هل نشهد ولادة تيار «تشاركي» حقيقي من داخل السلطة؟

مقال رأي – عروة درويش – هل نشهد ولادة تيار «تشاركي» حقيقي من داخل السلطة؟
نشر محمد طه الأحمد، مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، مقالاً في صحيفة «الثورة» بتاريخ 22 شباط 2026، وتم وضعه في قسم «الرأي». رغم أهمية النص من الناحية النظرية، إلّا أنّ أهميته لا تقتصر على ذلك، بل ترتبط بشكل وثيق بموقع كاتبه ومنبر نشره. عندما يصدر حديث عن «عقد وطني جامع» وتوزيع واضح للصلاحيات ومنع تركز السلطة من داخل صحيفة رسمية وعلى لسان مسؤول في هذا المستوى، فإننا لا نقرأ رأياً عابراً، بل إشارة سياسية يجب التوقف عندها.
المقال ينطلق من تقدير صحيح، برأيي وبرأي الكثيرين من المشتغلين والمتابعين للسياسة: المنطقة تدخل مرحلة إعادة تموضع حاد، وأحد الملفات التي تعبّر عن إعادة التموضع هذه هي احتمال التصعيد شبه المؤكد بين أمريكا وإيران، والذي لن يكون مجرد حدث عسكري إن وقع، بل عامل قد يعيد تشكيل توازنات الإقليم بأسره.
في هذا السياق، يضع الكاتب معيار القوة الحقيقي لسوريا في متانة جبهتها الداخلية. هذه نقطة أتفق معها بشكل كامل. الدول الخارجة من نزاع طويل لا تواجه المخاطر الخارجية بصلابة عسكرية فقط، بل بقدرتها على إدارة التعدد السياسي والاجتماعي ضمن إطار مؤسسي جامع.
لكن علينا أن نذكر هنا أنّ ما طرحه طه الأحمد حول ضرورة إنتاج عقد وطني، وتوزيع الصلاحيات، وبناء نموذج جمهوري متوازن، هو في جوهره ما دعت إليه قوى سياسية ومدنية عديدة في الفترة منذ التحرير وسقوط سلطة الأسد، وما تزال تفعل ذلك إلى يومنا هذا. الجديد اليوم أن هذا الخطاب يصدر من داخل السلطة.
إذا كان هذا يعكس توجهاً حقيقياً داخلها نحو عقلية تشاركية فعلية، فإن ذلك تطور بالغ الأهمية، لأنه يعني إدراكاً بأن الاستقرار لا يُدار بالاحتواء الأمني، بل بالشراكة السياسية.
لكن التحدي يبدأ هنا. حتى اللحظة، لا توجد آليات تنفيذ واضحة تعكس هذا الاتجاه. لا يوجد مسار تحضيري معلن لمؤتمر وطني جامع بمعايير تمثيلية حقيقية. لا توجد مشاورات سياسية علنية ومنظمة مع قوى مجتمعية فاعلة يمكن أن تشارك في صياغة أجندة مشتركة تحمي البلاد من الاحتقان والتطرف والدعوات المرتبطة بأجندات انفصالية أو إقصائية. الفجوة بين الخطاب والممارسة ما تزال قائمة.
ولستُ هنا بأي حال أشير إلى أنّ ما ذُكر من خطوات عملية يجب أن يعلن عنه السيد طه الأحمد، ولكن لوضع الصورة العامة في مسار فعلي.
الأمر الآخر أننا نسمع، في المقابل، من بعض المسؤولين أو المحسوبين على السلطة خطاباً يبرر محاباة الأقارب على أنه أمر طبيعي، أو يطرح أفكاراً تمس جوهر النظام الجمهوري، أو يتيح المجال لخطابات إقصائية تكفيرية على منابر رسمية. هذه المواقف لا يمكن، ولا يجب، أن تتم قراءتها بوصفها زلّات فردية فقط، بل كمؤشرات على وجود تيار آخر يميل إلى إعادة إنتاج حلقة حكم مغلقة، تقوم على احتكار القرار وتقليص المشاركة.
هل يوجد تياران داخل السلطة؟
يدفعنا هذا إلى التساؤل بشكل جدي عمّا إذا كان هناك تياران داخل السلطة، أحدهما يسعى إلى بناء دولة تشاركية متوازنة، والآخر يميل إلى الانغلاق. إذا صحّ ذلك، فالمسؤولية الوطنية تفرض على القوى السياسية والمجتمعية الداعية إلى التشارك والانفتاح، دعم هذا الاتجاه داخل السلطة، في محاولة لتغليب المصلحة العامة، فتقوية الجبهة الداخلية قبل اشتداد التحولات الإقليمية – والدولية – مسألة غاية في الأهمية، ولا يمكن تأجيلها.
لكن المطلوب أيضاً من التيار التشاركي داخل السلطة «إن كان موجوداً بالفعل» أن يقوم أو يدعوى علناً على الأقل إلى خطوات وآليات عملية تثبت أنه قادر على الخروج من دائرة التوازنات الداخلية التي تكبله. المطلوب مؤشرات واضحة: مسار حوار وطني تمثيلي حقيقي، ضبط الخطاب الرسمي، منع تبرير المحاباة، حماية الفضاء العام من خطاب الكراهية، إعلان جدول زمني لإصلاحات دستورية ومؤسسية. من دون ذلك، سيبقى الحديث في إطار الرغبة لا السياسة.
الخطر الحقيقي هنا يكمن في جوهره في انتصار التيار الانغلاقي، وفي عجز التيار التشاركي عن ترجمة رؤيته إلى قرارات نافذة. إذا لم يستطع هذا الاتجاه أن يثبت استقلاله وقدرته على التأثير داخل بنية القرار، فإن النتيجة ستكون في نهاية المطاف تكراراً للنوايا النبيلة والحديث العام، وبالتالي سنصل يوماً ما إلى مرحلة من الفراغ السياسي المليء بخطاب متشدد، والذي سيؤدي حتماً إلى عدم القدرة على تجنيب سوريا والسوريين ما قد يجرّه التغييرات في الوضع الدولي والإقليمي.
طه الأحمد حذّر من احتمال انقسام داخلي إذا لم تتم إدارة المرحلة بطريقة مناسبة. هذا التحذير واقعي. التحولات الدولية لا تنتظر استكمال النقاشات الداخلية، بل تتقاطع معها وتضغط عليها وتضخم هشاشتها. لذلك، تقوية الجبهة الداخلية اليوم ليست مسألة تحسين صورة أو إدارة خلاف، بل شرط لبقاء الدولة متماسكة في لحظات إعادة تشكيل الإقليم وتوازناته.
إذاً، بالنسبة لي – بصفتي صاحب الرأي – المسألة واضحة: إن كان هناك داخل السلطة اتجاه جاد نحو الشراكة مع جميع القوى السياسية والمجتمعية السورية من أجل بناء مؤسسات دولة متوازنة، يجب دعمه والعمل معه للوصول إلى تفاهمات حقيقية تقطع الطريق على تيار الانغلاق ومصالحه التي قد تؤدي بنا جميعاً إلى الخراب. أما إذا بقي الأمر في حدود الخطاب، أو عجز هذا الاتجاه عن الخروج من ظل البنية المغلقة، فإن التحذير من انقسام داخلي لن يبقى نظرياً، وقد يتحول – وهو ما لا يرغب به أحد – إلى مسار انفجاري قابل للتحقق بشكل فعلي بفعل ضغط المتغيرات الدولية والإقليمية.
تقوية الجبهة المحلية ضرورة، وإلا فنحن أما حالة من اللا يقين التي تخضع لعوامل وأزمان تفرضها في الحقيقة قوى غير محلية …
اقرأ أيضاً: ما وراء الصورة التلفزيونية: بدو سوريا بين البحث عن الدولة والتحلل منها
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.









