هل يروي الساحل عطش دمشق.. أم فقط مسكّنات

إعداد: ريم ريا
في ظل أزمةٍ مائية تزداد استفحالاً يوماً بعد يوم، بفعل الجفاف وعوامل المناخ وانعكاس تأثيرهما على المياه الجوفية للعاصمة، ناهيك عن التلوث وتهالك البنية التحتية ما يزيد الطين بلّه في التعامل مع أزمة المياه التي تشهدها دمشق. على مدى سنوات يتم طرح مشروع استجرار مياه الساحل السوري لتأمين حاجة دمشق وحلب والمنطقة الوسطى من المياه، إذ تبلغ مساحة حوض الساحل نحو 50,049 كم مربع، ومتوسط الموارد المائية السنوية فيه تبلغ 2335 مليون متر مكعب “المياه السطحية 1,557 مليون متر مكعب، والمياه الجوفية 3,778 مليون م مكعب”. واليوم ما زالت أسطوانة الاستجرار تصدح عبر السنين دون تنفيذ عملي، فائض من التصريحات منذ زمن وصولاً لليوم.. لو كانت التصريحات والوعود “مياه” لروت دمشق وحلب والمنطقة الوسطى معاً… وعود وتصريحات وتراجع وطيّ للملف، هكذا على هذا المنوال منذ سنين.. فما الحل، بالأحرى ما النهاية؟!
في مقالنا هذا سنشرح بشكل بسيط عن ماهية مشروع استجرار المياه للعاصمة دمشق، ما آخر التصريحات والصعوبات، ونناقش عدم تنفيذها على أرض الواقع محاولين تسليط الضوء على هذا المشروع لعلّ وعسى يبصر النور.
ما هو مشروع استجرار مياه الساحل إلى دمشق؟
مشروع استجرار مياه الساحل من المشاريع القديمة المطروحة منذ زمن في سوريا، يقوم على جرّ مياه الساحل وتحليه مياه البحر لتأمين مستلزمات المياه للعاصمة دمشق ولمدينة حلب وربما المنطقة الوسطى، حسب ما طرح مراراً عبر وزارة الإسكان والمرافق تحت عنوان “جرّ جزء من فائض مياه الساحل إلى دمشق”.
أعدّ العرض آنذاك ورَسي على إحدى الشركات، التي قامت بإعداد الدراسة التي وضعت في الأدراج آنذاك. بعد مرور ما يزيد عن ربع قرن على دراسة المشروع وما رافق ذلك من تغير في المعطيات.. هل سيبصر النور، أم سيبقى كمن يغني بالطاحون؟
اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا.. الآبار العشوائية مسمار في نعش المياه الجوفية
آخر التصريحات حول مشروع الاستجرار
في تصريح لمعاون المدير العام لمؤسسة المياه والصرف الصحي في دمشق وريفها “عماد نعمي”، كشف عن دراسة تجريها المؤسسة لمشروع استجرار مياه البحر، معرباً عن أمله في أن يسهم هذا المشروع في تحسين واقع المياه في دمشق وريفها على المدى الطويل.
كما أكد “نعمي” أن الوضع المائي في العاصمة ومحيطها شهد تحسناً في شهر أيلول بعد تنفيذ خطة تقنين المياه، رغم التحديات التي فرضتها موجة الجفاف الشديدة التي اجتاحت سوريا ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. مشيراً إلى أن المؤسسة ماضية قدماً في تنفيذ خطط طموحة لتجاوز هذه الأزمة المائية، من خلال استخدام التقنيات الحديثة في إدارة الموارد المائية. لافتاً إلى أن هناك خطط مائية لتحسين واقع المياه ستبصر النور في العام 2026.
الحكومة السورية تحيي المشروع .. ولكن!
في بادرة ملفتة من الحكومة السورية لإيجاد حلول لأزمة المياه في البلاد.. نفضت الغبار عن مشروع استجرار مياه الساحل وأخرجته من الدروج لكن لشم الهواء أو للتنفيذ؟
أجمع مختصون ومطلعون على الوضع المائي في سوريا على حاجة البلاد ككل وليس فقط العاصمة إلى خطة وطنية وإدارة لملف المياه على مستوى الجمهورية كافة. في سياق متصل، أوضح خبير مائي أن تنفيذ هذا المشروع يحتاج لتكلفة ضخمة وأعوام طويلة جداً في حال أرادت الحكومة تنفيذه، واصفاً الأمر بالمعقد والشائك. ناصحاً السلطات المسؤولة بالعمل بسرعة من أجل خفض هدر المياه من الشبكات.
هذا المشروع لطالما كان أحد الحلول المطروحة التي تلجأ إليها الحكومات السورية المتعاقبة عندما تطل أزمة المياه برأسها على الشعب السوري كما كل عام، وآخر من طرحها قبل الحكومة الجديدة .. حكومة “حسين عرنوس” ما قبل الأخيرة للنظام السابق. يقوم على جلب فائض مياه الساحل لدمشق برفع للمياه يصل إلى 100 متر، كما هو معلن.
عاد استجرار مياه الساحل ليطل برأسه وعلى ما يبدو بجدّية فرضتها الظروف الراهنة للمياه، فقد انعقد اجتماع حكومي في الأشهر الماضية من العام الحالي، بين وزارة الطاقة التي تشرف على ملف المياه والموارد المائية والإحصاء مع هيئة التخطيط الجهة المسؤولة عن عملية البحث عن تمويل للمشاريع من الجهات المانحة أو عبر الاقتراض، وجرى خلال الاجتماع بحث آخر المستجدات المتعلقة بمشروع جلب مياه الساحل وتحلية مياه البحر.
حسب البيان الصادر عن الاجتماع فقد كان مخصصاً للبحث في خطوات تنفيذ المشروع، ويبدو أن هناك تعاطياً جدياً في الحراك الحكومي الحالي مع التفاصيل الفنية للمشروع وآفاق إنجازه، بل وتحديد البرنامج الزمني والمادي المقترح له، خصوصاً في ظل الحاجة الملحة إلى تعزيز الأمن المائي في البلاد. لكن ماذا عن التنفيذ.. في ظل وضع جدّي كهذا ووضع مائي مستفحل نحتاج لخطوات على أرض الواقع.
أمام الشح المائي الذي خيّم على البلاد، تتطلع الحكومة السورية إلى الدفع بالمشروع نحو تنفيذه باعتباره من المشاريع الإستراتيجية على المديين القريب والبعيد، وأن له دور في تنويع مصادر المياه وتأمين الإمدادات في المناطق التي تعاني شحاً مائياً أو تقع تحت سُوط الجفاف.
اقرأ أيضاً: الاستمطار الصناعي… إلى متى سيكون الحل المؤجل لأزمة الجفاف في سوريا؟
مناقشة مشروع الاستجرار وهل من بديل؟
في معرض نقاشنا الموضوعي لمشروع الاستجرار، لا نستطيع تحميل الحكومة السورية الجديدة المسؤولية عن الشح المائي وأسبابه التي كانت السياسات الحكومية السابقة ضالعةً فيه، لكن لا نعفيها من مسؤولية المتابعة وإيجاد الحلول الواقعية والإصلاح، فهي مسؤولة عن إيجاد الحلول السريعة وفق الإمكانات المتاحة.
تصريحات تتردد على مسامع الشعب .. “ملَّ” منها واعتاد عليها، الشعب السوري لم يعد يريد إبرة “بنج” بل يريد لمس شفاء حقيقي للمشكلة المطروحة. الحكومة جدّية في الطرح وعلى ما يبدو حتى اللحظة أنها ستمضي فيه. لكن إلى جانب سؤال متى سيبدأ التنفيذ؟؟ سنناقش وفق المعطيات صعوبة تنفيذ هذا المشروع ونطرح سؤالاً فحواه هل تملك الحكومة ما يغاير المعطيات المطروحة وبالتالي تملك قدرة التنفيذ؟ أم هذه تصريحات مُسكنة تمدّ الشعب بالأمل وتلبسه نظارة ورديّة لكنها لا ترويه لا من الحلول ولا من المياه؟
في ظل مناقشة منطقية واقعة مستندة على معطيات ملموسة، نعرض مدى الجدوى من المشروع، هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى دراسة عميقة، ومراحل تنفيذ بمدى وسطي يقدر بخمسين عاماً. لكن لم تقدّم عبر السنوات دراسة دقيقة بشكل تام للموازنة المائية لحوض الساحل، وليس هناك دراسات دقيقة عن الاحتياجات المائية لا الحالية ولا المستقبلية في المنطقة الساحلية، وللمشروع أثر بيئي على دمشق لم يتقدم أحد لبحثه حتى… هل لاحظت الحكومة هذا؟
إلى جانب مراحل الاستجرار، إذ أن الاحتياجات اللازمة للمشروع لجر المياه لمسافة تزيد عن 250 كم ورفع هذه المياه من المنسوب صفر إلى ارتفاع 500 متر بالقرب من حمص كمرحلة أولى ثم إلى ارتفاع يزيد عن ألف متر في القلمون الشرقي كمرحلة ثانية. تكلفة كل ذلك كمرحلة أولية متوفرة؟
كون الحكومة عازمة وجديّة في طرحها للمشروع، هل لاحظت الأخطاء السابقة، هل قيمتها؟ هل درست التغيرات؟، وقيّمت إذا ما كان ما يصلح في الأمس لا يزال صالحاً اليوم؟
جُملة من الأخطاء كانت من أسباب فشل المشروع سابقاً قبل البداية به حتى، علّ الحكومة قد أخذت بها منعاً من تكرار أخطاء الماضي. فقد مر ما يزيد عن ربع قرن على دراسة المشروع وتغيرت الكثير من المعطيات، وبرزت معطيات جديدة تقنية وغير تقنية لابد من وضعها في الحسبان، إلى جانب الإحاطة بالموازنة المائية في الساحل السوري على أساس تقييم عناصرها المختلفة في الوقت الحالي ووضع نموذج تنبؤي مستقبلي للتغيرات المناخية وغيرها من العناصر، لتحديد كمية المياه المتاحة حالياً ومستقبلاً. فالتغاضي عن ذلك يعني كارثة ستصيب الساحل ودمشق معاً.
هل تحققت الجهات المعنية بتنفيذ المشروع من إمكانية تنفيذ سديّ مرقية والحصين؟ اللذان يعتبران جزءاً مهماً من المشروع، إلى جانب التحقق من دراسة هذين المشروعين بشكل جيد حتى لا تتكرر تجربة سد “السخابة” في مدينة جبلة الذي تم اكتشاف أنه غير قادر على حجز المياه بعد أن أُنفقت عليه وعلى مشروع جر مياه السن إليه مبالغ طائلة في ذلك الوقت، وذلك بسبب قصور في الدراسة البنيوية لمنطقة السد.
قبل العزم على تنفيذ المشروع، هل لفت نظر الجهات المعنية إلى أن دمشق ليست وحدها من تعاني من أزمة المياه، إذ أن العديد من مناطق الساحل السوري تعاني من شح المياه في الوقت الحالي لأسباب مختلفة.
هل توجد دراسة لإمكانية تأمين الطاقة اللازمة لضخ المياه من المنسوب صفر لمسافة مئات الكيلومترات، حتى حمص كمرحلة أولى ثم القلمون الشرقي كمرحلة ثانية أي حتى ارتفاع يقرب من الألف متر قبل أن تجري المياه بالإسالة بعد ذلك إلى مدينة دمشق؟
في حال كانت قد أخذت هذه المعطيات بعين الاعتبار كان ينبغي على الجهات المسؤولة أن تعلن بشكل تقريبي عن موعد إعلان بدء التنفيذ، وأن تضع المواطنين بصورة المشروع ومعطياته الجديدة، لا أن تكتفي بتصريحات تفيد بإعادة إحياء هذا المشروع فقط.
لا أحد يمكنه إنكار أن الحكومة تسعى لإيجاد حلول للأزمة المائية، لكن على الطرح أن يكون منطقي ومناسب للواقع السوري، بناءً عليه طرح أحد الخبراء مشروع بديل لمشروع الاستجرار المكلف مادياً والطويل زمنياً .. وأزمة المياه مستفحلة لا تنتظر أحد، الحلول تطاردها من كل الاتجاهات.
وفق المتخصص المائي والخبير السابق لدى “إسكوا” ووزير الري السابق “نادر البني”، فإنّ تنفيذ جلب المياه من الساحل إلى دمشق يحتاج إلى كلف ضخمة وأعوام طويلة جداً إذا ما أرادت الحكومة تنفيذه، لذلك ينادي بضرورة إحداث تنمية مستدامة في المدن والأرياف والحد من الهجرة الداخلية، فهذا أفضل وأوفر من مشروع جلب مياه الساحل إلى دمشق الذي يكلف 3 مليارات دولار وأعواماً طويلة من العمل، خصوصاً أن حدود استيعاب مدينة دمشق الكبرى وحوض دمشق من السكان وصلت لأكثر مما تتحمله الموارد المائية المتاحة. كما يجب البحث عن بدائل خارج الحوض لاستيعاب النمو السكاني، إذ إن التوزع حالياً غير متوازن حول مناطق مصادر المياه ومناطق الاستهلاك.
بدوره نادى المهندس المائي “غضفان محمد”، باتباع أساليب حماية المياه السطحية من التبخر والهدر، وحصاد مياه الأمطار وإقامة السدود في الوديان ومنع ضياعها، مع ابتكار أساليب حديثة لمنع هدر المياه في البحر والعمل على الاستفادة من مصادر المياه كافة بأعلى كفاءة ممكنة، والعمل على منع ضياع مياه الأمطار والينابيع في البحر. حسب قوله، إن تحقيق ذلك يمكن من خلال موازنات متواضعة جداً قياساً بكلف الجلب والتحلية، خصوصاً أن هناك جهات مانحة يمكن أن تساعد سوريا في هذا الإطار مالياً وفنياً.
بالمحصلة، مشروع استجرار مياه الساحل لدمشق مشروع استراتيجي لا يمكن نكران ذلك، وله فوائد مستدامة.. لكن يُطرح تنفيذه عندما تكون الدولة قوية اقتصادياً لا كوضع سوريا التي أمامها تحديات اقتصادية لا تعد ولا تحصى… إن لم يكن هناك دراسات دقيقة مقرونة بتنفيذ جدي يبقى الحديث محض تصريحات إعلامية مُسكنة ليس إلا.









