هل مات قرار مجلس الأمن 2254 باستقالة بيدرسن؟

الكاتب: أحمد علي
في المساء الذي أعقب إعلان غير بيدرسن عزمه على التنحي من منصب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، انفجرت التعليقات: القرار مات… المسار انتهى… الورقة طُويت. على مواقع التواصل بدا المشهد كأنّ الشخص هو النصّ، وأنّ الوظيفة هي الإطار القانوني. لكن السياسة، مثل المعمار، لا تقوم على حجر واحد حتى لو حمل اسم مهندس بارز. في 18 أيلول 2025 قال بيدرسن لمجلس الأمن إنه سيغادر مؤكداً أن القرار اتُّخذ لأسباب شخصية، وأنّ الأمين العام قبل الاستقالة. ويأتي ذلك بعد تحوّلات كبرى تشهدها سوريا منذ أواخر 2024، تحولات جعلت اللحظة السياسية تبدو كأنها تعاود توزيع الأدوار على خشبة لا يزال نصّها الأساسي هو ذاته.
قرار مجلس الأمن 2254 لا يموت باستقالة مبعوث
إذا أردنا إجابة مختصرة على السؤال المتداول، فهي: لا بالتأكيد. فقرار مجلس الأمن 2254 ليس عقد عمل مرتبطٍ باسم شخص، بل هو قرار أممي مُلزم من دون “تاريخ صلاحية” مضمّن في نصّه. القرارات من هذا النوع تستمر ما لم تُستبدل بقرار لاحق ينسخها أو تُحدد لها آلية انتهاء صريحة، وهو ما لا ينطبق على 2254 المعتمد بالإجماع في 18 كانون الأول 2015. وأي حديث عن “موت” القرار بسبب استقالة مبعوث هو خلط بين الأداة التنفيذية (المبعوث ومكتبه) وبين المرجعية القانونية والسياسية التي تُحدّد وجهة العملية برمتها.
من أين جاء القرار وما الذي ينصّ عليه؟
وُلد قرار مجلس الأمن 2254 في لحظة سعت فيها القوى الدولية إلى تجميع خطوط النار السورية تحت سقف خريطة طريق واحدة: وقف إطلاق النار، مسار تفاوضي سوري–سوري تحت رعاية الأمم المتحدة، صياغة دستور جديد، ثم انتخابات “حرّة ونزيهة” بإشراف أممي وفق أعلى معايير الشفافية ومشاركة السوريين كافة بمن فيهم الشتات.
حدد القرار “ستة أشهر” لتشكيل حكم ذي مصداقية، و“ثمانية عشر شهراً” للوصول إلى انتخابات وفق الدستور الجديد. صحيح أن الزمن مضى دون تنفيذ للقرار حتى اللحظة أو تعديله ما بعد سقوط سلطة الأسد، لكن خريطة القرار ذاتها ظلّت المرجع الذي تُقاس عليه أي مبادرات أو تفاهمات لاحقة.
وظيفة المبعوث: ناقل الحركة وليس المحرّك
المبعوث الأممي ـ أيّ مبعوث ـ هو “ناقل الحركة” الذي يربط محرك الشرعية الدولية بعجلات العملية السياسية. ويختار الأمين العام شخصية بخبرة كافية، ويمنحها تفويضاً يُترجم نصّ قرار مجلس الأمن 2254 إلى قنوات تواصل، غرف تفاوض، ولجان صياغة، مثل “اللجنة الدستورية” التي تأسست على هذا الأساس.
وحين يترجّل مبعوث، يتسلّم آخر المفاتيح نفسها ويواصل الطريق. ولمجلس الأمن والأمانة العامة سوابق طويلة في هذا النوع من الانتقالات، ولا تنحلّ التفويضات مع تبدّل الأسماء.
ماذا تغيّر في البيئة السياسية السورية؟
التحوّلات التي شهدتها سوريا منذ كانون الأول 2024 ـ بما في ذلك تغيّر القيادة السياسية ومرحلة انتقالية معقّدة وما يرافقها من تحديات أمنية ومجتمعية ـ أطلقت أسئلة جديدة حول الجدول الزمني، وحول أدوات التنفيذ، لكنها لم تُسقط المرجعية بطبيعة الحال.
والمثير أنّ تصريحات بيدرسن نفسه، وهو يعلن قراره، أحالت إلى “فرصة لإغلاق صفحة من الصراع وفتح أخرى”، في تلميح إلى أن تبدّل اللاعبين قد ينعش نصّ قرار مجلس الأمن 2254 بدل أن يدفنه. هذا بالضبط ما يفسر تمسّك عواصم عديدة، ومجلس الأمن في بياناته خلال 2025، بإحالة مستمرة إلى القرار بوصفه الإطار الحاكم لأي تسوية.
هل لدى القرار “مفتاح إيقاف” تلقائي؟
في القانون الدولي العملي، لا تسقط قرارات مجلس الأمن تلقائياً بمجرد تغيّر الوقائع أو الأفراد، إلا إذا نصّت على “غروب شمسها” بمدة محددة أو ربطت نفاذها بشروط بعينها.
الدراسات القانونية التي تناولت كيفية انتهاء القرارات تؤكد أن الأصل هو الاستمرار، وأنّ إنهاء الأثر يحتاج قراراً لاحقاً واضحاً، أو تحقّق شرط إنهاء وارد في النصّ نفسه. بتطبيق هذه القاعدة على قرار مجلس الأمن 2254، سنجد أنه لا يحتوي “زناد إنهاء”، ولا قراراً لاحقاً ينسخه، وبالتالي يبقى حيّاً قانونياً وسياسياً إلى أن يُستبدل أو يُعدّل صراحة.
بين النصّ والواقع
يشبه القرار دستوراً إجرائياً: فهو يرسم الطريق، لكنه لا يعبّدها. وما أعاق التنفيذ طوال سنوات هو تنازع الإرادات، وتشظّي ساحات النفوذ، وتبدّل أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
لكنّ الجديد اليوم أنّ مشهد السلطة في دمشق تغيّر، وأنّ أطرافاً عربية ودولية أعادت تعريف أهدافها ومخاوفها: أمن الحدود، ضبط الفصائل، مكافحة اقتصاد الحرب، وتهيئة شروط عودة تدريجية للاجئين. هذه العناصر جميعها تجعل قرار مجلس الأمن 2254 إطاراً قابلاً لإعادة التفعيل، لا ورقة محنطة في أرشيف الأمم المتحدة.
ماذا يعني رحيل بيدرسن عملياً؟
يعني أن الأمانة العامة ستبحث سريعاً عن اسم قادر على إدارة شبكة علاقات مركّبة: عواصم القرار، الفاعلون الإقليميون، القوى العسكرية على الأرض، طيف المعارضة بمشاربه، والمؤسسات السورية الجديدة التي تتشكل.
سيُسلَّم هذا المبعوث “صندوق أدوات” عنوانه قرار مجلس الأمن 2254، ومعه تقارير مجلس الأمن، ومحاضر الجلسات، وخرائط الطريق المقترحة، وما تراكم من تفاهمات وملاحظات على سلوك الأطراف. وما يتغيّر هو أسلوب القيادة، وزوايا الضغط، وترتيب الأولويات التكتيكية، وليس المرجعية.
لكن الحكم على حياة القرار أو موته لا يكون بالشعارات بل بالمؤشرات: هل سيواصل مجلس الأمن الإشارة الصريحة إلى قرار مجلس الأمن 2254 في قراراته وبياناته؟ هل ستنجح الأمم المتحدة في جمع الأطراف حول آلية دستورية محدثة تُفضي إلى بيئة انتخابية بمعايير أممية؟ هل ستُربط مسارات الدعم الاقتصادي والإنساني بإجراءات بناء ثقة قابلة للقياس؟ وهل ستنتقل العواصم المؤثرة من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “استثمار الانتقال” وفق خارطة القرار؟ بحدوث ذلك فقط، يكون القرار قد انتقل من خانة “مرجع محفوظ” إلى خانة “برنامج عمل”.
ختاماً، استقالة بيدرسن حدث مهم سياسياً وإعلامياً، لكنها ليست “زر إيقاف” لـ قرار مجلس الأمن 2254 بواقع الحال. فالقرار كمرجعية لا ينتهي إلا بقرار آخر ينسخه أو بآلية إنهاء واضحة، وهو ما لم يحصل حتى اللحظة. الأدوار تتبدّل، والبيئة تتغيّر، أما النص الذي صاغته الدول بالإجماع فيبقى المرآة التي تُفحص فيها أي تسوية قادمة.
وعملياً، الفرصة مفتوحة أمام سوريا وسلطتها الجديدة لتنشيط القرار والمضي نحو الاستقرار، إذ يجمع عدد كبير من السوريين بمختلف انتماءاتهم بضرورة التسوية السياسية استناداً إلى هذا القرار، وينظرون بعين الأمل إلى لحظة تطبيقه بما يلائم ظروف الحكم الجديدة في البلاد ولا يتعارض معها… فهل سنشهد تطبيق القرار أو لا؟ ذلك ما ستجيب عليه الأيام القادمة…
اقرأ أيضاً: بين التأييد والتجاهل وغياب التطبيق: أين يقف القرار 2254 الخاص بسوريا؟








