سياسة

هل يستطيع الإنتربول الدولي اعتقال بشار الأسد؟

مع سقوط النظام السوري السابق بدأت المطالبات بتحقيق العدالة الانتقالية والتي على رأسها محاسبة الرئيس السوري السابق للنظام بشار الأسد وكل من تورط في دم الشعب السوري سواء بالتمويل أو القتل، لذلك كشف عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، عن بدء تواصل مباشر مع الإنتربول وهيئات دولية أخرى بهدف ملاحقة أفراد من عائلة الأسد، في مقدمتهم بشار الأسد وشقيقه ماهر، على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري، لكن ذلك يفتح علينا باب التساؤل حول ماهية الأنتربول الدولي، وهل هناك رؤساء تم تسليمهم للإنتربول والمحاكمة.

مطالبات بتسليم بشار الأسد للإنتربول

في مقابلة مع قناة “العربية”، أوضح عبد اللطيف أن الهيئة تبذل جهوداً مكثفة لتقديم المسؤولين عن الجرائم للعدالة، من بينهم بشار الأسد وماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، وذلك عبر المسارات القانونية الدولية، وأكد أن “الهاربين خارج سوريا لن يكونوا بمنأى عن المحاسبة”، بحسب تعبيره.

وأضاف أن العدالة لن تقتصر على عناصر الجيش والأجهزة الأمنية فحسب، بل ستمتد لتشمل كل من أسهم في الجرائم، سواء عبر التمويل أو التبرير، بما في ذلك مؤسسات اقتصادية، ورجال أعمال، ومروجو الخطابات التي شرعنت جرائم الإبادة, ولفت إلى أن المادة 49 من الإعلان الدستوري تجرّم صراحة إنكار أو تبرير جرائم الإبادة الجماعية.

وفيما يخص الأدلة، أكد عبد اللطيف أن الهيئة بحوزتها كم كبير من الوثائق التي توثق انتهاكات النظام السابق، جُمعت من منظمات سورية ودولية منذ بداية الثورة، وتشمل هذه الملفات أسماء وتفاصيل عن ضباط أمنيين وعسكريين ومدنيين ضالعين في الانتهاكات، كما أشار إلى تعاون وثيق مع منظمات حقوقية ومجتمعية، قدمت قوائم ضحايا ومستعدة للمساهمة في جهود تعويضهم.

تعويض الضحايا واسترداد الحقوق

وأوضح أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أنشئت بمرسوم رئاسي، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وهدفها الأساسي هو كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار ما حدث، تمهيداً لتحقيق المصالحة الوطنية.

وفي هذا السياق، أوضح عبد اللطيف أن الهيئة ستُعنى بتقديم تعويضات مادية ومعنوية للضحايا، من خلال إنشاء صندوق خاص بالتعاون مع المجتمع الدولي، كما سيتم تنفيذ برامج للدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة في إعادة دمج المتضررين في المجتمع.

وأشار إلى أن الهيئة أتمت الخطوات الإدارية الأساسية، من إعداد النظام الداخلي ومدونة السلوك، إلى تشكيل فريق العمل، وهي تستعد لإطلاق عملها الرسمي على مستوى البلاد.

واختتم عبد اللطيف حديثه بالتأكيد على أهمية توحيد الجهود من أجل الوصول إلى الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من تورط في الجرائم، وهذا ما يقودنا لمحاولة التعرف على ماهية الإنتربول الدولي ومهامه العامة في العالم.

ما هو الإنتربول الدولي وما طبيعة عمله؟

هو المنظمة الدولية للشرطة الجنائية، المعروفة باسم “الإنتربول”، وهو منظمة حكومية دولية تضم في عضويتها 196 دولة، ما يجعلها أحد أكبر الهيئات الأمنية في العالم، وتتمثل مهمتها الأساسية في دعم أجهزة الشرطة في هذه الدول، وتسهيل التعاون بينها من أجل جعل العالم مكاناً أكثر أماناً.

ولتحقيق ذلك، يساعد الإنتربول الدول الأعضاء على تبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم والمجرمين، كما توفر دعماً فنياً وميدانياً يشمل جوانب مختلفة من العمل الشرطي.

كيف يُدار الإنتربول؟

يُشرف على تنسيق العمليات اليومية للإنتربول جهاز يُعرف بـ”الأمانة العامة”، ويتولى قيادته الأمين العام، ويعمل ضمن الأمانة العامة فريق من ضباط الشرطة والمدنيين المتخصصين، وتتخذ من مدينة ليون الفرنسية مقراً رئيسياً لها، إضافة إلى مراكز فرعية مهمة مثل “المجمّع العالمي للابتكار” في سنغافورة، إلى جانب عدد من المكاتب الإقليمية حول العالم.

أما في كل دولة عضو، فيوجد ما يُعرف بـ”المكتب المركزي الوطني”، وهو نقطة الاتصال الأساسية بين تلك الدولة والإنتربول، يدير هذا المكتب ضباط شرطة محليون، ويكون عادة تابعاً لوزارة الداخلية أو الجهة المسؤولة عن الأمن في الدولة.

وتُعد الجمعية العامة للإنتربول هي الهيئة العليا لاتخاذ القرار داخل المنظمة، حيث تجتمع الدول الأعضاء سنوياً لوضع السياسات ومناقشة القضايا العامة.

التواصل بين الدول الأعضاء

من أهم إنجازات الإنتربول أنها توفر شبكة اتصالات آمنة تُعرف باسم “المنظومة العالمية للاتصالات الشرطية 24/7-1″، وهي تعمل على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، تتيح هذه الشبكة للدول الأعضاء التواصل السريع فيما بينها، ومع الأمانة العامة، والوصول الفوري إلى قواعد البيانات الجنائية والخدمات الأخرى، سواء من المراكز الأمنية الرئيسية أو من أماكن نائية.

إضافة إلى ذلك، تدير الإنتربول شبكات تضم ضباطاً وخبراء من مختلف الدول، يتشاركون المعلومات والخبرات عبر فرق عمل متخصصة ومؤتمرات دولية تعقد بانتظام، بهدف تعزيز التعاون وتطوير أساليب مكافحة الجريمة.

الإنتربول الدولي وتفاوت القدرة على تسليم شخصيات سياسية

بعد معرفة عمل الإنتربول الدولي ومهامه، لا بدو من التساؤل عن مدى إمكانية هذه المنظمة في تسليم شخصيات سياسية رفيعة المستوى كرؤساء دول مثلاً، ويمكن أن ننوه أنه في معظم الأحيان تلعب قوة الدولة التي تلجأ إليها هذه الشخصية السياسية ووزنها على الساحة الدولية دوراً في التسليم أو عدم التسليم.

لذلك نستذكر حادثة تسليم تشارلز تایلون رئيس ليبيريا السابق، إلى المحكمة الخاصة بسيراليون في عام 2006، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية في سيراليون، والجدير بالذكر أنه لم يكن هناك تسليم مباشر من الإنتربول، لكن كانت هناك مذكرة توقيف دولية بحقه عام 2003، وقد تم توقيفه في نيجيريا بعد لجوءه لها وتسليمه لاحقاً.

أما في السودان، فقد صدرت مذكرتا توقيف بحق الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير، وكان أول أمر اعتقال بحق عمر البشير في 4 مارس 2009، والثاني في 12 يوليو 2010، إلا أنه بقي حر طليق حتى اعتقاله من قبل أفراد الثورة التي قامت في 2019.

باختصار، تسليم الرئيس السابق للنظام السوري بشار الأسد للإنتربول الدولي يتوقف على مدى تجاوب الحكومة الروسية لهذا الطلب، ومدى الضغوط الدولية التي تمارس عليها في مسألة تسليمه.

اقرأ أيضاً: رواندا.. «العدالة الانتقالية» وإعادة الإقلاع ما بعد الحرب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى