أعمال واستثمار

هل نعود لسماع هَدير آلات النسيج.. من بعد الخسارة الفادحة هل من نهوض؟

إعداد: ريم ريا

النسيج السوري كان مَضرب مَثل بجودته واتقان صنعه. كان القطن يَنسل من أيدي السوريين فهم الذين برعوا بزراعته منذ بزوغ فجر صناعة النسيج، فقد عُثر على مغازل من الحجر القديم في سوريا تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وعرفت المنسوجات في الحضارات السورية القديمة كمملكة ماري ومملكة إيبلا، وحجز النسيج السوري مكانته على المستوى الإقليمي والعالمي.

فالمنسوجات السورية حملت الطابعين الغربي والشرقي بحكم موقعها منذ القدم على طريق الحرير. وما زاد المنسوجات اتقان اللمسة السورية التي أضفت الهوية الوطنية على تلك المنسوجات، ليكون المنتج النسيجي السوري تحفة فنية لا يستطيع المرء مقاومة جمالها ويسارع لاقتنائها. لكن الصناعة النسيجية في البلاد قد عانت من الآثار السلبية حتى قبل بدء الصراع، بفعل تطبيق اتفاقيات تحرير التبادل التجاري بين سوريا وتركيا والبلدان العربية، ومنعكسات الأزمة العالمية التي عصفت بالعالم في العام 2008.

وبعد الصراع السوري، تراجع قطاع النسيج وخسر الكثير من كوادره ومعامله وآلاته، فما وضعه منذ الأزمة السورية حتى الآن؟ هل من الممكن الاتجاه للخصخصة هل هي خيار أم ضرورة؟ وما الخطة التي من الممكن وضعها لتعيد لسوريا وضعها كبلد منتج للنسيج؟

حال قطاع النسيج منذ  2011 حتى اليوم

قبل العام 2011 كانت الصناعات النسيجية تحتل المركز الأول بعدد المنشآت وتساهم بنسبة 40% من الناتج الصناعي و45% من الصادرات غير النفطية وتشغل حوالي 30% من إجمالي عدد العاملين في الصناعات التحويلية. وكانت مساهمة القطاع الخاص تبلغ في الناتج المحلي الاجمالي للصناعات النسيجية عام 2010 نحو 81%.

جاءت الأزمة الصناعية التي بدأت في آذار 2011 بعد اندلاع الأحداث السورية لتضيف مصاعب جديدة وكبيرة، إذ طال القطاع  النسيجي التدمير والنهب، فنُهبت العديد من المنشآت الصناعية الخاصة والعامة، وحُيدت مساحات كبيرة وهامة من المدن والأحياء والأراضي الزراعية بفعل الصراع، بالإضافة إلى هجرة رؤوس الأموال والخبرات الفنية واليد العاملة، وما رافقها من اجراءات المقاطعة والحصار وتطبيق قانون قيصر، وصولاً إلى مشاكل أخرى ذات طابع إقليمي وعالمي، مثل آثار جائحة كورونا، واختلال التوريدات الذي رافق الأزمة اللبنانية وغيرها.

ازداد تراجع عدد المنشآت الصناعية النسيجية مع بروز الأزمة وحتى وقتنا هذا لتحتل المرتبة الأخيرة. فبلغت نسبة المنشآت الصناعية النسيجية من اجمالي مجموع المنشآت الصناعية المنفذة من 15% في عام 2010 إلى 7% في عام 2018 وارتفعت إلى 10.2% في عام 2021 و9.2% لغاية الربع الثالث من عام 2022.

يضاف إلى ذلك توقف العمل بمشاريع التعاون مع المنظمات والجهات الدولية المانحة ( اليابان، المانيا، الاتحاد الأوروبي وغيرهم) مع توقف الحكومة الايطالية عن تمويل المرحلة الثانية من برنامج التحديث والتطوير الصناعي وكذلك تفعيل الصندوق الائتماني بمبلغ 20 مليون يورو الذي كان من المفترض أن يمول عمليات تحديث وتطوير الشركات النسيجية التي قام البرنامج بتحديثها والذي تم توقيع اتفاقية تنفيذه خلال زيارة رئيس الجمهورية الايطالية لسورية. رغم قرار حكومة النظام السابق متابعة تنفيذ المرحلة الثانية من هذا البرنامج على نفقتها وبإشراف “اليونيدو” إلا أنها قامت بتجميد العمل بالمشروع في نهاية عام 2013.

