معترفاً بها دولياً لفض النزاعات المعقدة بين الشركات والدول.
بينما حافظت فرنسا على موقع متقدم في مجال التحكيم بفضل نهجها القانوني المرن ودعم محاكمها المحلية لتنفيذ أحكام التحكيم الدولية. ويتم النظر إلى هذا الدعم القضائي بوصفه عاملاً أساسياً في تعزيز مصداقية التحكيم وإعطائه القوة التنفيذية اللازمة، وهو ما يشجع الشركات العالمية على اللجوء إليه لتسوية النزاعات التجارية والاستثمارية.
أما على الصعيد العربي، فهناك العديد من الدول العربية التي وضعت بصمتها في مجال التحكيم الدولي بفضل التطورات التي أدخلتها على التشريعات والمؤسسات المرتبطة بالتحكيم. ومن بينها الإمارات العربية المتحدة التي عملت على تحديث منظومتها القانونية عبر إصدار قانون اتحادي حديث للتحكيم، إلى جانب تطوير مراكز متخصصة مثل مركز دبي للتحكيم الدولي، مما جعل الدولة وجهة رئيسية لتسوية النزاعات التجارية في المنطقة. كما اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات إصلاحية مهمة بإصدار قانون حديث للتحكيم وإنشاء المركز السعودي للتحكيم التجاري، بهدف توفير بيئة قانونية أكثر جاذبية للمستثمرين.
وعلى ذات النهج، تبنت دول عربية أخرى مسارات مشابهة لتعزيز منظومة التحكيم، من بينها قطر التي أنشأت محكمة دولية متخصصة لتعزيز ثقة المستثمرين، والبحرين التي تستضيف مركزاً دولياً للتحكيم بالشراكة مع مؤسسات عالمية، إلى جانب جهود تشريعية في دول مثل مصر وسلطنة عمان لتطوير قوانين التحكيم بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وتلعب هذه المؤسسات دوراً مهماً في تسوية النزاعات في قطاعات حيوية كقطاع الطاقة، والقطاع المالي، إضافة إلى مجالات التكنولوجيا والاتصالات التي تشهد نمواً متسارعاً ونزاعات قانونية متزايدة.
في الختام، يمكن القول أن إنشاء مركز للتحكيم الدولي في المنازعات الاستثمارية يمثل خطوة مهمة في طريق تطوير البيئة الاستثمارية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرة سيبقى مرتبطاً بقدرة المنظومة القانونية والمؤسسية على دعم عمل المركز وتطوير بيئة استثمارية مستقرة وشفافة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لهذه الخطوة أن تشكل نقطة انطلاق نحو بيئة استثمارية أكثر جاذبية واستقراراً في السنوات القادمة؟
اقرأ أيضاً: الاستثمارات الخليجية الخارجية تحت ضغط الحرب.. هل تكون سوريا ضحية جانبيه لها؟









