هل حقّقت سوريا الفائدة المرجوّة من الغاز الأذربيجاني؟!

الكاتب: أحمد علي
أوائل آب الماضي، رُفعت الستارة عن مشروعٍ قيل إنه سيعيد وصل المحطات بمصادر تغذية مستقرة، ويزوّد المدن السورّية بجرعاتٍ منتظمة من الطاقة عبر مسارٍ بدا مستحيلاً لسنوات: غاز أذربيجاني يعبر تركيا ليتّجه إلى حلب ثم إلى محطاتٍ رئيسة على امتداد البلاد. لكن بين وعود الأرقام وحدود الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل حقّقت دمشق الفائدة المرجوّة من هذا الخيار، أم أن الطريق أطول مما تصوّر الجميع؟
كيف بدأ تدفّق الغاز الأذربيجاني في سوريا: القصة والأرقام
الحدث المُعلَن كان واضح المعالم: بدءُ ضخّ الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية في الثاني من آب 2025، وفق ما نقلته وكالات دولية خلال حفل الإطلاق في ولاية كيليس التركية بحضور ممثلين عن الأطراف المعنية.
الأرقام الأولية تحدّثت عن 1.2 مليار متر مكعّب سنوياً في المرحلة الأولى، مع تدفقات يومية تبدأ عند 3.4 مليون متر مكعّب وتستهدف 6 ملايين، بما يوازي طاقةً قادرة على إعادة تشغيل محطات تتجاوز قدرتها المجمّعة ألف ميغاواط إذا استقرّ الضخ واستوفت الشبكة متطلباتها الفنية.
وهذه المعطيات، كما رُويت رسمياً، صنعت توقّعاً شعبياً واسعاً بزيادة ملموسة في ساعات التغذية الكهربائية خلال أسابيع قليلة من بدء التشغيل.
وعودٌ على الورق.. وواقعٌ على الشبكة
بين الإعلان الرسمي وعداد الكهرباء في البيوت، تَشكّل هامشٌ للتأويل. فمع الساعات الأولى لبدء الضخ، صدرت تصريحات حكومية عن زيادةٍ قد تصل إلى خمس ساعاتٍ إضافية من التغذية، لتعود الوزارة نفسها لاحقاً وتُقرّ بأن التحسّن أقل من المتوقع في المدى القصير بسبب أعطالٍ متراكمة في منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع.
وهذا التقلّب في الخطاب يشي بأن الفائدة ليست آنيّة، وأن ترجمة الغاز إلى كهرباء ليست مجرد معادلة وقودٍ ومحطة، بل سلسلة متكاملة تبدأ من مواصفات الغاز وتنتهي عند كابلات الأحياء.
ماذا تقول المصادر الأذرية؟
في باكو، تُقدَّم الرواية على نحوٍ مؤسساتي: شركة “سوكار” تتحدّث عن التزامٍ تعاقدي طويل الأمد، وتؤكد جاهزية الإمدادات عبر منظومة التصدير التركية، على أن تتطور الكميات وفق خطّة تدريجية تربط بين قدرة شبكة العبور والطلب السوري.
لمّحت البيانات كذلك إلى أن الغاز يأتي من حقول بحر قزوين المعروفة باستقرار إنتاجها، ما يضمن ـ على الورق ـ انتظام التزويد، ويحوّل مسار تركيا جنوباً من ممر عبور إلى رافعة نفوذٍ طاقي في شرق المتوسط.
لكن هذه القراءة، وإن بدت متفائلة، تظلّ رهينة عنق الزجاجة داخل سوريا: خطوط متقادمة ومحطات تحتاج إعادة تأهيل لتلتقط “نبض” الغاز الجديد وتحوّله إلى ميغاواطات مستدامة.
عقباتٌ تقنية: من “مزيج” الغاز إلى شيخوخة العنفات
هنا تبرز نقطةٌ فنية أثارتها تقارير ميدانية: اختلاف مزيج الغاز الأذربيجاني عن المواصفات التي بُنيت عليها بعض العنفات السورية القديمة، وهو ما ينعكس ـ وفق خبراتٍ فنية محلية ـ في مردودٍ أدنى من المثالي لحظة البدء، قبل إجراء معايراتٍ وإصلاحاتٍ ملائمة.
هذا التفصيل الذي قد يبدو تقنياً صِرفاً، يعني عملياً أن الكمية الواصلة لا تتطابق دوماً مع الطاقة المنتَجة المنتظرة، وأن جزءاً من “الفاقد” مردّه إلى عدم مواءمة قد تتطلب وقتاً وتمويلاً لتجاوزها. أي في المحصلة، يبدو الامر على النحو التالي: الفائدة موجودة لكنّها تتآكل في الطريق، وتحتاج صيانةً ذكية لتستقرّ عند المستويات المرغوبة.
اقرأ أيضاً: تكشف لأول مرة: خارطة طريق تطوير حقول الغاز في سوريا لربع قرن!
من المحطة إلى الحي: أين تتبدّد الفائدة؟
حتى بافتراض انتظام الضخ بالكميات المُعلن عنها، ثمة حلقاتٌ عدة قد تُضعف أثر الغاز الأذربيجاني في سوريا على حياة الناس:
أولها كفاءة المحطات، وثانيها قدرة شبكة النقل على تحمّل زيادة الأحمال من دون انقطاعات، وثالثها توزيع الكهرباء بعدالة بين المحافظات. أي خللٍ في هذه الحلقات يحوّل الفائدة من “قفزةٍ” إلى “زحفٍ” بطيء.
وتحدثت تصريحات رسمية لاحقة بصراحة عن تهالكٍ في البنية التحتية وتأخّرٍ في تحقيق الاستقرار المنشود، وهو اعترافٌ يضع المشكلة في إطارها الصحيح: الغاز شرطٌ لازم لتحسين الكهرباء، لكنه ليس شرطاً كافياً إذا بقيت الشبكة ضعيفة الصلة بين المحطة والمستهلك.
السياسة والتمويل: أثرٌ لا يمكن فصله عن الطاقة
لا طاقةَ بلا سياسة. فالمشروع برمّته تشكّل في بيئةٍ إقليمية جديدة، قوامُها تعاون تركي–أذري مع قناة تمويلٍ عربية، على رأسها مساهمة قطرية، وواجهةٌ إنسانية–تنموية تُقدَّم بوصفها جسراً لإعادة الإعمار.
في المقابل، يتيح هذا التموضع لتركيا تعزيز دورها كمركز عبورٍ وتسييل في المواسم التي تتراجع فيها احتياجاتها الداخلية، ولأذربيجان توسيع أسواقها خارج مساراتها الأوروبية، بينما تحصل دمشق على وقودٍ أقل كلفة من الوقود السائل الذي أنهك ميزانية الكهرباء.
معادلة “الكلّ رابح” تظلّ غير مكتملة ما لم تتحول الكميات المنتظمة من الغاز الأذربيجاني في سوريا إلى ساعات إنارة ثابتة، وهو ما يتطلب ـ إضافة إلى الوقود ـ تعاقدات صيانة وأتمتة تشغيل وتحصيناً للشبكة من الفاقد والاعتداءات.
مؤشرات الفائدة: ما الذي تحقّق حتى الآن؟
إذا قسنا الفائدة بمعيارٍ بسيط: ساعات الكهرباء التي تصل إلى المنازل، فالمشهد حتى مطلع الشهر الجاري تشرين الأول يمزج إشاراتٍ متباينة. فالبعض لم يرَ فرقاً جديراً بالاهتمام والذكر في وصل الكهرباء، وبعض المدن شهدت “تحسّناً نسبياً” لافتاً، لكن دون الطموح الذي رُوّج له في الأيام الأولى، بينما عادت الوزارة لتربط التحسّن بالإنجاز المتدرّج للصيانة واستقرار مواصفات الغاز ضمن معايير تشغيل المحطات.
هذا يعني أن الغاز الأذربيجاني في سوريا لم يكن “عصا سحرية”، لكنه أيضاً لم يكن بلا أثر؛ هو بداية مسار، والوعود بأن كل أسبوع إضافي من استقرار التدفق سيُحسّن منحنى الإنتاج، شرط أن تُغلق فجوات الشبكة بالتوازي.
على جانبٍ آخر، تلوح فائدةٌ غير مباشرة: خفض استخدام المازوت عالي الكلفة والانبعاثات في محطاتٍ كانت تعمل اضطراراً على وقودٍ سائل، بما يدعم مالية القطاع وحسابه البيئي على المدى المتوسط.
هل تحقّقت “الفائدة المرجوّة”؟
الجواب القصير: تحقّقت فائدةٌ أولية ولم تكتمل بعد. أما الجواب المفصّل فيجمع ثلاثة شروط يجب أن تجتمع كي يتحقق الوعد كاملاً: انتظام الإمدادات عند سقف 6 ملايين متر مكعّب يومياً، مواءمة العنفات القائمة لمزيج الغاز الجديد أو تحديثها، واستثمارٌ عاجل في خطوط النقل والتوزيع لخفض الفاقد وتحسين الاستقرار.
من دون ذلك، سيبقى أثر الغاز الأذربيجاني في سوريا محسوساً لكنه أقل من المتوقع، وسيظلّ المزاج الشعبي متأرجحاً بين أملٍ تشعله الأخبار وخيبةٍ تصنعها قواطع الحماية في محطات التحويل.
خلاصة
المسار الذي انطلق في آب ليس حدثاً عابراً؛ إنه اختبارٌ لقدرة البنية السورية على تحويل الفرصة إلى واقع. الغاز الأذربيجاني في سوريا وفّر الوقود الذي طال انتظاره، وأضاء نافذةً لالتقاط الأنفاس، لكنه كشف أيضاً طبقاتٍ من المشكلات المتراكمة التي لا تُحلّ بالتصريحات ولا بالشحنات الأولى.
ما تحقق حتى الآن هو “تحسّن نسبي” قابل للنموّ، رهينٌ بمسار صيانة يتطلّب وقتاً وتمويلاً وحوكمةً تُحسن إدارة الطلب والعدالة في التوزيع. عندها فقط يمكن القول إن الفائدة المرجوّة تحوّلت من عنوانٍ جذّاب إلى حقيقةٍ يومية في غرف الجلوس وعلى مقاعد الدراسة وفي ورش المصانع.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الأصفري وحقول الغاز في سوريا