أما الآن فيعاني قطاع النسيج من جميع المنعكسات السلبية التي عانت منها الصناعة السورية نتيجة الأزمة بدءاً من تدمير ونهب المنشآت، مروراً بهجرة أصحاب المعامل والعمالة الفنية عماد هذه المعامل، حتى المقاطعة والحصار وصعوبة تأمين مستلزمات الانتاج والتصدير، إضافة إلى نقص موارد الطاقة وارتفاع تكاليفها وانخفاض قيمة العملة الوطنية وصعوبة التمويل وضعف الاجراءات الحكومية.

وفي تصريح يوّصف الواقع الحالي للصناعات النسيجية قال مدير المؤسسة العامة للصناعات النسيجية “عماد علي” في تصريح له لوسائل الإعلام: “إن قطاع الغزل والنسيج في سوريا اليوم، خاصة بالنسبة للمعامل المتوقفة عن الإنتاج، يشهد واقعاً معقداً ومتأزماً، لكن هناك جهود مبذولة لإعادة إحيائه”.

ونوّه “علي” أن معظم شركات القطاع العام المتخصصة في الغزل والنسيج لا تزال متوقفة عن الإنتاج بشكل كامل، والشركات المتوقفة بشكل كلي، تشمل: السورية للغزل، الشهباء، الأهلية، سجاد حلب، المغازل والمناسج بدمشق، غزل دير الزور، الصباغة بحمص، بسبب تدميرها، وأوضح أن هناك شركات سلمت من أضرار المعارك الحربية، وهي: شركة “الدبس “بدمشق، نسيج اللاذقية، غزل جبلة القديم والحديث، خيوط اللاذقية، غزل الحسكة، في حين تعمل الشركة “الخماسية” بدمشق بشكل جزئي.

اقرأ أيضاً: الصناعات النسيجية في سوريا.. ما حالها وأين وصلت الآن؟!

محاولة النهوض وعودة العمل والصعوبات التي تواجه القطاع

ناهيك عن الحرب وما سببته من مأساة لهذا القطاع، لكن نقص وتدهور القطن الذي يعتبر قوام هذه الصناعة ونقص اليد العاملة التي تعد عماد هذا القطاع، هما التحديين البارزين بل المفصليين في عودة هذا القطاع للحياة من عدمه. سوريا كانت من أكبر منتجي القطن “ذي التيلة المتوسطة” وهو من أجود الأنواع في العالم، وتضرر القطن في البلاد كثيراً بفعل الحرب وبفعل الظروف التي عصفت بها حيث ارتفعت تكاليف الري والزراعة وتضررت البنية التحتية للزراعة والتسعير جداً مرتفع يرهق المزارعين، فهذا النقص الحاد في المادة الأساسية الأولية دفع المصانع للاعتماد على الاستيراد ما رفع تكاليف الانتاج بشكل جنوني، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الكيماوية وقطع الغيار بفعل تراجع قيمة الليرة السورية.

ودخول المنتج التركي بفعل الاستيراد أشعل السوق، وكانت قد وجهت حكومة النظام السابق أصابع الاتهام لتركيا بسرقة معامل النسيج في سوريا في المناطق التي كانت تدور بها رحى الصراع. ومن التحديات كذلك ضعف نظام الإقراض المصرفي في البلاد وصعوبة الحصول على قروض بفوائد معقولة، مع مشكلة تقادم الآلات والتجهيزات، فمعظم خطوط الإنتاج في المعامل الحكومية قديمة بحاجة تحديث كامل لرفع الجودة والكفاءة.

نأتي للتحدي الأكبر وهو نقص اليد العاملة التي تعتبر عَصب هذا القطاع، ناهيك عن مشاكل ما تبقى من اليد العاملة المتعلقة بالرواتب والأجور، والتي توصف بالقضية المؤلمة والمعقدة في ظل ما تعانيه الصناعة النسيجية في البلاد.

وكان قد طالب عمال في شركات غزل جبلة القديم والحديث والخيوط القطنية والنسيج، من الحاصلين على إجازات مأجورة، بتمويل رواتبهم من وزارة المالية أو الحصول على سلف تموّل مستحقاتهم حالهم حال شركات أخرى، مع تأكيد العاملين جاهزيتهم للعودة إلى العمل في حال استئناف الإنتاج، والمساهمة في بناء سوريا الجديدة، مطالبين وزارة الاقتصاد والصناعة بعدم التخلي عنهم.

