سياسة

هل سوريا مقبلة على معركة مع الإرهاب التكفيري؟

الكاتب: أحمد علي

تبدو سوريا وهي تعيد تركيب مؤسساتها بعد تغير الحكم أمام اختبار أمني لا يقل صعوبة عن اختبار الاقتصاد. فالانتقال السياسي في كانون الأول 2024 فتح باباً لرفع جزء من العقوبات وجذب الاستثمارات، لكنه كشف أيضاً هشاشة الأجهزة وتداخل مناطق النفوذ وملف السجون والمخيمات الذي لم يُغلق منذ سنوات. لذلك يصبح سؤال المعركة المقبلة أقل ارتباطاً بالنوايا وأكثر ارتباطاً بالقدرة وبشروط الشركاء الخارجيين.

مخاطر الإرهاب التكفيري

يقدّم تقرير الأمين العام للأمم المتحدة صورة عن تهديد خلايا تنظيم «داعش» داخل سوريا. التقرير يقول إن الوضع الأمني بقي هشاً وإن الخلايا واصلت عملياتها ضد القوات الأمنية، وسعت إلى إثارة توترات طائفية وتقويض السلطات. ويقدّر التقرير أن التنظيم يحتفظ بنحو ثلاثة آلاف مقاتل بين سوريا والعراق، وأن معظمهم داخل سوريا، مع ملاحظة أن الصحراء لم تعد معقله الوحيد رغم استمرار أهميتها للحركة والاختباء.

وتتضح حساسية المرحلة عندما يشير تقرير أممي سابق إلى أن التنظيم استفاد من فوضى الانتقال للحصول على أسلحة وإطلاق سراح محتجزين من مرافق احتجاز، ما يمنحه فرصة لإعادة بناء الموارد والكوادر. وفي موازاة ذلك أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن ضربة واسعة في ديسمبر 2025 تلتها عمليات أدت إلى قتل أو اعتقال نحو خمسة وعشرين عنصراً وتدمير مخابئ سلاح، في سياق حملة تقول واشنطن إنها تستهدف منع عودة التنظيم.

الفرات خط تماس جديد

في الشرق السوري تتكثف التعقيدات عند نهر الفرات. تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء يتحدث عن دير الزور بوصفها مساحة سيطرة متداخلة، وهذا التشظي يجعل الفرات خط تماس سياسياً وأمنياً، يخلق ثغرات تستغلها خلايا التنظيم للتسلل والابتزاز والهجوم ثم الانسحاب.

ويشير التقرير ذاته إلى أن وجود خلايا التنظيم فاقم هشاشة الأمن في المنطقة وأن كثيراً من هجمات 2025 في مناطق الإدارة الذاتية تركزت في دير الزور. عندما تلتقي هشاشة الخدمات مع اقتصاد محلي قائم على التهريب والإتاوات وغياب مؤسسات عدالة موحدة، يصبح الإرهاب التكفيري أكثر قدرة على التمويل والتجنيد حتى من دون سيطرة إقليمية واسعة. وتظل المصالحة المحلية وتحسين الخدمات خط الدفاع الأول ضد عودة التطرف.

السلطة وسؤال الخارج

أخذ ملف مكافحة الإرهاب بعداً سياسياً واضحاً مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في تشرين الثاني 2025. تقارير دولية تحدثت عن مشاركة ممثلين سوريين في اجتماعات للتحالف، وعن أولويات أبرزها نقل معتقلي التنظيم إلى العراق وتسريع إعادة رعايا دول ثالثة من مخيمي الهول وروج، إضافة إلى انتقال مسؤولية إدارة مخيم الهول إلى الحكومة في أواخر يناير 2026، بالتوازي مع تفاهم لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني.

ويحضر هنا عامل السياسة الإقليمية الذي يلمسه السوريون في حياتهم اليومية قبل أن يقرؤوه في التحليلات. فالتقارير رصدت تراجع نفوذ طهران في سوريا، ونقلت عن مسؤولين في القيادة الجديدة قولهم إن علاقة المرحلة السابقة تركت جروحاً عميقة، مع ترك احتمال عودة العلاقة قائماً فقط إذا توقفت التدخلات وتأجيج التوترات.

وهذا التحول لا يعني أن دمشق أصبحت حرة بالكامل في قرارها، لكنه يعني أنها باتت تقيس خطواتها على ميزان رفع العقوبات وجذب الدعم الخليجي والتركي والغربي. في هذه المعادلة قد تتحول مكافحة التطرف إلى جسر سياسي، لكن المخاطرة أن يُفتح صدام بين قوى مسلحة تتقارب مرجعياتها، أو أن تُستدرج المعركة إلى ساحات تتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.

وهذه الأهداف تكشف صفقة ضمنية. فالشركاء يريدون ضمان أمن السجون والمخيمات لأنها قد تتحول إلى مصدر انهيار إذا حدث هروب أو فوضى، ودمشق تريد اعترافاً ودعماً اقتصادياً يصعب تخيله من دون تعاون أمني موثوق. لذلك يرى بعض المحللين أن المعركة قد تُفرض جزئياً بشروط الشرعية والتمويل، وليست قرار داخلي مستقل، وهذا أمر يمكن فهمه في السياق الذي تسير به الأمور اليوم.

تفكك الفصائل وإعادة الدمج

التحدي الأكبر أمام أي مواجهة هو تماسك الجهاز الأمني نفسه. تقرير المفتش العام الأميركي لعملية العزم الصلب يتحدث عن مسار تفاوضي بين الحكومة السوريا وقوات سوريا الديمقراطية حول ترتيبات أمنية محلية، مع استمرار الخلاف حول شكل دمج القوات وحدود اللامركزية. ويذكر التقرير أن واشنطن أدانت تعيين قائد عسكري في إحدى وحدات الجيش الجديد سبق أن فُرضت عليه عقوبات لاتهامات بانتهاكات حقوقية وارتباطات مع تنظيم الدولة الإسلامية، وهو تفصيل يضيء على ارتباك معايير الفرز داخل مؤسسات تحاول استيعاب قوى متعددة بسرعة.

في هذا السياق، تصبح المواجهة اختباراً لقدرة الدولة على منع الاختراق من الداخل واستبدال منطق الولاء الفصائلي بمنطق القانون.

سيناريوهات المواجهة وحدود الدولة

السيناريو الأقرب هو استمرار حرب الاستنزاف عبر ضربات جوية وملاحقة خلايا في البادية والوسط مع دعم استخباري وتنسيق محدود. القيادة المركزية الأميركية تحدثت عن ضرب أكثر من سبعين هدفاً ثم تنفيذ مهمات أدت إلى قتل أو اعتقال نحو خمسة وعشرين من عناصر التنظيم خلال أيام، وهو نموذج يقلص قدرة التنظيم على الحركة لكنه لا يلغي خطر الهجمات النوعية.

السيناريو الأخطر يتمثل في تعثر الدمج العسكري وعودة التوترات عبر الفرات، ما يمنح التنظيم مجالاً للتوسع عبر واجهات جديدة. وهنا يتضاعف عبء المخيمات. ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى بقاء أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص في الهول وروج، وأن أكثر من ستين في المئة منهم أطفال مع تدهور الخدمات واستمرار العنف. وإدارة هذا الملف جزء أساسي من منع تجدد التطرف على المدى الطويل.

في الخلاصة، تبدو سوريا مقبلة على مواجهة مع الإرهاب التكفيري الجهادي، لكن طبيعتها ستتحدد بقدر نجاح الدولة في توحيد السلاح وبناء عدالة موثوقة وتقليص الفراغات التي يتسلل منها التطرف. فالمعركة قد تُفتح تحت ضغط الخارج أو بدافع الداخل، رغم أن الخيار الأول هو الأرجح في إحداثيات اللحظة الحالية ومعطياتها، لكنها لن تُحسم بالقبضة الأمنية وحدها ولا في زمن قصير أبداً.

اقرأ أيضاً: تحول كبير في ملف داعش: هل انتهى في سوريا؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى