هل ستكون المحافظ الإلكترونية بديلاً عن النقد؟

بقلم هلا يوسف
تستعد سوريا لدخول عالم المحافظ الإلكترونية مع إعلان مصرف سوريا المركزي قرب إصدار الإطار التنظيمي الخاص بترخيصها مع خدمات الدفع الإلكتروني. وقد تبدو هذه الخطوة متأخرة، لكنها ستغير طريقة الدفع في سوريا، وستلحقها مباشرة تغييرات في إدارة الأموال داخل البلاد. وبما أنها ستكون خدمة جديدة، قد يتساءل كثيرون عن فوائدها، بينما يراهن الخبراء على نجاحها، وتجاوزها التحديات التي قد تعترضها.
أكثر من تطبيق على الهاتف.. لماذا تكتسب المحافظ الإلكترونية كل هذه الأهمية؟
يمكن تعريف المحفظة الإلكترونية بأنها خدمة تتيح لك الاحتفاظ برصيد مالي على هاتفك المحمول، ثم استخدامه في تحويل الأموال، أو استلام الحوالات، أو دفع الفواتير، أو شراء احتياجاتك من المتاجر، دون الحاجة إلى حمل النقود في كل مرة.
ورغم أن الفكرة تبدو بسيطة ومنتشرة منذ زمن في بلدان العالم، إلا أن لها تأثيرات كبيرة في سوريا، حيث ما تزال نسبة امتلاك الحسابات المصرفية منخفضة. فبحسب بيانات البنك الدولي، لا يمتلك سوى نحو خمس البالغين حسابات مصرفية، في حين يستخدم معظمهم الهواتف المحمولة، وهو ما يجعل الهاتف وسيلة مناسبة للوصول إلى الخدمات المالية دون الحاجة إلى فتح حساب مصرفي تقليدي.
وهنا تكمن أهمية المحافظ الإلكترونية، فهي لا تستهدف فقط من يتعاملون مع المصارف، بل تفتح الباب أمام ملايين الأشخاص الذين لم يدخلوا للنظام المالي من قبل، سواء بسبب بعدهم عن الفروع المصرفية أو بسبب تعقيد الإجراءات أو غيرها من الأسباب.
كما أن استخدامها لا يقتصر على تحويل الأموال، بل يشمل شراء السلع، وتسديد فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات، ودفع أجور الخدمات، واستلام الحوالات المحلية والخارجية، وكل ذلك خلال ثوانٍ معدودة ومن أي مكان. عدا عن أن الدفع الإلكتروني يخفف الاعتماد على العملة الورقية، وهو أمر يكتسب أهمية كبيرة، خصوصاً في ظل أزمة السيولة التي تعاني منها البلاد، إذ يقلل الضغط على المصارف وأجهزة الصراف الآلي، ويجعل تداول الأموال أكثر سهولة وسرعة.
كيف يمكن أن يستفيد الاقتصاد السوري من هذه الخطوة؟
ربما يفكر كثيرون أن المحافظ الإلكترونية تفيد المواطنين في حياتهم اليومية فقط، لكن تأثيرها ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد. فعندما تصبح أغلب المعاملات المالية إلكترونية، تصبح حركة الأموال أكثر وضوحاً وتنظيماً، وهو ما يساعد على إدخال جزء من الاقتصاد غير المنظم إلى المنظومة المالية الرسمية. وهذا بدوره يعطي الجهات المختصة صورة أدق عن النشاط الاقتصادي، ويساعد على تحسين التخطيط الاقتصادي وإدارة السياسة النقدية.
ومن الفوائد المهمة أيضاً انخفاض تكلفة الخدمات المالية. فتنفيذ عملية تحويل إلكتروني يكلف أقل بكثير من تنفيذها عبر فروع المصارف، كما أنها تتم خلال ثوانٍ بدلاً من الانتظار لساعات أو أيام.
أما بالنسبة للمواطن، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالسرعة، بل بالأمان أيضاً. فبدلاً من حمل مبالغ مالية كبيرة قد تتعرض للضياع أو السرقة، يمكن الاحتفاظ بالأموال داخل المحفظة الإلكترونية مع وسائل حماية مثل الرقم السري وكلمات المرور، مما يساهم في جعلها بأمان أكثر.
كما يمكن للمحافظ الإلكترونية أن تعطي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وسيلة أسهل لتحصيل المدفوعات وإدارة أعمالها، كما تساعد على تنشيط التجارة الإلكترونية، التي يعد من الصعب انتشارها في حال استمرار الاعتماد الكامل على الدفع النقدي.
ويرى مختصون أن هذه المنظومة قد تساهم في المستقبل بتحويل جزء من المدخرات الموجودة خارج النظام المصرفي إلى أموال يمكن استثمارها داخل الاقتصاد، وهذا بدوره يعزز النشاط الاقتصادي ويدعم بيئة الاستثمار.
والجدير بالذكر أن إطلاق المحافظ الإلكترونية جاء مع جهود المركزي لتطوير القطاع المالي، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعزز ثقة المؤسسات المالية العالمية بالنظام المصرفي السوري.
النجاح لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها
على الرغم من الفوائد الكبيرة التي تحدثنا عليها سابقاً، إلا أن المحافظ الإلكترونية لن تحقق أهدافها بمجرد أنه تم إطلاقها فقط، فنجاح التجربة يحتاج إلى مجموعة من الشروط الأساسية، وفي مقدمتها وجود تشريعات واضحة تنظم عمل المحافظ الإلكترونية، وتحمي حقوق المستخدمين، وتحدد مسؤوليات الشركات المشغلة، بالإضافة إلى تطبيق أنظمة دقيقة للتحقق من هوية المستخدمين ومكافحة عمليات غسل الأموال والاحتيال المالي.
كما تحتاج المنظومة إلى وجود بنية تقنية قوية قادرة على ربط المصارف بشركات الدفع ومشغلي الاتصالات، بحيث تتم جميع العمليات بسرعة ودون أعطال، مع توفير أعلى درجات الحماية الإلكترونية للحفاظ على بيانات المستخدمين وأموالهم.
ولا يمكن لهذه الخطوة أن تنجح دون انتشار نقاط الدفع الإلكتروني في الأسواق والمتاجر والصيدليات ومحطات الوقود والمؤسسات الحكومية، لأنها بالأساس تعتمد على استخدام المواطنين لها في الحياة اليومية، وليس فقط تحميل التطبيق دون استخدامه.
ومن الضروري أيضاً أن تكون المحافظ متوافقة مع بعضها، بحيث يستطيع أي مستخدم إرسال الأموال أو استقبالها بغض النظر عن الشركة التي يتعامل معها، لأن تعدد الأنظمة مع عدم توافقها قد يقلل من انتشار الخدمة وفائدتها.
التحديات موجودة… لكن الحلول موجودة أيضاً
عندما نتحدث عن مشاريع في سوريا لا يمكن التغاضي عن التحديات التي قد تعترض أي خطوة في التنفيذ، وهذا ينطبق أيضاً على المحافظ الإلكترونية. فمن أبرز التحديات أمام المحافظ هي ضعف انتشار الإنترنت في بعض المناطق، وعدم استقرار الكهرباء، عدا عن محدودية الثقافة الرقمية لدى بعض المستخدمين، وهو ما قد يجعل البعض متردداً في استخدام وسائل الدفع الحديثة.
غير أن للخبراء رأي آخر، حيث يؤكدون أن حلها ليست مستحيلة. وكانت أحد هذه الحلول اعتماد نوعين من المحافظ الإلكترونية، الأول يعمل عبر تطبيقات الهواتف الذكية، والثاني يعتمد على تقنيات مثل USSD وSIM Toolkit، التي تسمح بإجراء العمليات المالية من خلال قوائم نصية بسيطة دون الحاجة إلى اتصال بالإنترنت، وهو ما يجعل الخدمة متاحة حتى في المناطق ذات البنية التحتية الضعيفة.
كذلك تبرز الحاجة إلى حملات توعية واسعة تشرح للمواطنين كيفية استخدام المحافظ الإلكترونية، وطرق حماية الحسابات من الاحتيال، وأهمية عدم مشاركة كلمات المرور أو البيانات السرية مع أي شخص.
وفي الوقت نفسه، ينبغي توفير شبكة كبيرة من نقاط البيع والوكلاء الذين يتيحون للمواطنين تحويل الأموال النقدية إلى رصيد إلكتروني والعكس، حتى تصبح المحافظ جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
في النهاية، سوريا على أبواب تحول رقمي كبير في طرق الدفع مع إطلاق المحافظ الإلكترونية. وفي حال نجاح الخطوة نكون قد سهلنا الحياة كثيراً على المواطنين، وفي نفس الوقت نشطنا الاقتصاد. مع الأخذ بالاعتبار التحديات والعوائق التي قد تعترضنا.
اقرأ أيضاً: ماستر كارد توقع اتفاق لدخول السوق السورية: ماذا يعني ذلك؟