ويرجع هذا التأخير إلى ضعف الموارد المالية لهذه الشركات في المقام الأول، وعدم قدرتها على تحقيق إيرادات كافية لتغطية رواتب العاملين، خاصة مع توقف الإنتاج، والرواتب المتأخرة عبء مالي كبير على الميزانية العامة للدولة والشركات، وحلول هذه المشكلة ما تزال مجهولة وضبابية.

اقرأ أيضاً: الصناعات التحويلية الخاصة تواجه تداعيات الحرب السورية

هل الخصخصة مطروحة، وهل هي خيار أم ضرورة الآن؟

ربما في الوضع الحالي لا ضرر من الخصخصة، وفي المدى المنظور تلوح الخصخصة الجزئية بالأفق، ففي الوضع الراهن هناك أهمية للتشاركية مع القطاع الخاص والاستثمار، فالنهوض بالصناعة الوطنية لا يمكن أن يتم إلا من خلال إقامة مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص، وهناك دراسة حالية للعديد من العروض القدّمة من القطاع الخاص والدول “الصديقة” للاستثمار في شركات القطاع العام.

وعن صيغ الاستثمار والتشاركية المتوقعة، يمكن أن تكون على شكل الاستثمار المشترك، إذ يتم تشغيل المعامل المتوقفة بخطوط إنتاج حديثة بالتعاون مع مستثمرين محليين أو أجانب، أو على شكل عقود للتشغيل والإنتاج، إذ تتولى شركات خاصة تشغيل بعض خطوط الإنتاج أو المعامل بعد إدخال خطوط حديثة بشكل تدريجي.

فالخصخصة الكاملة، ليست الخيار المفضّل بالوقت الحالي للعديد من المعامل الحكومية. وشدد القائمون على قطاع النسيج على أهمية التعاون مع المنظمات الدولية لدعم وتطوير قطاع النسيج في مناطق مثل دمشق وحلب، من خلال إعادة تأهيل المصانع وتدريب العمال.

اقرأ أيضاً: القطن السوري يحتضر.. والمزارعون ينتظرون الفرج!

هل من الممكن أن تعود سوريا بلد منتج للنسيج؟

يجب وضع استراتيجية للنهوض بقطاع النسيج في البلاد، تقوم على ضرورة دعم وتوفير مستلزمات الإنتاج، عبر تأمين المواد الأولية اللازمة، في مقدمتها القطن، ودعم استيراده إذا لزم الأمر، مع العمل على تسهيل الإجراءات الجمركية، وإقرار قوانين لحماية المنتج المحلي، واتخاذ الإجراءات لمكافحة التهريب وفرض رسوم مضادة للإغراق لحماية المنتجات الوطنية من المنافسة غير العادلة.

مع العمل على تحديث خطوط الإنتاج، من خلال تطوير الآلات والمعدات لزيادة الجودة والكفاءة، بما يتناسب مع متطلبات السوق المحلية والخارجية. بالإضافة إلى إيجاد حلول لنقص اليد العاملة ومشكلة الأجور المتأخرة المطروحة على الطاولة الآن.

والجدير ذكره أنه في نهاية عام 2024، صدر مرسوم يقضي بدمج “المؤسسة العامة للصناعات النسيجية” و”المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان” في “الشركة العامة للصناعات النسيجية”. يهدف هذا الدمج إلى تحقيق التكامل في سلسلة الإنتاج (من القطن إلى الغزل والنسيج)، ورفع الكفاءة، وتقليل التكاليف الإدارية، وتوحيد الجهود.

كما تم تشكيل شركات نسيجية بحسب المناطق (الساحلية، الجنوبية، والوسطى) لتحسين إدارة المعامل، كما أن الوزارة تقوم بدراسة الجدوى الاقتصادية لتشغيل الشركات والمصانع المتوقفة وإعادة تأهيلها بما يتناسب مع متطلّبات السوق.

اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تصدر قرارات لتسهيل عمل المنشآت الصناعية في سوريا

ختاماً، كان قطاع النسيج في السابق من أحد دعائم الاقتصاد الوطني في البلاد، وبخسائره الفادحة خسر الاقتصاد السوري أحد أعمدته التي كان يستند عليها، الاقتصاد السوري يملك المقومات للنهوض رغم ما عصف به وقطاع الصناعات النسيجية أحد تلك المقومات، فيتحتم على السلطات الحالية البدء بالتحرك لإحياء هذا القطاع وإعادة عامليه والعمل على عقد شراكات تنهض بما تبقى منه تمهيداً لإعادة ضخ الحياة فيه، مما سينعكس على وضع البلاد واقتصادها بشكل عام، ويفتح آفاقاً جديدة للنمو والازدهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى