هل تهز شرارة صغيرة السلم الأهلي؟ ما كشفته أحداث جديدة عرطوز الأخيرة

بقلم: ديانا الصالح
في مجتمعات خارجة لتوّها من سنوات طويلة من الحرب والتهجير، حيث يجد أبناء محافظات مختلفة أنفسهم يعيشون جنباً إلى جنب في مناطق لم تكن يوماً موطنهم الأصلي، ليس غريباً أن تظهر بين الحين والآخر احتكاكات محلية صغيرة، تشتعل لساعات ثم تنطفئ بالسرعة نفسها التي اندلعت بها.
هذا تماماً ما جرى قبل أيام، حيث خرج توتر جديدة عرطوز بريف دمشق إلى الواجهة، بعد خلاف عابر بين مجموعتين من الأهالي تحول إلى توتر أمني استدعى التدخل، لتعود بعد ذلك الحياة إلى طبيعتها.
توتر جديدة عرطوز
بدأت الحكاية مساء الخميس 27 آب، عندما وقع خلاف بين مجموعة من الأطفال من أبناء البلدة وأطفال آخرين ينتمون إلى إحدى عشائر محافظة دير الزور، ليتطور الخلاف بعد تدخل أفراد من عائلتي الطرفين، حيث استُخدِمت العصي والأدوات المعدنية خلال المشاجرة.
نقطة التوتر الكبرى كانت عندما أصيب أحد أبناء جديدة عرطوز في رأسه خلال الشجار، وانتشرت المعلومات بين أقاربه عن وفاته، وذلك بعد تلقّيه ضربةً قويةً على يد أحد الأشخاص من دير الزور، وهذا ما دفع أفراداً من عائلة المصاب إلى التوجه نحو منزل الشخص، الذي اتُّهم بضربه بهدف الانتقام.
خلال أيام شهدت جديدة عرطوز تجمهراً للناس وسُمِع إطلاق نار عشوائي، كما استُخدمت بعض الأدوات الحادة في زحمة اللحظة، لتتدخل بعد ذلك قوى الأمن الداخلي ووجهاء المنطقة لحل الخلاف، إلا أن المشاجرة تجددت وتوسعت في اليوم التالي، ليعود الهدوء ليلاً مع زيادة الانتشار الأمني وفرض حظر تجوال.
تتباين الروايات حول حجم الأضرار التي طالت المنازل في البلدة، فيما تُظهر مقاطع مصوّرة ومتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الغضب والاعتداءات، التي طالت الممتلكات الخاصة منها سيارات وواجهات محال تجارية، واللافت أيضاً في توتر جديدة عرطوز الاحتجاجات التي خرجت مع هتافات عنصرية وطائفية.
كيف عاد الهدوء؟
أعلن مدير منطقة قطنا في ريف دمشق ساري بدر الدين، التوصل إلى اتّفاق للصلح وذلك خلال اجتماع عُقِد في مسجد الرحمن بجديدة عرطوز، أما أمنياً، فقد انتشرت قوى الأمن الداخلي في أنحاء البلدة يوم الجمعة حتى استقر الوضع، ومع حلول صباح السبت كانت جديدة عرطوز استعادت هدوءها المعتاد.
السلم الأهلي يهتزّ
لم تنتهِ القصة عند تفرّق الحشود وعودة الهدوء إلى الشوارع، ففي الأيام التالية استغل مجهولون حالة التوتر، وكتبوا عبارات تحريضية وتكفيرية على جدران المدرسة الابتدائية الثالثة في شارع نابولي، أي أن هناك محاولات لتهديد السلم الأهلي.
هذه الحادثة الصغيرة وعلى الرغم من محدوديتها الظاهرية، إلا أنها تنقل التوتر إلى مساحة أكثر حساسية، فهل يملك المجتمع المحلي فعلاً أدوات كافية لاحتواء خلاف قبل أن يتحول إلى شيء أعمق يمس صلب العيش المشترك؟
وجديدة عرطوز معروفة بتنوعها الاجتماعي والديني، لكن سنوات الحرب غيّرت ملامحها السكانية بشكل ملحوظ، مع وصول عائلات كثيرة من محافظات أخرى، بينها دير الزور.
وهذا التنوع في حد ذاته ليس مشكلةً، فالمجتمعات المختلطة تعيش باستقرار عندما تتوفر قواعد واضحة وتتحرك المؤسسات بسرعة وعدالة لحل أي خلاف، لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم ضغوط أخرى من منافسة على السكن أو فرصة عمل أو خدمة عامة، فتتحول هذه الضغوط الصامتة إلى وقود جاهزة، تحتاج فقط لشرارة صغيرة لكي تظهر على السطح.
والأخطر من شكل الحادثة الخارجي هو الطريقة التي بدأ الناس يقرؤونها فيها، فبدل أن يبقى السؤال بسيطاً من اعتدى على من؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ تحول تدريجياً إلى سؤال مختلف تماماً: من يقف مع هذا الطرف ومن يقف مع الطرف الآخر؟ وهنا بالضبط تكمن الخطورة الحقيقية، لأن أي خلاف ينتقل من كونه مشكلة بين أفراد إلى مشكلة بين هويات جماعية، يصبح أصعب بكثير على الاحتواء ويكفي حادث جديد، مهما كان صغيراً لإعادة إشعاله من جديد.
مسألة رواية وليست واقعاً
حادثة كهذه من الممكن أن تُحكى بطريقتين متناقضتين تماماً، وكلتاهما تحمل جزءاً من الصحة، فمن جهة يمكن قراءتها بوصفها دليلاً إضافياً على أن سوريا “ضعيفة”، وغير قادرة على استيعاب أي احتكاك اجتماعي دون إحداث انفجار أمني، وهي القراءة التي تجد صدى في تحليلات تحذر من هشاشة الاستقرار، وتعدد مراكز القوة واستمرار حالة عدم اليقين المؤسسي في البلاد.
لكن من جهة أخرى يمكن قراءة الحادثة كما تُقرأ في أي بلد يعيد بناء نفسه بعد نزاع طويل، احتكاك محلي عابر عُولِج بسرعة وانتهى، ولا يُفترض أن يُحمَّل أكثر من حجمه الحقيقي، فالقوة تكمن بالدول القادرة على إدارة مشاكلها بسرعة وشفافية.
هل شهدت سوريا هذا من قبل؟
قد تبدو هذه الاحتكاكات اليوم مقلقةً لمن يتابعها للمرة الأولى، لكن ذاكرة سوريا تقول شيئاً مختلفاً، فقبل أكثر من عشرين عاماً وفي زمن كانت فيه السلطة تحكم قبضتها الأمنية والإعلامية بإحكام شديد، شهدت مدينة القامشلي في محافظة الحسكة مواجهات كبيرة، انطلقت من مباراة كرة قدم لتنتج احتكاكات أهلية واسعة، استدعت تدخلاً أمنياً مكثفاً.
هذه الحادثة تسرّبت وعُرِفت رغم أن السلطات السابقة وقتها، كانت تمنع عادةً تسرب أخبار كهذه أو تضخيمها إعلامياً، وهذا ما يعنيه أن هذا النوع من التوترات المحلية ليس نتاج المرحلة الانتقالية الحالية، فهو جزء من نسيج اجتماعي معقد عاشته سوريا عبر عقود مختلفة، بغضّ النظر عمّن يحكم أو كم كان الإعلام مقيداً.
لماذا هذا طبيعي أكثر مما نظن؟
النسيج القبلي والعشائري في سوريا قديم جداً ومعقد بطبيعته، ويحمل داخله تفاعلات بين مكونات اجتماعية متنوعة تجد نفسها أحياناً في جوار جغرافي جديد نسبياً، وريف دمشق على وجه الخصوص، استقبل خلال السنوات الأخيرة أعداداً كبيرة من العائلات القادمة من محافظات أخرى، بحثاً عن استقرار وعمل بعد سنوات النزوح.
وهذا النوع من التعايش رغم أنه يسير بسلاسة في أغلب الأحيان، إلا أنه يشهد أحياناً احتكاكاً فردياً عابراً لا يعكس بالضرورة أزمةً عميقة، أما المقياس الحقيقي هنا فهو سرعة احتوائه، وهذا بالضبط ما أثبتته مبادرة وجهاء العشائر الذين تحركوا للتهدئة قبل أن يتفاقم الأمر.
إذاً يمكن القول إن الحادثة التي بدأت بخلاف صغير وانتهت بعودة الهدوء، قصة مجتمع يتعلم كيف يتعامل مع احتكاكاته الطبيعية، فتوتر جديدة عرطوز أثبت فعالية الاستجابة السريعة والخطابات التي ترفض التصعيد من الجانبين معاً.
لكن خلف هذا الهدوء يبقى سؤال يستحق التأمل أكثر من التسرع بالإجابة عليه ألا وهو: إلى من يلجأ الناس عندما يشعرون أن حقهم مهدد؟ إلى المؤسسة والقانون، أم إلى العائلة والعشيرة وأبناء المنطقة؟
اقرأ أيضاً: القضاء الأهلي والوساطة العشائرية في سوريا: حوكمة يومية دون قاعات محاكم!









