هل مطامح تركيا هي ذاتها مطامع إسرائيل في سوريا؟

الكاتب: أحمد علي
لم تعد سوريا مجرّد بلدٍ يضمد جراح حرب طاحنة، بل أضحت أشبه برقعة شطرنج إقليمية تتنافس فوقها قوى عدة على النفوذ والمصالح. في شمالها تمتد الأيدي التركية بطموحاتها وأحلامها التاريخية، وفي جنوبها تثبّت «إسرائيل» أقدامها مستندة إلى قوة السلاح وفرض الأمر الواقع. هكذا تقف دمشق في قلب معادلة إقليمية معقّدة. بين مطامح تركيا ومطامع «إسرائيل» في سوريا، تضيع ملامح السيادة الوطنية وسط الأجندات الخارجية. لكن هل حقاً تتشابه الرؤى والخطط لدى تركيا و«إسرائيل» في سوريا؟ أم أنّ طموحات الجار تتقاطع مع طموحات أهل البلاد، ومطامع الكيان تقف عدواً لهذا الطموح؟
هذا السؤال بات مطروحاً بقوة مع دخول الصراع السوري منعطفات جديدة، وتحويل البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها استراتيجيات اللاعبين الإقليميين. نحاول هنا الغوص في دوافع تركيا وإسرائيل ومقارنتها ضمن الجانب الجيوسياسي للصراع السوري، لنفهم ما إذا كانت مطامح الأولى هي ذاتها مطامع الثانية في سوريا، أم أن التباين أعمق من التشابه.
مطامح تركيا ومطامع «إسرائيل» في سوريا: سياقات وأهداف متباينة
على الرغم من التواجد الموازي لكلٍّ من تركيا وكيان الاحتلال الإسرائيلي على الأرض السورية، فإن السياقات التاريخية والدوافع السياسية لكل منهما متباينة بشكل واضح. تركيا لها حدود طويلة مع سوريا تقارب 900 كيلومتر، ومنذ اندلاع الأزمة عام 2011 وجدت نفسها أمام تحديات أمنية مباشرة: فوضى عارمة على حدودها، وتنظيمات متشددة، وأهمها بالنسبة لأنقرة صعود نفوذ المقاتلين الأكراد السوريين المتحالفين مع حزب العمال الكردستاني.
دفعت هذه الهواجس تركيا إلى سلسلة عمليات عسكرية في الشمال السوري خلال الأعوام الأخيرة، بدءاً من عملية «درع الفرات» ثم «غصن الزيتون» فـ «نبع السلام»، هدفها المعلن إنشاء منطقة آمنة عازلة وتأمين الحدود. ونتيجة لهذه العمليات، تُسيطر أنقرة اليوم على مساحة تُقدَّر بحوالي 8835 كيلومتر مربع داخل سوريا – رقعة تعادل تقريباً مساحة دولة صغيرة – تضم مدناً وبلدات استراتيجية مثل عفرين والباب وتل أبيض ورأس العين وغيرها. هذا الحضور الميداني عزز نفوذ تركيا بشكل غير مسبوق خارج حدودها، وجعلها لاعباً أساسياً في الشمال السوري.
لا تُخفي أنقرة أن دوافعها ترتبط بأمنها القومي؛ إذ تعلن مراراً أنها لا تطمع بأراضي سوريا لكنها تسعى لضمان عدم قيام كيان معادٍ أو منطقة انفصالية كردية قرب حدودها. كذلك تُعوِّل تركيا على دور كبير في مستقبل سوريا الاقتصادي، عبر المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المرتقبة بما يحقق لها مكاسب استراتيجية. كما أن تحسين الأوضاع في شمال سوريا يوفر بيئة مناسبة لعودة نسبة من اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا إلى بلادهم، ما يخفف ضغطاً داخلياً على الحكومة التركية.
إلى جانب ذلك، هناك بُعد أيديولوجي وتاريخي لا يمكن إغفاله؛ فالكثير من المراقبين – لا سيما في «إسرائيل» – ينظرون بعين الريبة إلى التحركات التركية باعتبارها امتداداً لمشروع ذي جذور إمبراطورية عثمانية. بالنسبة لهؤلاء، تسعى أنقرة إلى ترسيخ نفوذ مستدام في سوريا عبر اتفاقات دفاعية وتغلغل اقتصادي طويل الأمد، بحيث تتحول سوريا من مصدر تهديد إلى عمق استراتيجي لتركيا. هذه الطموحات التركية المتنامية في الميدان السوري أثارت قلقاً متزايداً في تل أبيب خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع إدراك «إسرائيل» أن أنقرة تراكم أوراق قوة يمكن أن تعيد رسم توازنات الإقليم على المدى البعيد.
في المقابل، «إسرائيل» تنظر إلى سوريا بمنظار مختلف تماماً، قوامه الهواجس الأمنية ومطامع توسعية تاريخية. فالعلاقة العدائية بين دمشق وتل أبيب تعود لعقود خلت؛ فقد احتلت «إسرائيل» هضبة الجولان الاستراتيجية منذ حرب 1967 وضمتها فعلياً بمساحة تُقدَّر بحوالي 1200 كيلومتر مربع من الأرض السورية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. وهذا الاستيلاء يُمثّل أبرز مطامع «إسرائيل» في سوريا والتي تسعى لتكريسها كأمر واقع دائم.
ومع اندلاع الحرب السورية، حرصت «إسرائيل» على استغلال الوضع لترسيخ خطوطها الحمراء الأمنية داخل سوريا. لقد نفّذت عشرات الضربات الجوية والعمليات السرية لمنع ما تسميه «التمركز الإيراني» ونقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله اللبناني. وتكشف الإحصاءات الحديثة أن وتيرة الغارات الإسرائيلية ازدادت بشكل ملحوظ؛ حيث سجل عام 2023 وحده 40 غارة إسرائيلية داخل سوريا، مقارنةً بـ 28 غارة فقط في كل من العامين 2022 و2021. وهذه الغارات استهدفت مواقع متنوعة تمتد من دمشق إلى حلب وحتى العمق الصحراوي، ودمّرت مئات الأهداف العسكرية بما فيها مستودعات أسلحة ومنصات صواريخ وقوافل إمداد، ولاحقاً لذلك وما بعد سقوط سلطة بشار الأسد، نفذ كيان الاحتلال الإسرائيلي مئات الغارات خلال أيام مستهدفاً كامل مقدرات الجيش السوري السابق، وكل ذلك ضمن استراتيجية لمنع تشكيل أي تهديد استراتيجي جديد على حدودها الشمالية.
وتحت مظلة «الدفاع عن الأمن القومي»، ذهبت «إسرائيل» أبعد من الضربات الجوية. وتوغلت برياً داخل الجنوب السوري لأول مرة منذ عقود، وهي الآن لا تبعد عن دمشق أكثر من 10 إلى 20 كيلومتراً وفق ما تذكر العديد من التقارير.
أهداف «إسرائيل» في سوريا تتجاوز اللحظة الآنية لتطال المستقبل البعيد؛ فهي – وفق تحليلات متخصصة – تطمح إلى فرض ترتيب إقليمي جديد في الجولان وجواره يشمل إقامة منطقة منزوعة السلاح واسعة في الجنوب السوري، وضمان حرية حركة لطيرانها الحربي فوق سوريا ولبنان. كما تسعى «إسرائيل» في نهاية المطاف إلى شرعنة ما فرضته بالقوة عبر اتفاقات سياسية – إن أمكن – تعترف بواقع تغيير الحدود (أي ضم الجولان)، وترسم علاقة خاصة تربطها ببعض مكونات المجتمع السوري (كالدروز في منطقة السويداء). وبالطبع، يشمل ذلك إبعاد القوى المعادية لها؛ فمن منظور تل أبيب لا مكان لإيران أو فصائل فلسطينية مسلّحة في سوريا المستقبل، ولا وجود عسكري تركي أيضاً. هذه الرؤية الإسرائيلية الطموحة لسوريا تصطدم بشكل مباشر مع تطلعات أنقرة، وتجعل الساحة السورية ميداناً لتجاذب غير مسبوق بين مشروعين إقليميين مختلفين في الجوهر.
توازنات معقّدة وتنافس حذِر على الأرض السورية
على الرغم من الاختلاف الواضح في دوافع تركيا و«إسرائيل» داخل سوريا، فإن تواجدهما المتزامن هناك خلق واقعاً جديداً من التنافس الحذر وتوازنات معقدة بينهما. لم يكن أي من الطرفين يتخيل قبل سنوات أنه قد يجد نفسه في مواجهة غير مباشرة مع الآخر على الأراضي السورية، لكن تمدّد الدور التركي شمالاً واتساع نطاق التحركات «الإسرائيلية» جنوباً جعلا خطوط النفوذ تقترب بشكل مثير للقلق.
«إسرائيل» باتت تنظر بريبة إلى الوجود التركي العسكري المتصاعد قرب حدود نفوذها. وسائل إعلام ومسؤولون في تل أبيب بدأوا يتحدثون صراحةً عن “تمدد تركي مقلق في العمق السوري” يخشون أن يُقيد حرية «إسرائيل» العسكرية ويغيّر خريطة النفوذ الإقليمي. فـ«إسرائيل» التي اعتادت على أجواء مفتوحة لغاراتها ترى في إقامة تركيا لمنطقة آمنة وقواعد شمال سوريا احتمالاً قد يعرقل هامش حركتها الجوّية. حتى أن وقائع كشفت أن تل أبيب تخشى قيام أنقرة بنشر منظومات دفاع جوي متقدمة في الشمال السوري، مما قد يحدّ من حرية الطيران «الإسرائيلي» الذي اعتاد تنفيذ ضرباته بلا عوائق تُذكر. ولم تكن تلك المخاوف مجرد همس في الكواليس، بل برزت علناً على لسان مسؤولين «إسرائيليين». فعلى سبيل المثال، حذّر وزير «إسرائيلي» مؤخّراً مما أسماه “محاولات تركية للسيطرة على دمشق”، معتبراً أن «إسرائيل» تأخرت في التحرك لكنها لن تسمح بتغييرات تهدد أمنها.
التصريحات الإسرائيلية التصعيدية تُقابلها نبرة تركية حادة أيضاً، إذ لم يتردد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التحذير من نوايا «إسرائيل» التوسعية. ففي أواسط 2024، وأثناء احتدام العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، قال أردوغان إن «إسرائيل» دولة «إرهابية» إذا لم يوقفها العالم «ستطمع عاجلاً أو آجلاً بأراضي تركيا مستندة إلى أوهام الأرض الموعودة». كما أشار في تصريح آخر إلى أن «إسرائيل ستأتي إلى الشمال السوري لحظة احتلالها دمشق»، في إشارة إلى قلق تركي من أن تغري الفوضى «إسرائيل» بالتوغل أكثر فأكثر شمالاً حتى تقترب من الحدود التركية (فالمسافة بين مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي الحالية في الجولان والحدود التركية باتت أقرب من أي وقت مضى).
هذه الحرب الكلامية المتبادلة عكست انعدام ثقة عميق بين أنقرة وتل أبيب فيما يتعلق بسوريا، وكشفت أن كلاهما يرى في تحركات الآخر تهديداً إستراتيجياً مباشراً لنفوذه وأمنه القومي.
مع ذلك، ورغم قرع طبول المواجهة في التصريحات، لا يسعى أي من الطرفين إلى صدام عسكري مباشر في سوريا، أقله في المدى المنظور وكما هو معلن (وهذا لا ينفي بطبيعة الحال إمكانية حدوث ذلك بظل التوترات الكبرى التي تشهدها المنطقة الآن).
يدرك الأتراك و«الإسرائيليون» أن المواجهة المفتوحة بينهما ستكون مكلفة وغير مرغوبة، خاصة أنهما نظرياً حليفان للولايات المتحدة التي لن ترضى بصراع بين شريكيها. لذلك اتجه الجانبان إلى تنظيم خلافهما عبر قنوات دبلوماسية خلفية، بهدف تفادي أي احتكاك غير محسوب على الأرض السورية. وقد كشفت تقارير حديثة عن عقد جولة مباحثات تركية-«إسرائيلية» سرية في العاصمة الأذربيجانية باكو بتاريخ 9 نيسان 2025، سعى خلالها الطرفان للتوصل إلى تفاهمات واضحة تمنع التصعيد الميداني بينهما داخل سوريا. ورغم أن الجولة الأولى لم تُسفر عن نتائج ملموسة، فإن مجرد انعقادها يعكس الحرص على إدارة التنافس بحذر بدل الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ومما يؤكد جدية هذه المخاوف، أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي قام بجولة تفقدية استفزازية في مناطق احتلال جيشه في سوريا في 20 نيسان 2025، برفقة ضباط كبار، مشدداً على خطط الحفاظ على سيطرة إسرائيل هناك. كانت تلك رسالة مضمرة إلى تركيا مفادها أن «إسرائيل لن تتراجع عن خطوط نفوذها الحالية»، وهي خطوة زادت التساؤلات حول مستقبل هذا التنافس. في المقابل، حرصت أنقرة عبر الإعلام والقنوات الخلفية على طمأنة تل أبيب بأن وجودها شمال سوريا ليس موجهاً ضد «إسرائيل» بل لضمان أمنها هي، في محاولة لنزع فتيل الأزمة.
الولايات المتحدة بدورها دخلت على الخط كوسيط خلف الستار لمنع تفكك تحالفاتها. ظهر ذلك جلياً عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه وسيطاً بين بنيامين نتنياهو ورجب طيب أردوغان، مستعرضاً علاقاته الوثيقة بهما. دعا ترامب إلى ضبط النفس وعرض استضافة محادثات في واشنطن للحيلولة دون صدام مباشر بين حليفيه. وبالرغم من أن مبادرته حملت في طياتها دوافع شخصية وسياسية (رغبته في الظهور بمظهر رجل الدولة القادر على إدارة الأزمات)، فإنها تعكس أيضاً إدراك واشنطن لحساسية المشهد: سوريا اليوم تُدار ملفاتها على طاولات خارجية، وأي انفجار تركي- «إسرائيلي» غير محسوب قد يخرج اللعبة عن سيطرة الجميع. ويبدو السيناريو الأقرب حتى الآن هو تفاهمات ضمنية على «تقاسم نفوذ» غير معلن أو على الأقل عدم عرقلـة متبادلة.
فـ«إسرائيل» قد تقبل بنفوذ تركي محدود شمالاً ويضبط الجماعات المتطرفة، وتركيا قد تغض الطرف عن الضربات «الإسرائيلية» ما دامت لا تستهدف قواتها أو تقوّض خططها الاستراتيجية. من هذا المنطلق، يمكن فهم بعض التصرفات الميدانية على أنها رسم متبادل لحدود الدور.
في الختام، يبدو جلياً أن مطامح تركيا ومطامع «إسرائيل» في سوريا وإن تشابهت ظاهرياً في كونهما تطلعين لنفوذ خارجي على حساب دمشق، فإنهما تختلفان من حيث المنطلقات والأهداف البعيدة. تركيا تبحث عن عمق أمني واستراتيجي وتطمح لضمان حدودها وحماية مصالحها الإقليمية، فيما «إسرائيل» تسعى إلى تحييد أي تهديد لأمنها ولو عن طريق فرض الوقائع وتغيير الحدود بالقوة. وبينما تبني أنقرة نفوذها عبر تحالفات محلية ومشاريع تنموية (حتى لو كانت بدوافع ذاتية)، ترسّم تل أبيب حضورها عبر القصف والهيمنة العسكرية المباشرة وتعلن صراحة عن مشروعها المسمى «الشرق الأوسط الجديد».
ورغم هذا التباين، تبقى النتيجة مؤلمة إلى حدٍّ كبير: سوريا لاتزال ساحةً مستباحة لطموحات دول الإقليم وأطماعهم، ويدفع شعبها سابقاً والآن ثمن تسويات الكبار. ربما لا تكون مطامح تركيا هي ذاتها مطامع «إسرائيل» في سوريا، لكن المحصلة على الأرض هي مزيد من التجزئة والتدويل لقضية يفترض أنها قضية السوريين أولاً وأخيراً. وإلى أن تستعيد سوريا عافيتها وتماسُكَها، ستظل عرضةً لأن تكون ميداناً لتقاطع المصالح وصراع النفوذ بين من يرفع شعار الأخوة والجوار ومن يلوّح بذرائع الأمن والتاريخ – فكلاهما يجد في ضعف سوريا فرصة لتحقيق أجندته الخاصة. المعزي في الأمر أنّ أجندة الأتراك تتقاطع مع أجندة السوريين في كثير كثير من النقاط، بينما أجندة كيان الاحتلال فهي تقف ضدّ كلّ من يريد سوريا موحدة.
اقرأ أيضاً: تضم خمس دول.. تركيا تكشف عن «آلية إقليمية» بإدارة سورية وهدف محدّد!
اقرأ أيضاً: يُحكى أنه أخطر مشروع على وحدة سوريا.. ماذا تعرف عن «ممر داؤود»؟!









