المجتمع السوري

هل تنقذ الإصلاحات الحكومية التأمين الصحي؟

بقلم هلا يوسف

يعاني التأمين الصحي في سوريا من ضعف واضح في الانتشار والفاعلية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات طبية قليلة التكلفة، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع أسعار العلاج. وتشير البيانات الرسمية إلى أن هذا القطاع لا يزال عاجزاً عن تغطية الغالبية العظمى من السكان، مما يجعله أحد أبرز التحديات التي تواجه النظام الصحي في البلاد.

وبحسب التقرير السنوي الصادر عن هيئة الإشراف على التأمين في أيار 2024، فإن نسبة المشمولين بالتأمين الصحي لا تتجاوز 5% من إجمالي السكان، أي نحو 927 ألف شخص فقط. وعلى الرغم من محدودية هذا العدد، فإن 64% من المؤمن عليهم استفادوا من الخدمات الصحية، حيث قدمت شركات التأمين أكثر من 3.2 ملايين خدمة شملت المعاينات الطبية، وصرف الأدوية، والعمليات الجراحية، والعلاجات المختلفة.

ورغم هذه الأرقام، يحذر مختصون من أن قطاع التأمين الصحي مهدد بالتراجع وربما الانهيار في حال لم تتخذ إجراءات عاجلة لدعمه، خاصة أن معظم التغطية الحالية تتركز بين العاملين في القطاع العام، في حين تبقى غالبية السوريين خارج التأمين.

وفي هذا السياق أوضح الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات الفقر التي تصل إلى 90% بحسب المعلومات، تجعل من الصعب بناء نظام تأمين صحي واسع وناجح. واعتبر أن ضعف التغطية التأمينية، وانخفاض نسبة التحمل التي تقدمها شركات التأمين، يقللان من جدوى التأمين الصحي بالنسبة للمشتركين.

وأشار اسمندر إلى أن عدد المشتركين لا يتجاوز نحو 900 ألف شخص، أكثر من نصفهم من موظفي الدولة، في حين لا تتعدى نسبة المؤمن عليهم 5% من السوريين، مقارنة بدول مثل مصر حيث تصل هذه النسبة إلى نحو 66%. كما لفت إلى أن حجم سوق التأمين الصحي في سوريا لم يتجاوز 60 مليون دولار، مقابل أكثر من 384 مليون دولار في مصر، ما يعكس الفارق الكبير في حجم هذا القطاع.

وأضاف أن التضخم وتذبذب الأسعار يضعان شركات التأمين أمام صعوبات كبيرة في الالتزام بتعرفة ثابتة، الأمر الذي ينعكس على جودة الخدمات، كما أن تأخر دفع التعويضات وعدم الالتزام بالفواتير يدفع الكثير من الأطباء والمراكز الطبية إلى رفض التعاقد مع شركات التأمين.

وتعمل في سوريا 13 شركة تأمين، بينها شركة حكومية واحدة هي “السورية للتأمين”، و12 شركة خاصة، تقدم خدمات متعددة تشمل التأمين الصحي، وتأمين السيارات، والحريق، والحياة، والسفر، والحوادث، وغيرها. إلا أن التغطيات الصحية بقيت محدودة، حيث بلغ سقف العمليات الجراحية في المشافي الخاصة عام 2023 نحو 3 ملايين ليرة، وفي المشافي الحكومية نحو 10 ملايين ليرة.

أما التغطية خارج المشفى، والتي تشمل المعاينات والفحوصات المخبرية والأشعة والوصفات الدوائية، فقد كان سقفها نحو 500 ألف ليرة سنوياً، ويصل إلى 600 ألف ليرة للمصابين بأمراض مزمنة، مع تحديد عدد زيارات الطبيب بثلاث زيارات سنوياً، وهو العدد نفسه المسموح للوصفات الطبية.

وفي عام 2023، بلغ القسط السنوي للتأمين الصحي لموظفي القطاع العام نحو 116 ألف ليرة، تقتطع بنسبة 3% من الراتب الشهري، في حين لم يكن التأمين الصحي إلزامياً للمتقاعدين، رغم المطالب المتكررة بضمهم، خاصة مع تقدم العمر وارتفاع أسعار الأدوية وضعف الرواتب التقاعدية.

وتشير شهادات معلمين إلى أن نسب الاقتطاع ارتفعت في فترات سابقة إلى 5%، مقابل الحصول على دفتر صحي يتيح صرف الوصفات الطبية بخصم محدود، مع رفض بعض الوصفات مرتفعة القيمة، ما دفع عدداً منهم للاشتراك بشركات تأمين خاصة كانت متعاقدة مع وزارة التربية، وتقدم معاينات شبه مجانية وتغطية جزئية للأدوية، لكنها غالباً ترفض الوصفات المكلفة.

من جهة أخرى، كان قد عبر عدد من الأطباء عن عدم رضاهم عن العمل مع التأمين الصحي، لا سيما الحكومي، بسبب انخفاض أجر المعاينة الذي كان لا يتجاوز 10 آلاف ليرة، مقارنة بأجور المعاينات خارج التأمين التي تتراوح بين 20 و50 ألف ليرة. كما اشتكى أطباء من تأخر شركات التأمين الخاصة في تسديد مستحقاتهم، ما دفع بعضهم إلى فسخ العقود.

