هل تُشعل الأيادي الخفية نار الحرب في سوريا؟.. الرقة ودير الزور على فوهة بركان

شهدت الأيام الأخيرة العديد من الأخبار المتداولة، والتي تتحدث عن احتمال لجوء الحكومة السورية الجديدة إلى الحل العسكري من أجل السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور الخاضعتين لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وكان من أبرز المتداولين لهذه الأنباء هو تقرير لصحيفة “ذا ناشيونال” والذي لقي رواجاً شائعاً على غرار مئات الآلاف من المنشورات سابقاً والتي كانت جميعها تحمل خطابات كراهية وتحريض طائفي.
فما مدى صحة هذه الأنباء؟ وكيف سيكون شكل الحل العسكري المزعوم ومتى؟ وما هي أبعاده السياسية والدولية؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في هذا المقال.
ما هو الموقف الأمريكي اتجاه الحل العسكري مع قسد؟
يعتبر الموقف الأمريكي من أبرز العناصر التي تتوقف عليها العملية العسكرية في محافظتي الرقة ودير الزور، لا بل مرهون بموافقتها على ذلك، والهدف من ذلك هو ضمان عدم تدخل إسرائيل في العملية كما حدث خلال العملية العسكرية في السويداء، وذلك حسب ما أوردته إحدى الوسائل الإعلامية عن مصادر مطلعة.
هذا وقد ذكر أحد التقارير من موقع “ميدل إيست آي”، أن الطرف الأمريكي قد وجه تحذيراً لقسد بأن قوات التحالف الدولي قد لا تتمكن من حمايتهم في حال لجأت الحكومة في دمشق إلى الحل العسكري.
فما صحة هذه المعلومات؟ هل هي فعلاً صحيحة أم أنها مجرد كلام متناقل تغذيه جهات مجهولة بهدف تأجيج الوضع في سوريا وزعزعة الاستقرار.
تصاعد التوتر ومؤتمر الحسكة
في تصريح لإحدى وسائل الإعلام، نفى المحلل السياسي د. حمزة المحيمد وجود معلومات دقيقة في تقرير “ذا ناشونال”، إلا أنه أكد أن الحكومة السورية قد تلجأ فعلياً إلى الحل العسكري في حال لم تُسَلم المنطقة خلال المهلة المتفق عليها (والتي هي 30 يوماً وباقي 11 يوماً على انتهاءها) في اجتماع ثلاثي عُقد مؤخراً في أنقرة بين أطراف أميركية وتركية وسورية.
هذا وقد اعتبر المحيمد، أنه نظراً للتعقيدات الموجودة في المنطقة الشرقية من البلاد، فإن تنفيذ اتفاق 10 آذار يتطلب ما لا يقل عن عام ونصف، مشيراً إلى أن المواقف الأخيرة قد زادت من حدة الأزمة، قاصداً مؤتمر الحسكة الذي دعا إليه مظلوم عبدي وحضره الهجري عبر الإنترنت.
وفي تعليقه على تقرير “ذا ناشونال”، أكد المحيمد أن نسبة المقاتلين العرب في صفوف قسد المشار إليها في التقرير على أنها لا تتجاوز 30% غير صحيحة، مؤكداً أن النسبة الحقيقية تصل إلى 60%، وأن غالبية العناصر في دير الزور والرقة هم من المكون العربي.
وهذا الرقم غير الصحيح الوارد في تقرير “ذا ناشونال” شأنه شأن الكثير من المعلومات المضللة والتي تنتشر كالنار في الهشيم وتهدف إلى زعزعة الشارع السوري، ففي وقت سابق انتشر تسجيل مزيف يُظهر شيخاً درزياً يسيء إلى النبي محمد، مما تسبب في اندلاع اشتباكات مميتة بين مقاتلين موالين للحكومة ومسلحين دروز محليين، ليتبين فيما بعد أن التسجيل مزيف ويهدف إلى زرع الفتنة في المجتمع السوري.
هل الحل العسكري اتجاه قسد خيار مطروح؟
تستهدف تركيا نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وجميع امتداداته مثل وحدات حماية الشعب (YPG)، وهذا يتوافق مع توجه دولي واسع لإنهاء مرحلة الميليشيات المسلحة في المنطقة.
وفي هذا الصدد أشار الكاتب والمحلل السياسي علي أسمر، بحسب ما أوردته وسائل إعلام، إلى أن التصريحات الأمريكية تؤكد عدم وجود أي نوايا على قيام فيدرالية في سوريا، وبالتالي يبقى المسار الوحيد أمام قوات سوريا الديمقراطية هو التفاوض وتقديم التنازلات للدولة.
وفيما يخص طبيعة المسار الذي سوف يؤدي في النهاية إلى دمج قسد في كنف الدولة السورية، أوضح أسمر أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً، إلا أن الحل السياسي هو المفضل، وليس كما أورد تقرير “ذا ناشونال” بأن الجيش السوري يخطط لهجوم واسع للسيطرة على الرقة ودير الزور.
هل باتت المعركة وشيكة؟
كشف المحلل العسكري العميد إسماعيل أيوب لإحدى وسائل الإعلام، أن الولايات المتحدة الأمريكية تُحذر قسد من الانجرار إلى عملية عسكرية، داعيةً إياها إلى تجنب الصراع والاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
هذا وقد أكد أيوب، أنه في حال اللجوء إلى الحل العسكري، فإنها لن تكون طويلة، وذلك لأن الجيش السوري بات يملك تفوقاً كبيراً بعد أن دفعت الحكومة بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة، بينما سوف تفقد قسد قدرتها القتالية في حال سحب الدعم الأمريكي لها، كون أن معظم مقاتليها العرب لديهم ميول كبير نحو الحكومة السورية.
حجم العملية العسكرية وتوقيتها المتوقع
بحسب ما جاء في تقرير “ذا ناشيونال”، فإن الجيش السوري يُجهّز من أجل عملية عسكرية كبيرة في شمال وشرقي سوريا، كما أشار التقرير إلى أن هذا الهجوم المزعوم سيكون بحلول تشرين الأول بهدف السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور.
ووفقاً للتقرير، فإن العملية العسكرية المزعومة سيقودها نحو 50 ألف مقاتل يتم حشدهم حالياً قرب مدينة تدمر، على أن يتجهوا شمالاً للسيطرة على الرقة ودير الزور بدعم من العشائر العربية التي تشكل الأغلبية في المنطقة.
الأبعاد السياسية والدولية وتوازن القوى
شهدت المفاوضات بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية برعاية واشنطن في باريس الكثير من التعقيدات، وكان السبب في ذلك هو رفض تسليم قسد للمناطق الخاضعة لسيطرتها بالإضافة إلى تمسكها بملفات سيادية مثل السدود وحقول النفط.
ونتيجة لذلك تم تقديم مهلة زمنية لقوات سوريا الديمقراطية من أجل تنفيذ الاتفاق والاندماج مع الدولة السورية، وذلك وسط تهديدات بسحب الرعاية الأمريكية لها في حال فشل المفاوضات، الأمر الذي يُشير إلى أن العملية العسكرية هي خيار أخير وربما بعيد.
حملات تضليل منظمة
انتشر في وقت سابق من هذا العام تحقيق لقناة “بي بي سي” كشف أن هناك عدد كبير من الحسابات قامت بتدليس الكثير من المعلومات المضللة وسط ضخٍ إعلامي هائل، حيث أشار التحقيق إلى وجود أكثر من 50,000 منشوراً كاذباً من أصل 400,000 منشور، والملفت أن 60% منها كان مصدرها من خارج سوريا، كما وجد التقرير أن هناك أكثر من 100,000 منشور يحرض على الكراهية ضد العلويين، معظمها من حسابات في الخارج.
ولكن ما يجب ملاحظته، هو أن هذه الحسابات والحملات لا تتحدث فقط ضد الدولة السورية الجديدة، إنما هي ذاتها تشن حملات داعمة للرئيس السوري أحمد الشرع، وبذلك يكون من الواضح أن الهدف منها هو فقط التحريض ونشر خطابات الكراهية وزعزعة البلاد.
اقرأ أيضاً: بين التوتر والزيارة: كل ما نعرفه عن الأحداث الأخيرة بين قسد والحكومة السورية
وفي الختام، ووفقاً لأحد المعلقين، لربما كان تقرير “ذا ناشونال” هو جزء من حملة ممنهجة مماثلة لما سبقها هذا العام، هدفها تأجيج الصراع وإدخال سوريا في حرب داخلية شاملة لا تصب في مصلحة أحد في النهاية.