وفي محافظة درعا، أوضح أحد العاملين في “السورية للتأمين” أن الشركة متعاقدة مع عشرات الأطباء والصيدليات والمخابر والمشافي، لكنها تواجه صعوبة في رفع أجور المعاينة رغم مطالب الأطباء المتكررة، ما يؤدي أحياناً إلى انسحاب بعضهم من المنظومة.

أما في القطاع النقابي، فقد طرحت نقابة المهندسين السوريين عام 2023 أقساطاً جديدة للتأمين الصحي، وصلت في بعض الحالات إلى 20 مليون ليرة سنوياً، وهو رقم مرتفع جداً مقارنة بالحد الأدنى للأجور الذي كان يبلغ نحو 186 ألف ليرة. كما اشترطت النقابة على المشتركين القدامى القبول بالأسعار الجديدة للاستمرار في التأمين.

كما واجه المهندسون المتقاعدون تحديات أكبر، إذ توجب على من يبلغ 65 عاماً دفع قسط سنوي يقارب 2.8 مليون ليرة للاشتراك بالتأمين الصحي، بينما لم يتجاوز مجموع دخله التقاعدي السنوي مليوني ليرة، ما يجعل التأمين الصحي عبئاً يفوق قدرته المالية.

إجراءات لتحسين منظومة التأمين الصحي

في ظل هذا الواقع، أعلنت الحكومة السورية عن بدء عملية إصلاح شاملة لمنظومة التأمين الصحي الحكومي، بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بضعف التغطية وارتفاع تكاليف العلاج في ظل حكم النظام السابق. وأكدت وزارتا الصحة والمالية أن الإصلاح سيتم بشكل تدريجي، على أن تبدأ أولى مراحله مع بداية عام 2026، من خلال لجنة مشتركة تعمل على معالجة الخلل وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لموظفي الدولة.

وشملت التعديلات رفع سقف التغطية للعلاج داخل المشافي إلى 20 مليون ليرة سنوياً، إضافة إلى رفع تغطية البدائل الصناعية والمواد الخاصة إلى 6 ملايين ليرة. كما جرى رفع سقف العلاج خارج المشفى إلى 1.5 مليون ليرة سنوياً، وزيادة تغطية الأدوية المزمنة إلى مليوني ليرة.

وتم رفع عدد زيارات الطبيب إلى خمس زيارات سنوياً، ومنح المرأة الحامل ست زيارات متابعة، إلى جانب تعديل التعرفات الطبية، حيث ارتفعت أجور العمليات الجراحية بنسبة 60%، ومعاينة الأطباء بنسبة 100%، وتعرفة المخابر والأشعة بنسبة 30%.

وفي الإطار نفسه أكد مدير عام هيئة الإشراف على التأمين كفاح الموسى الفوملي أن العمل في قطاع التأمين الصحي مستمر دون إلغاء أي قوانين سابقة، مشيراً إلى أن الجهات المعنية تعمل على إعادة تنظيم عقود التأمين الصحي للعاملين في القطاع الإداري، وضبط الإنفاق والحد من سوء الاستخدام، مع توجيه أي وفورات مالية لتحسين التغطيات المستقبلية وتوسيع الفئات المستفيدة.

وأضاف أن المؤسسة تتجه إلى أتمتة أعمالها وربطها بأنظمة إلكترونية حديثة لتسريع الإجراءات وتحسين الكفاءة، إلى جانب تطوير البرامج الحالية وابتكار منتجات تأمينية جديدة تستهدف شرائح أوسع من المجتمع، مؤكداً أن عدد المؤمنين صحياً في القطاع الإداري يبلغ نحو 533 ألف عامل.

كما جرى إدخال أدوات رقمية لمتابعة الأداء واستقبال الشكاوى، بينها وسائل تواصل مباشرة لمعالجة الحالات الطارئة، في إطار تعزيز الرقابة والحد من التجاوزات.

وبالتزامن مع هذه الإجراءات نظمت وزارة الصحة بالتعاون مع مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية ورشة عمل ناقشت واقع التأمين الصحي وسبل تطويره، واستعرضت التجربة السورية منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب التجارب العالمية، وخلصت إلى توصيات ركزت على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز التأمين الصحي المجتمعي، واعتماد آليات رقابة وتقييم واضحة لضمان استدامة النظام وتحسين فعاليته.

باختصار، ، يظهؤ واقع التأمين الصحي تفاوت كبير بين الحاجة المتزايدة للخدمات الطبية وقدرة النظام الحالي على تلبيتها. إلا أن الأمل كبير في الإجراءات الجديدة التي قد تحسن الواقع، وتطمئن المشمولين فيه على مستقبلهم الصحي، وتحقيق لهم الاستقرار الاجتماعي. وبذلك يكون التقدم في هذا الملف ابرز التحديات المقبلة.

اقرأ أيضاً: الأطباء المقيمون في مشافي وزارة الصحة..عشرة أشهر بلا رواتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى